الجمعة، 29 مايو 2015

إذا كان المسيح إلها فكيف كان يتقدم في الحكمة والقامة ؟

  يقول الكتاب المقدس أن الرب يسوع المسيح كان ينمو ويتقدم في الحكمة والمعرفة والنعمة والقامة ، أي الجسد ، عند الله والناس ؛ ” وكان الصبي (يسوع) ينمو ويتقوى بالروح ممتلئا حكمة وكانت نعمة الله عليه … وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لو40:2 ،52) ، وتنبأ عنه أشعياء النبي قائلاً ” ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب ” (اش2:11) ، وأيضاً ” روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللماسورين بالاطلاق ” (اش1:61) . وقرأ الرب يسوع المسيح النبؤة الثانية في مجمع اليهود وأكد أنها مكتوبة عنه ، يقول الكتاب المقدس ” وجاء الى الناصرة حيث كان قد تربى . ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ . فدفع اليه سفر اشعياء
– 7 –
النبي . ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه : روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين ارسلني لاشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالاطلاق وللعمي بالبصر وارسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة … فابتدأ يقول لهم انه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم ” (لو16:4-21) . والسؤال الآن هو :

 كيف نما في رحم العذراء القديسة مريم وكيف نما في القامة إذا كان هو الله الذي يحيط بكل شيء ولا يحده شيء ؟
 كيف تربي في الناصرة إذا كان هو خالق كل شيء ؟
 كيف كان يتقدم في النعمة إذا كان هو الله كلي النعم ؟
 كيف كان يتقدم في الحكمة إذا كان هو الله كلي الحكمة والعلم ؟
 كيف كان يتقوى بالروح إذا كان هو الله والله روح ؟
  ويوضح لنا الكتاب المقدس أن المسيح هو كلمة الله الذي هو الله ذاته ، بلاهوته ، كلمة الله المملوء نعمة وحقاً وقد صار جسداً ” والكلمة
– 8 –
صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً ” (يو14:1) ، أتخذ جسداً ، صورة الله الذي هو الله أتخذ صورة العبد ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس ” (في6:2-8) ، الله ، الكلمة ، الذي حل بلاهوته في الناسوت ، وتجسد ” الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً ” (كو9:2) ، ظهر في الجسد ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) ، وولد من أمرأة في بيت لحم في ملء الزمان ، وهو كلي الوجود ، الموجود في كل زمان ومكان ، والذي لا يحده شيء  ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة ” (غل4:4) .
  وكما نقول عنه في قانون الإيمان ” نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق مساوي للآب في الجوهر ، الذي به كان كل شيء ، هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس ” .
  ولكنه بلاهوته ظل هو هو كلي الوجود الموجود في كل زمان ومكان لا يحده شيء ولا يحيط به شيء ، كما يقول القديس أثناسيوس
– 9 –
الرسولي ” فلا يتوهمن أحد ، أنه اصبح محصورا في الجسد ، أو أن كل مكان آخر أصبح خاليا منه بسبب حلوله في الجسد ، أو أن العالم اصبح محروماً من عنايته وتدبيره طالما كان يحرك الجسد … أنه وهو ” الكلمة ” الذي لا يحويه مكان ، فأنه هو نفسه يحوي كل الأشياء ، وبينما كان حاضراً في كل الخليقة فقد كان يتميز عن سائر الكون في الجوهر ، وحاضرا في كل الأشياء بقدرته ، ضابطا كل الأشياء ، ومظهرا عنايته فوق كل شيء ، وفي كل شيء ، وواهبا الحياة لكل شيء ، ولكل الأشياء ، مالئا الكل دون أن يُحد ، بل كائنا في أبيه وحده كليا .
  وهكذا حتى مع حلوله في جسد بشري واهبا إياه الحياة ، فقد كان يمنح الحياة في نفس الوقت للكون بلا تناقض … ومع أنه كان معروفا من خلال أعماله التي عملها في الجسد ، كان في نفس الوقت ظاهرا أيضا في أعمال الكون “(4).
  فهو ، المسيح ، بعد التجسد كان كاملاً في لاهوته وكاملاً في ناسوته ، ولأنه كان كاملا في ناسوته فقد نما بالفعل في القامة ، الجسم ، كإنسان ، نما في رحم العذراء كجنين وهو متحد باللاهوت ، وولد كطفل وهو متحد باللاهوت ، ونما كطفل وفتى وشاب ورجل وهو متحد باللاهوت ” لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين ” . ولكنه كابن الله ، بلاهوته ، لم يكن في حاجة إلى نمو في الحجم لأنه كلي الوجود الموجود في كل زمان ومكان ، ولا في المعرفة لأنه كلي المعرفة والعلم ، العالم بكل شيء ، علام الغيوب ، ولا في القوة لأنه القادر على كل شيء ، كلي القدرة .
1 – يقول الكتاب المقدس عنه أنه قوة الله وحكمة الله :  
  ” المسيح قوة الله وحكمة الله ” (1كو24:1) ، ” المسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء ” (1كو30:1) ، وأنه ” المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم ” (كو2:3) . بل هو المعطى فما وكلاما وحكمة وقد قال لتلاميذه ” لأنى أنا أعطيكم فما وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يناقضوها أو يقاوموها ” (لو1:21) . ويقول الكتاب عنه ” لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعض بمزامير وتسابيح وأغانى روحية بنعمة مترنمين فى قلوبكم للرب. وكل ما عملتم بقول أو بفعل الكل بأسم الرب يسوع المسيح ” (كو16:3-17) .

– 11 –
2 – كما أنه بلاهوته هو المملوء نعمة ومعطي النعمة للجميع ؛ يقول الكتاب عنه ، بعد تجسده ، كالمسيح الإله المتجسد :
† ” وكان الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه ” (لو4:22) .
† ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا … ومن ملئه نحن جميعا أخذنا ونعمة فوق نعمة ” (يو14:1،16) .
† ” لان الناموس بموسى أعطي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا ” (يو17:1) .
  وكانت تحية الكنيسة الأولي هي ” نعمة ربنا يسوع المسيح … معكم ” (2كو14:134) :
† ” نعمة ربنا يسوع المسيح معكم امين ” (رو16: 20) .
† ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح انه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا انتم بفقره ” (2كو9:8) .
† ” نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم ” (غل18:6فيل25:1) .
3 – وهو معطى النعمة ؛ يقول عنه الكتاب أنه الغنى والذى يعطى الجميع من غناه ونعمته . وكلمة نعمة تعني فى اليونانية أيضاً فضل
– 12 –
وأحسان ومنّه . والرب يسوع يقدم دائماً فضله وأحسانه ونعمته تظهر فى الضعف . وغنى نعمته فائق ولا حد له :
† ” فأنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع أنه من أجلكم أفتقر وهو غنى لكي تستغنوا أنتم بفقره” (2كو 9:8) .
† ” فقال لى تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل” (2كو9:12) .
† ” ليظهر فى الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا فى المسيح يسوع ” (2يو3) .
† ” ولكن أنموا فى النعمة وفى معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح له المجد الآن وإلى يوم الدهر” (2بط 18:3) .
  فهو الغنى بالنعم الذى يعطى الجميع من نعمة وغناه فهو المنعم ومصدر النعم وواهبها . ولكنه نما في النعمة كإنسان ، بناسوته بمعنى أنه أظهر هذه النعمة بما يتناسب مع الفترة الزمنية لتجسده وميلاده من العذراء .
4 – وكان الرب يسوع المسيح يتقوى بالروح وهو نفسه القوي ومعطي القوة ؛ كان يتقوى بالروح كإنسان وذلك على الرغم من أنه  هو نفسه بلاهوته القوي ، كلي القدرة ، فهو خالق الكون ومدبره ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان ” (يو3:1) ،
– 13 –
وهو الذي يعطي القوة للجميع :
† ” فبكل سرور أفتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل على قوة المسيح ” (2كو9:12) .
† ” وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذى قوانى” (كو29:1).
† ” المسيح فيكم رجاء المجد … الذى لأجله أتعب أيضاً مجاهراً بحسب عمله الذى يعمل بقوة ” (1تى12:1) .
† ” أستطيع كل شيء فى المسيح الذى يقوينى” (فى13:4).
† ” ولكن الرب وقف وقواني لكى تتم لى الكرازة ” (2تى17:4) .
  فالرب يسوع هو الذى يعمل الانبياء والرسل بقوته ، يعمل فيهم وبهم ” لأنى لا أجسر أن أتكلم عن شىء مما لم يفعله المسيح بواسطتى” (رو 18:15) .
  كان في إمكانه أن يظهر علمه الكلي ومعرفته الكلية وقدرة الكلية ونعمته الغنية من بداية ظهوره على الأرض وفي كل الأوقات والمناسبات ولكنه حجب هذه المعرفة وهذا العلم وهذه القوة وهذه النعمة بسبب تجسده ، اتخاذه الجسد الذي حل فيه وأتحد به ، واشترك به في ضعف البشرية وعجزها  فقد كان ” مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ” (عب15:4) . ومن ثم فقد شاءت إرادته الإلهية أن يظهر
– 14 –
علمه ومعرفته وقوته ونعمته للناس تدريجيا ، بطريقة متدرجة ومتطورة ومتفقة مع نموه الجسدي .
5 – كان يتقوى بالروح والروح القدس الذي هو روح الله هو روحه أيضا ؛ يقول الكتاب المقدس ” روح يسوع المسيح ” (في19:1) ، ” واما انتم فلستم في الجسد بل في الروح أن كانروح الله ساكنا فيكم . ولكن ان كان احد ليس له روح المسيح فذلك ليس له ” (رو8:9) ، الذي كان في الـ ” أنبياء الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم باحثين اي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم ” (1بط11:1) . كما يوصف أيضا بروح ابن الله ، روح ابنه ” ثم بما أنكم ابناء ارسل الله روح ابنه الى قلوبكم صارخا يا ابا الآب ” (غل6:4) .
  ولأن الروح القدس هو روح الابن ، المسيح ، فهو الذي يرسله من الآب ” لكني اقول لكم الحق انه خير لكم ان انطلق . لأنه أن لم انطلق لا يأتيكم المعزي (الروح القدس) . ولكن ان ذهبت ارسله اليكم ” (يو7:16) ، ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله انا اليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي ” (يو26:15) .
  كان يسوع يتقوى بالروح ، كإنسان ، وكان الروح القدس هو روحه
– 15 –
، كالإله المتجسد ، ومن ثم كان يقدس هو ذاته كقوله عن تلاميذه ، عندما كان يناجي الآب  ” لأجلهم أقدس انا ذاتي ليكونوا هم ايضا مقدسين في الحق ” (يو19:17) .
  ولذا فعندما حل عليه الروح القدس في المعمودية قال عنه الآب ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” ، وعندما تكلم القديس بطرس بالروح عن مسحه بالروح القدس قال أنه رب الكل وديان الأحياء والأموات ” يسوع المسيح . هذا هو رب الكل … كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لان الله كان معه … ونشهد بان هذا هو المعين من الله ديانا للأحياء والأموات ” (أع36:10ـ40) . هو رب الكل والديان العادل بلاهوته ، ولكنه كان يتقوى بالروح الذي مُسح به في المعمودية وتعين من قبل الله كإنسان ، الإله المتجسد ، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته ، فقد قدس هو ذاته بذاته .
  كان هو كلمة الله وحكمة الله ، وقوة الله ، كلي العلم ، العالم بكل شيء والذي لا يوجد لعلمه حدود ، غير المحتاج إلى التقدم أو النمو في المعرفة أو الحكمة ، فهو الكامل كمال مطلق والذي منه تستمد البشرية الكمال النسبي ، كان كاملا في لاهوته ولا يحتاج إلى نمو
– 16 –
سواء في العلم أو المعرفة أو الحكمة ، وكان في إمكانه أن يظهر هذا العلم منذ البداية حتى في لحظة ميلاده وفي كل وقت ، كما حاولت بعض الكتب المتأخرة نسبيا (الأناجيل الأبوكريفية) أن تدعي ذلك ، ولكن بسبب التجسد واحتجاب لاهوته في ناسوته حجب هذه المعرفة وهذه الحكمة ، وأظهرهما تدريجيا وبطريقة تتناسب مع النمو الجسدي لناسوته . فكلما نما جسده وتقدم في السن (العمر) كشف عن شيء من لاهوته بطريقة متدرجة تتناسب مع هذا النمو الجسدي .
  كان في إمكانه أن يكشف عن علمه الكلي بمجرد ميلاه بالجسد من القديسة مريم العذراء ، فهو الذي ” فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9:2) ، ولكنه ، بحسب التدبير الإلهي ، شاءت إرادته الإلهية أن يكشف عن ذلك تدريجيا وبحسب ما يتناسب مع النمو الجسدي حتى لا يكشف عن حقيقة ظهوره في الجسد قبل أن يتم تدبير الفداء . وقد حاول الشيطان أن يجعله يكشف عن حقيقة شخصه الإلهي مستخدما عبارة ” أن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا  … أن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى اسفل ” (مت3:3،6) . ولكن الرب يسوع المسيح لم يحقق له مأربه أبدا بل كان يرد علية باستخدام عبارة ” مكتوب ” ؛ ” مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان …مكتوب
– 17 –
أيضا لا تجرب الرب إلهك ” (مت4:4،7) .
 يقول القديس أثناسيوس الرسولي : ” الكلمة باعتباره الكلمة ليس هو الذي تقدم ، فهو الكامل من الآب الكامل ، وهو لا يحتاج شيئا بل هو يأتي بالآخرين إلى التقدم ، ولكن كتب هنا أنهيتقدم إنسانيا ، حيث أن التقدم هو خاص بالبشر ، ولذا فالإنجيلي وهو يتكلم بدقة وحذر قد ذكر القامة عندما تحدث عن التقدم ، ولكن لكونه الكلمة والله فهو لا يقاس بالقامة ، التي تخص الأجساد ، إذا فالتقدم هو للجسد ، لهذا ففي تقدمه كان يزداد أيضا ظهور اللاهوت أكثر فأكثر كلما ازدادت نعمته كإنسان أمام كل الناس ، فهو كطفل حُمل إلى الهيكل ، وحينما صار صبيا بقي هناك في الهيكل وكان يسأل الكهنة حول الناموس . وكان جسده ينمو شيئا فشيئا والكلمة كان يظهر نفسه فيه (في الجسد) … أن التقدم في الحكمة ، ليس هو تقدما للحكمة ذاتها ، لكن بالأحرى هو تقدم للناسوت في الحكمة لأن يسوع ” كان يتقدم في الحكمة والنعمة ” … لأنه هكذا بازدياد الجسد في القامة كان يزداد فيه ظهور اللاهوت أيضا ويظهر للكل أن الجسد هو هيكل الله ، وأن الله كان في الجسد … وكما قلنا ، أنه تألم بالجسد ، وجاع بالجسد ، وتعب بالجسد ، هكذا يكون معقولا أيضا أن يقال
– 18 –
أنه تقدم بالجسد لأن أي تقدم مثل الذي شرحناه لا يمكن أن يحدث للكلمة بدون الجسد . لأن فيه كان الجسد الذي وهو يدعوه جسده ، وذلك لكي ما يظل تقدم البشر مستمرا ولا يضعف ، بسبب وجود الكلمة في الجسد . أذن فالتقدم ليس للكلمة كما أن الجسد لم يكن هو الحكمة ، ولكن الجسد صار جسد الحكمة ، لذلك فكما سبق أن قلنا ـ ليست الحكمة كحكمة هي التي تقدمت في ذاتها ، ولكن الناسوت هو الذي تقدم في الحكمة ، بأن يرتفع شيئا فشيئا فوق الطبيعة البشرية وبأن يتأله ويصير ظاهرا للجميع كأداة الحكمة لأجل عمل اللاهوت وإشراقه . لذلك فالبشير لم يقل : ” أن الكلمة تقدم ” ، لكن ” يسوع ” وهو الاسم الذي دعي به الرب عندما صار إنسانا حتى يكون التقدم هو للطبيعة البشرية “(2).  
 ويقول القديس كيرلس عامود الدين في رسالة له إلى نسطوريوس :
  ” لو أنه أبان وهو طفل من الحكمة ما يليق به كإنسان ، لظهر للجميع كأنه كائن غريب شاذ عن الجميع . ولكنه كان يتدرج في إظهار حكمته بالنسبة إلى تقدمه في العمر بحسب الجسد . وهكذا أراد أن يظهر للكل كأنه هو نفسه كان يزداد في الحكمة بما يتلاءم مع سنه 00 ففي تأكيدنا أن ربنا يسوع المسيح هو أحد ، وفي نسبتنا له خواص اللاهوت والناسوت نؤكد حقيقة أنه ملائم لقياسات تواضع المسيح حتى أنه قبل زيادة جسدية ونمو في الحكمة . فأعضاء الجسد كانت تصل بالتدريج إلى تمام بلوغها ، ومن جهة ثانية يظهر كأنه امتلأ حكمة بنسبة ظهور الحكمة الكامنة فيه كأنها تبرز بدرجة ملائمة لنمو الجسد … فهو يعرف من جهة اللاهوت لأنه حكمة الآب ولكنه إذ أخضع نفسه إلى القياس الناسوتي اتخذ لنفسه بحسب التدبير ذلك القياس . ولم يكن كما قلت سابقا يجهل شيئا لكن يعلم كل شيء كما يعلم الآب “(3).
 ويقول في عظة له على (لو4:2ـ52) :
  ” أن يقال أن ” الطفل كان ينمو ويتقوى بالروح ، ممتلئا حكمة ، وكانت نعمة الله عليه ” ، هذا الكلام ينبغي أن يؤخذ على أنه يشير إلى طبيعته البشرية ، وارجو أن تفحصوا في عمق التدبير : فالكلمة يحتمل ويقبل أن يولد في صورة بشرية ، رغم أنه في طبيعته الإلهية ليس له بداية وليس خاضعا للزمن . والذي هو إله كامل تماما من كل ناحية ، فأنه يخضع للنمو الجسدي ، وغير الجسدي ، صارت له أطراف تنمو مع نمو بشريته والذي هو نفسه الحكمة كلها يمتلئ بالحكمة . وماذا نقول عن هذا ؟ ـ فأن الذي كان في صورة الآب ـ قد صار مثلنا ، والغني أخذ صورة الفقر ، والعالي أخذ صورة الأتضاع ، والذي له الملء يقال عنه أنه ينال ويأخذ . وهكذا لأن الله الكلمة نفسه أخلى نفسه ! لأن كل الأشياء التي كُتبت عنه كإنسان تُظهر طريقة إخلائه . لأنه كان أمرا مستحيلا بالنسبة للكلمة المولود من الله أن يسمح بمثل هذه الأشياء أن تكون في طبيعته الخاصة . ولكن حينما صار جسدا أي صار إنسانا مثلنا ، فأنه حينئذ ولد بالجسد من امرأة . وقيل عنه أنه كان خاضعا للأمور التي تختص بحالة الإنسان ، وبرغم أن الكلمة لكونه إله كان يستطيع أن يجعل جسده يبرز من البطن في قامة رجل ناضج مرة واحدة ، إلا أن هذا يكون أعجوبة ومعجزة ، ولذلك فأنه أعطى لعادات وقوانين الطبيعة البشرية أن يكون لها سلطان على جسده .
  لذلك لا تعثروا في أنفسكم حينما تقولون كيف أن الله ينمو ؟ وكيف ينال حكمة جديدة ذلك الذي يعطي النعمة للملائكة والبشر ؟ فتأملوا
– 21 –
السر العظيم الذي يعطى لنا . لأن البشير الحكيم لم يقدم الكلمة في طبيعته المجردة غير الجسدية ولم يقل عنه وهو في هذه الحالة أنه يزداد في القامة والحكمة والنعمة ، ولكنه بعد أن أوضح أنه قد ولد في الجسد من امرأة وأخذ شكلنا ، فحينئذ ينسب إليه هذه الخصائص البشرية ، ويدعوه طفلا ويقول أنه كان يتقوى في القامة ، إذ أن جسده نما قليلا قليلا خاضعا للقوانين الجسدية .
  وهكذا أيضا قيل عنه أنه كان يتقدم في الحكمة ، لا كمن ينال مؤونات جديدة من الحكمة ـ لأن الله معروف بأنه كامل تماما في كل شيء ولا يمكن بالمرة أن يكون ناقصا في أي صفة مناسبة للاهوت ـ بل ازدياده في الحكمة هو بسبب أن الله الكلمة أظهر حكمته بالتدريج بما يناسب مرحلة العمر التي يبلغها الجسد .
  إذا فالجسد يتقدم في القامة والنفس تتقدم في الحكمة ، لأن الطبيعة الإلهية غير قابلة للازدياد لا في القامة ولا في الحكمة إذ أن كلمة الله كامل تماما . ولذلك فأنه لسبب مناسب ربط بين التقدم في الحكمة ونمو القامة الجسدية ، بسبب أن الطبيعة الإلهية أعلنت حكمتها الخاصة بما يتناسب مع قامة النمو الجسدي “(4).
  ومع ذلك فقد كان الرب يسوع حتى وهو طفل في الثانية عشر من عمره ، بالجسد ، أكثر فهما وعلما من كبار الشيوخ والعلماء وكل من كانوا حوله ، يقول الكتاب ؛ ” وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل جالسا في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم ، وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته ، فلما أبصراه (يوسف ومريم) اندهشا وقالت له أمه يا بني لماذا فعلت بنا هكذا هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين ، فقال لهما لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما انه ينبغي أن أكون في ما لأبي ، فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما ” (لو46:2ـ50) . لقد كانت حقيقة ذاته أكبر من يعرفها مجرد بشر حتى عندما كان طفلا بالجسد .
 يقول القديس كيرلس الإسكندري تعليقا على ذلك :
  ” هنا يذكر لأول مرة علانية من هو أباه الحقيقي ، ويعلن عن لاهوته هو نفسه ، لأنه حينما قالت العذراء القديسة : ” يا ابني لماذا فعلت بنا هكذا ” فحينئذ في الحال أظهر نفسه أنه يفوق قامة الأشياء البشرية ، وعلمّها أنها قد صارت أداة للتدبير بولادته بالجسد ، ولكنه بالطبيعة والحقيقة هو إله وابن الآب الذي في السماء . ولذلك يقول ” ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي “(5).
(4) تجسد الكلمة 17.
– 10 –
(2) ضد الاريوسيين 3 : 51 ـ 53 .
– 19 –
(3) مجموعة الشرع الكنسي ص 314 ؛ تاريخ الفكر المسيحي القس يوحنا الخضري جـ 3 : 130.
– 20 –
(4)  تفسير إنجيل لوقا الجزء الأول .
– 22 –
(5) تفسير إنجيل لوقا الجزء الأول ص 54 .
–  23 –

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لدى مدونة المحترف للمعلوميات | إتفاقية الإستخدام | Privacy-Policy| سياسة الخصوصية

تصميم : المهدي درة