ببب
الأربعاء، 22 يوليو 2015
من هو إله العهد القديم؟ شرح عام
من هو إله العهد القديم؟ ما هي الصورة التي يقدمها لنا العهد القديم عن الله؟ هل إله العهد القديم هو فعلًا إله حروب وسفك دماء؟ وهل هو فعلًا لا يعرف الرأفة ولا الرحمة؟ وهل إله العهد الجديد هو إله آخر مختلف عن إله العهد القديم؟ هل حدث تغيير في ذات الله وهو المنزَّه عن التغيير، الأزلي والأبدي؟ وهل يمكن أن يكون الله واحد ولكنّه يتعامل بطريقة مختلفة في العهد الجديد عنها في العهد القديم؟
في الحقيقة نحن مجربون بأن نرسم صورة مغلوطة عن الله بسبب دراستنا لنصوص كتابية ناقصة، أو منزوعة من قرينتها، أو بعيدًا عن خلفيتها التاريخية. وسياقها اللاهوتي، لكن دعونا نكوِّن مفهومًا صحيحًا عن الله في العهد القديم كما أعلن هو عن نفسه وعن طبيعته الشاملة والكاملة بكل وضوح في الكلمة المقدسة.
الإله الخالق المعتني:
إن أول شيء يقدمه لنا الكتاب المقدس عن الله في الإصحاحات الثلاثة الأولى من سفر التكوين أنه الخالق المعتني، فهو الذي خلق الكون بكل ما فيه، وأبدع في صنعه، لذلك يقول المرنم: “مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنةٌ الأّرْضُّ مِنْ غِنَاكَ” (مز24:104). والعالم كله موضوع إهتمام الله ومحبته وعنايته ورعايته. إنه يهتم بطيور السماء وزنابق الحقل (مت6: 26-28). يهتم بكل حيوانات البرية (مز50: 11،10). وهو يعتني بكل إنسان، أيَّا كان جنسه أو دينه أو لونه أو معتقده، لأن الكل أبناء الله بحكم الخلق، لذلك يقول بولس: “الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ…. وَصَنَعَ مِنْ كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، لِكَيْ يَطْلُبُوا الله لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا…. لأَننَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ. فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ الله” (أع17: 25-29). وقال المسيح: “يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَار وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَار و َالظَّالِمِينَ” (مت45:5).
ولذلك أقول إن الله يحب كل إنسان، لأن كل إنسان صنعة يده ومخلوق على صورته، سواء كان يهوديًا أو أدوميًا أو كنعانيًا أو فلسطينيًا. وسواء كان مسيحيًا أو مسلمًا أو بوذيًا أو هندوسيًا أو ملحدًا، فهو لا يميز بين إنسان وآخر، ولا بين شعب وآخر، ولا بين دين وآخر، إذ ليس عند الله محاباة، والله لا يكيل بمكيالين. وإذا قلنا إن الله يميز شعب عن آخر، أو فرد عن آخر نحن نهين الله. فما رأيك في مدرس يعطي درجات أعلى للطلبة الذين ينتمون إلى نفس دينه، ألا تحتقر هذا المدرس؟ فكم بالحري الله العظيم!
إله النعمة المتفاضلة:
فنجد هذا الإله العظيم بعد السقوط يأتي بذاته ليبحث عن آدم قائلًا: “أين أنت؟” (تك9:3)، ويصنع أقمصة من جلد ويكسيه. ثم نراه يبادر ويدخل في عهد مع إبرام واعدًا إياه بأن يكون بركة للعالم، وأن يتبارك العالم من خلاله “وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظَّمَ اسْمَكَ، وَتَكُنَ بَرَكَةً. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ” (تك12: 1-3). ثم نجده يكرر عبارة “وَتَتبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأّرْضِ” إلى كل من إبراهيم وإسحاق ويعقوب (تك3:12؛ 18:18؛ 3:28؛ 11:35؛ 10:49).
إله المحبة الكاملة:
يعلن لنا الكتاب المقدس أن الله محبة، وأنه يحب كل العالم. فهو لا يسر بموت الشرير، بل يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. وأنه “لِلرَّبَّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا، الْمَسْكُونَةُ وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا” (مز1:24). لقد أرسل يونان إلى نينوى وقال له: “قُمِ إذهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قضدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي” (يون2:1) وللأسف رفض يونان وقام وهرب إلى ترشيش. إن نينوى من وجهة نظره بلد أممي، والأمم بالنسبة لليهود كلاب، إلى جانب أنها عاصمة مملكة أشور، التي هي بلاد العراق الآن، وكانت تعيش في صراع مع إسرائيل. والغريب أنه بعد الأسلوب الدرامي الذي إستخدمه الرب معه ليذهب، فذهب ونادى للشعب بالتوبة وتابوا، جلس حزينًا إذ نقرأ “فَغَمَّ ذلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَإغْتَاظَ. وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلَامِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أّرْضِي؟ لِذَلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي، مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي” (يون4: 1-3). وحزن يونان لأن الله رؤوف ورحيم ورجع عن حمو غضبه، لقد كان يونان يريد خراب المدينة لأنها أممية. وعندما خرج يونان من المدينة وجلس شرقي المدينة أراد الله أن يصحح مفاهيمه ليدرك أن الله هو إله كل الخليقة، وأن كل الشعوب له، لذلك أعدَّ له يقطينة وإرتفعت وظللت عليه ولكنها في اليوم التالي يبست، وهنا حزن يونان حزنًا شديدًا وطلب الموت لنفسه، فقال له الله: أَنْتَ شَفِقْتَ عَلَى الْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا وَلَا رَبَّيْتَهَا، الَّتِي بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ. أَفَلَا أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِنَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ إثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِييرَةٌ؟” (يون4: 10-11). نعم إنه يشفق على نينوى وعلى كل شعب، وعلى كل إنسان، لأن كل إنسان له. إن الله لا يُحد في شعب ولا في جماعة، إنه يحب كل العالم.
لقد قال الرب يسوع: “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ…. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلَصَ بِهِ الْعَالَمُ” (يو3: 16و17) ويعلق وليم باركلي على هذه الآية قائلًا: “إن العالم كله دائرة محبته، ليس أمة واحدة وبقية الأمم لا… ليس الناس الطيبون والأشرار لا… ليس الذين يحبونه والذين يبغضونه لا. إن الله يحب الجميع، الذين لا صورة لهم ولا جمال في حياتهم، والذين لا يذكرون إسمه إطلاقًا. إن دائرة محبة الله الواسعة تشمل الجميع” [1].
إله يرفض العنف والقتل وسفك الدماء:
إله العهد القديم ليس كما يظن البعض إله قتل وسفك دماء، إنه يقول في الوصية السادسة من الوصايا العشر: “لَا تَقْتَلْ” (خر13:20). ويقول الحكيم: “هذِهِ السِّتَّةُ يُبْغِضُهَا الرَّبُّ… أَيْدٍ سَافِكَةٌ دَمًا بَرِيئًا” (أم6: 16-18).
ويوبخ الرب شعبه على لسان إرميا قائلًا: “أَتَسْرِقُونَ وَتَقْتُلُونَ وَتَزْنُونَ وتَحْلِفُونَ كّذِبًا وَتُبَخِّرُونَ لِلْبَعْلِ وَتَسِرِقُونَ وَتَقْتُلُونَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا ثُمَّ تَأتُونَ وَتَقِفُونَ أَمَامي فِي هّذَا الْبَيْتِ الَّذِي دُعِيَ بِإسْمِي عَلَيْهِ… هَلْ صَارَ هَذَا الْبَيْتُ الَّذِي دُعِيَ بِإسْمِي عَلَيْهِ مَغَارَةَ لُصُوصٍ فِي أَعْيُنِكُمْ” (إر7: 9-11).
ويقول على لسان إشعياء: “لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ؟” يَقُولُ الرَّبُّ “إتَّخَمَّتُ مِنْ مُحْرَقَاتتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ وَبِدَمِ عُجُولٍ وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ. فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلَاةَ لَا أَسْمَعُ. أَيْدِكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا” (إش1: 11-17).
ولكن قد يسأل البعض قائلًا: إذًا لماذا قال الرب فى العهد القديم:
“وَإِذَأ أَحدَثَ إِنْسَانٌ فِي قَرِيبِهِ عَيْبًا فَكَمَا فَعَلَ كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِهِ. كَسَّرٌ بِكَسْرٍ وًعَيْنٌ بِعَيْنٌ وَسِنٌ بِسِنٍّ. كَمَا أَحْدَثَ عَيْبًا فِي الإنسان كَذَلِكَ يُحْدَثُ فِيهِ” (لا 24: 19-20، راجع خر21: 23-25).
“مَنْ ضَرَبَ إِنْسَانًا فَمَاتَ يُقْتَلُ قَتْلًا” (خر12:21).
“وَإِذَا بَغَى إِنْسَانٌ عَلَى صَاحِبِهِ لِيَقْتُلَهُ بِغَدْرٍ فَمِنْ عِنْدِ مَذْبَحِي تَأخُذُهُ لِلْمَوْتِ” (خر21: 14-17).
أليست هذه التعاليم في العهد القديم تشجع على الإنتقام؟ عندما يعلِّم بأن من يخلع عينك تخلع عينه، ومن يكسر يدك تكسر يده.. إلخ. أليست تعاليم تشجع على الإنتقام؟
نقول كلا لعدة أسباب وهي:
أ – عندما أُعطيت هذه الشريعة كان المجتمع تحكمه قوانين الغابة. وكانت المجتمعات عبارة عن قبائل همجية، عندما تحدث مشاجرة بين شخصين ويكسر أحدهما ذراع الآخر، تهجم قبيلته على قبيلة الشخص الآخر وتقتل منهم عددًا كبيرًا. فجاءت شريعة العدل أو المعاملة بالمثل، وكأن الله يقول لهم “طبقوا العدل” إذا كسر إنسان يد آخر لا يجب أن تحطموا جسده كله تكسَر يده فقط، وإذا قلع إنسان عين آخر، لا يجب أن تقتلوه، أو تقتلوا أولاده بل لتُقلَع عينه فقط. لقد كانت شريعة العدل، وهي بداية الرحمة، وكان هدفها الحد من الإنتقام.
ب – يقول د. جون ستوت: إن هذه الشريعة كما توضح القرينة أُعطيت إلى قضاة بني إسرائيل (تث19: 17-21). فهي شريعة قضائية يطبقها القضاة وليس الأفراد، لأن موسى كان يكوِّن مجتمعًا مدنيًا له أسس وقواعد ومبادئ تقوم على العدالة والمساواة”. ويضيف د. ستوت: لذلك كانت الشريعة تأمر بقتل القاتل عمدًا، فيقول الوحي: “سَافِكُ دَمِ الإنسان بِالإنسان يثسْفَكُ دَمُهُ. لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإنسان” (تك6:9). وَأيضًا: “مَنْ ضَرَبَ إِنْسَانًا فَمَاتَ يُقْتَلُ قَتْلًا” (خر12:21). وتأمر بقتل من يشتم أباه أو أمه أو من يضربهما، ومن يسرق إنسانًا ليمتلكه أو يبيعه، والزاني والزانية… الخ. فيقول الوحي: “وَإِذَا بَغَى إِنْسَانٌ عَلَى صَاحِبِهِ لِيَقْتُلَهُ بِغَدْرٍ فَمَنْ عِنْدِ مَذْبَحِي تَأْخُذُهُ لِلْمَوْتِ. وَمَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلًا. وَمَنْ سَرِقَ إِنْسَانًا وَبَاعَهُ أَوْ وَجِدَ فِي يَدِهِ يقْتَلُ قَتْلًا. وَمَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قتْلًا” (خر21: 14-17). وقد كانت هذه القوانين أداة للتأديب والتهذيب وحماية للمجتمع من عبث العابثين، فلا يمكن أن يكون هناك مجتمع بلا قوانين تحكمه”[2].
ج – ما ورد في الشريعة ليس قاعدة يتبعها الفرد في حياته الخاصة، فيأخذ حقه بنفسه، كلا، لكن عليه أن يلجأ للقضاء، وفي نفس الوقت نجد العهد القديم يعلِّم بالمحبة والتسامح والغفران (أم19:24؛ 21:25؛ خر21:22؛ 4:23). فيمكن للفرد أن يسامح ويغفر ولا يلجأ للقضاء، كما هو اليوم.
إله العهد القديم يحذرنا من شهادة الزور:
فيقول في الوصية التاسعة من الوصايا العشر: “لَا تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُور” (خر16:20). ويقول الحكيم: “هذِهِ السِّتِّةُ يُبْغِضُهَا الرَّبَّ… شَاهِدُ زُورٍ يَفُوهُ بِالأَكَاذِيبِ” (أم6: 16-18).
إله العهد القديم يحذرنا حتى من الغضب:
فيقول على لسان داود: “كثفَّ عَنِ الْغَضَبِ، وَأًتْرُكِ السَّخَطَ” (مز8:37). ويصل بنا إلى أعلى درجات الرقي فيقول على لسان الحكيم: “فِكْرُ الْحَمَاقَةِ خَطِيِّةٌ” (أم9:24).
ويقدم لنا عدة نصائح غالية فيقول:
“بَطِيءُ الْغَضَبِ كَثِيرُ الْفَهْمِ” (أم29:14).
“الْجَوَابُ اللَّيَّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ وَالْكَلَامُ الْمُوجِعُ يُهَيِّجُ السَّخَطَ” (أم1:15).
“اَلْبَطِيءُ الْغَضَبِ خَيْرٌ مِنَ الْجَبَّارِ وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأخُذُ مَدِينَةً” (أم32:16).
ويقول في سفر الجامعة:
“لَا تُسْرِعْ بِرُوحِكَ إِلَى الْغَضَبِ لأَنَّ الْغَضَبَ يَسْتَقِرُّ فشي حِضْنِ الْجُهَّالِ” (جا9:7).
إله العهد القديم يبغض الكذب ويحب الصدق:
نهي الرب في العهد القديم عن الكذب فأوصى شعبه قائلًا: “لَا تَكْذِبُوا” (لا 11:19). وقال أيضًا: “لا تَقْبَلْ خَبَرًا كَاذِبًا” (خر1:23). “إبْتَعِدْ عَنْ كَلَامِ الْكَذِبِ” (خر7:23). ويقول على لسان الحكيم: “كَرَاهَةُ الرَّبِّ شَفَتَا كَذِبٍ، اَمَّا الْعَمِلُونَ بِالصِّدْقِ فَرِضَاهُ” (أم22:12).
“هذِهِ السِّتَّةُ يُبْغِضُهَا الرَّبُّ.. لِسَاٌن كَاذِبٌ” (أم6: 16-18).
“لَا يَسْكُنُ وَسَطَ بَيْتِي عَامِلُ غِشٍّ. الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَذِبِ لَا يَثْبُتُ أَمَامَ عَيْنَيَّ” (مز7:101).
“شَاهِدُ الزُّورِ لَا يَتَبَرَّأُ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِالأَكَذِيبِ لَا يَنْجُو” (أم5:19).
ويقول عن عقاب الكذابين: “تُهْلِكُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْكَذِبِ. رَجُلُ الدِّمَاءِ وَالْغِشِّ يَكْرَهُهُ الرَّبُّ” (مز6:5).
إله العهد القديم يعلمنا الأمانة:
فيقول في الوصية الثامنة من الوصايا العشر: “لَا تَسْرِقْ” (خر15:2). وقال أيضًا: “لَا تَسْرِقُوا” (لا 11:19).
وأوصى الرب بأن يعوض السارق عن الشيء الذي سرقه بعدة أضعاف فيقول: “إِذَا سَرَقَ إِنْسَانٌ ثَوْرًا أَوْ شَاةً فَذَبَحَهُ أَوْ بَاعَهُ، يُعَوِّضُ عَنِ الثَّوْرِ بِخَمْسَةِ ثِيرَانٍ، وَعَنِ الشَّاةِ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ” (خر1:22).
وقال الرَّبُّ لمُوسَى أيضًا: “إِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ وَخَانَ خِيَانَةً بِالرَّبِّ، وَجَحَدَ صَاحِبَهُ وَدِيعَةً أَوْ أَمَانَةً أَوْ مَسْلُوبًا، أَوِ إغْتَصَبَ مِنْ صَاحِبِهِ، أَوْ وَجَدَ لُقَطَةً وَجَحَدَهَا، وَحَلَفَ كَاذِبًا عَلَى كَاذشبًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ الإنسان مُخْطِئًا بِهِ، فَإِذَا أَخْطَاَ وَأَذْنَبَ، يَرُدُّ الْمَسْلُوبَ الَّذِي سَلَبَهُ، أَوِ الْمُغْتَصَبَ الَّذِي إغْتَصَبَهُ، اَوِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهُ، أَوِ اللُّقَطَةَ الَّتِي وَجَدَهَا، أَوْ كُلَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَاذِبًا. يُعَوِّضُهُ بِرَأْسِهِ، وَيزِيدُ عَلَيْهِ خَمْسَهُ. إِلَى الَّذِي هُوَ لَهُ يَدْفَعُهُ يَوْمَ ذَبِيحَةِ إِثْمِهِ” (لا 6: 1-5). ويضيف: “مِيزَانُ حَقّ، وَوَزّنَاتُ حَقّ، وَإِيفَةُ حَقّ، وَهِينُ حَقّ تَكُونُ لَكُمْ” (لا 19: 33-36).
إله العهد القديم يحذرنا من المحاباة في إصدار الأحكام:
أرجو أن تقرأ هذه الآيات وتتأمل فيها:
“لَا تَرْتَكِبُوا جَوْرًا فِي القَضَاءِ. لَا تَأْخُذُوا بِوَجْهِ مِسْكِينٍ وَلَا تَحْتَرِمْ وضجْهَ كَبِيرٍ. بِالْعَدْلِ تَحْكُمُ” (لا 15:19).
“لَا تَرْتَكِبُوا جَوْرًا فِي الْقَضَاءِ، لَا فِي الْقِيَاسِ، وَلَا فِي الْوَزْنِ، وَلَا فِي الْكَيْلِ” (لا 35:19).
“وَلَا تتحَابِ مَعَ الْمِسْكِينِ فِي دَعْوَاهُ… لَا تُحَرِّفْ حَقَّ فَقِيرِكَ فِي دَعْوَاهُ. وَلَا تَقْتُلِ الْبَرِيءَ وَالْبَارَّ، لَأنَّي لَا أُبَرَّرُ الْمُذْنِبَ… وَلَا تَأخُذْ رَشْوَةً، لَأنَّ الرَشْوَةَ تُعْمِي الْمُبْصِرِينَ، وَتُعَوِّجُ كَلَامَ الأَبْرَارِ” (خر1:23).
“لَا تَنْظُرُوا إِلَى الْجُوهِ فِي الْقَضَاءِ. لِلصَّغِيرِ كَالْكَبِيرِ تَسْمَعُونَ. لَا تَهَابُوا وَجْهَ إِنْسَانٍ لَأنَّ الْقَضَاءَ” (تث17:1).
“لَا تُعَوِّجْ حُكْمَ الْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ، وَلَا تَسْتَرْهِنْ ثَوْبَ الأَرْمَلَةِ. وَأُذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي مَصْرَ فَفَدَاكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ مِنْ هُنَاكَ. لِذلِكَ أَنَا أُوصِيكَ أَنْ تَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ” (تث24: 18،17).
وقال الله على فم سليمان الحكيم: مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلَاهمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ” (أم15:17).
وقال الله على فم إرميا النبي: “هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: إقْضُوا فِي الصَّبَاحِ عَدْلًا، وَإنْقِذُوا الْمَغْصُبَ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ، لِئَلَا يَخْرُجَ كَنَارٍ غَضَبِي فَيُحْرِقَ وَلَيْسَ مَنْ يُطْفِئُ، مِنْ أَجْلِ شَرِّ أَعْمَالِكُمْ” (إر12:21).
“إطْلُبُوا الْحَقَّ. انْصِفُوا الْمَظْلُومَ. إقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَةِ” (إش17:1).
“الرَّبُّ يَمْتَحِنُ الْصِّدِّيقَ، أَمَّا الشِّرِيرُ وَمُحِبُّ الظُّلْمِ فَتُبْغِضُهُ نَفْسُهُ” (مز6:11).
إله العهد القديم يعلمنا محبة العدو:
“لَا تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ وَلَا يَبْتَهِجُ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ”. (أم19:24).
“إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ أَوْ حِمَارَهُ شَارِدًا تَرُدُّهُ إِلَيْهِ” (خر4:23).
“لَا تَنْتَقِمْ وَلَا تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ” (لا 18:19).
وهنا قد يسأل البعض: لماذا قال المسيح: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” (مت5: 43-44)؟ ألا يدل هذا على أن العهد القديم كان يُعلِّم بكراهية العدو؟
كلا، فالعهد القديم يعلمنا محبة العدو كما ذكرت سابقًا، وما يؤكد هذا أيضًا هو أن المسيح يقول: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ…” ولم يقل “مَكْتُوبٌ…” فقد كانت هذه أقوال الكتبة والفريسيين والناموسيين، ولم تكن تعاليم العهد القديم. فلقد حرَّفوا الوصية لكي يبرروا غريزة الإنتقام، لقد إستخدموا الدين لخدمة أغراضهم الشخصية، فعبارة “تُبْغِضُ عَدُوَّكَ” لا توجد إطلاقاً في كل العهد القديم، كل ما جاء في الشريعة “تُحِبُ قَرِيبَكَ” (لا 18:19)، أما “ـُبْغِضُ عَدُوَّكَ” فهي إضافة منهك كتفسير للوصية (اقرأ لآويين 34:19، خروج49:12).
إله العهد القديم يهتم بالفقير والمحتاج ويوصينا بذلك:
يقول الرب:
“لا تَظْلِمْ أَجِرًا مِسْكِينًا وَفَقِيرًا مِنْ أَبْوَابِكَ. فِي يَوْمِهِ تُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ وَلا تَغْرُبْ عَليْهَا الشَّمْسُ لأَنَّهُ فَقِيرٌ وَإِليْهَا حَامِلٌ نَفْسَهُ لِئَلا يَصْرُخَ عَليْكَ إِلى الرَّبِّ فَتَكُونَ عَليْكَ خَطِيَّةٌ” (تث24: 15،14).
“إِنِ إرْتَهَنْتَ ثَوْبَ صَاحِبِكَ فَإِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ تَرُدَّهُ لَهُ لأَنَّهُ وَحْدَهُ غِطَاؤُهُ. هُوَ ثَوْبُهُ لِجِلْدِهِ. فِي مَاذِا يَنَامُ؟ فَيَكُونُ إِذَا صَرَخَ إِلَيَّ أَنِّي أَسْمَعُ لأَنِّي رَأُوفٌ” (خر22: 27،26).
“وَعِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ لَا تُكَمَّلْ زَوَايَا حَقْلِكَ فِي الْحَصَادِ. وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لَا تَلْتَقِطْ. وَكَرْمَكَ لَا تُعَلِّلْهُ، وَيثَارَكَرْمِكَ لَا تَلْتَقِطْ. لِلْمِسْكِينِ وَالْغَرِيبِ تَتْرُكُهُ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ” (لا 19: 9-11).
إله العهد القديم يهتم باليتيم والأرملة ويوصينا بذلك:
فيقول الوحي عن الرب: “الْمُجْرِي حُكْمًا لِلمَظْلُومِينَ، الْمُعْطِي خُبْزًا لِلْجِيَاعِ. الرَّبُّ يُطْلِقُ الأَسْرَى… الرَّبُّ يَحْفَظُ الْغُرَبَاءَ. يَعْضُدُ الْيَتِيمَ وَالأَرْمَلَةَ” (مز146: 7-9).
“الصَّانِعُ حَقَّ الْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ، وَالْمُحِبُّ الْغَرِيبَ لِيُعْطِيهُ طَعَامًا وَلِبَسًا” (تث18:10).
ولذلك يحذَّر شعبه قائلًا:
“مَلعُونٌ مَنْ يُعَوِّجُ حَقَّ الغَرِيبِ وَاليَتِيمِ وَالأَرْمَلةِ” (تث19:27).
“تَعَلَّمُوا فِعْلَ الْخَيْرِ. إطْلُبُوا الْحَقَّ. إنْصِفُوا الْمَظْلُومَ. إقْضُوا لِليَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَةِ” (إش17:1).
“هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: أَجْرُوا حَقًّا وَعَدْلًا، وَأَنْقِذُوا الْمَغْصٌوبَ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ، وَالْغَرِيبَ وَاليَتيمَ وَالأَرْمَلَةَ. لَا تَضْطَهِدُوا وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَسْفكُوا دَمًا زَكِيًّا فِي هذَا الْمَوْضِعِ” (إر3:22).
وأوصى بإخراج العشور لهم “فِي آخِرِ ثَلَاثِ سِنِينَ تُخْرِجُ كُلَّ عُشْرِ مَحْصُلِكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَتَضَعْهُ فِي أَبْوَابِكَ، وَيَأْكُلُونَ وَيَشْبَعُونَ، لِكَيْ يُبَارِكَكَ الرَّبَّ إِلهُكَ فِي كُلِّ عَمَلِ يَدِكَ الَّذِي تَعْمَلُ” (تث14: 29،28).
وأوصى الله بترك بقايا الحصاد لأجلهم “إِذَا حَصَدْتَ حَصِيدَكَ فِي حَقْلِكَ وَنَسِيتَ حُزْمَةً فِي الْحَقْلِ، فَلَا تَرْجعْ لِتَأخُذَهَا، لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ تَكُونُ، لِكَيْ يُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي كُلِّ عَمَلِ يَدَيْكَ. وَإِذَا خَبَطْتَ زَيْتُونَكَ فَلَا تُرَاجعِ الأَغْصَانَ وَرَاءَكَ، لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ يَكُونُ. إِذَا قَطَفْتَ كَرْمَكَ فَلَا تُعَلِّلْهُ وَرَاءَكَ. لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ يَكُونُ. وَأُذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي أّرْضِ مَصْرَ. لِذَلِكَ أَنَا أُوصِيكَ أَنْ تَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ” (تث24: 19-22).
إله العهد القديم يهتم بالعبد والأمة:
فأوصى بمنحهم أجازة أسبوعية مثل أسيادهم “سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعُ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ. لَا تَصْنَعْ عَمَلًا مَا أَنْتَ وَإبْنُكَ وَأْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ” (خر1:2).
“وَتَفْرَحُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلَهِكَ أَنْتَ وَإنُكَ وَإبْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَاللَآوِتيُّ الَّذِي فِي أَبْوَابِكَ، وَالْغَرِيبُ وَالْيَتِيمُ وَالأَرِمَلَةُ الَّذِينَ فِي وَسْطِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُه الرَّبُّ إِلهُكَ لِيُحِلّ َإسْمَهُ فِيهِ. وَتَذْكُرُ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي مِصْرَ وَتَحْفَظُ، وَتَعْمَلُ هذِهِ الْفَرَائِضَ” (تث16: 12،11).
وكان يمكنهم مشاركة سادتهم في الختان (تك17: 10-27،14) وفي الأعياد مثل عيد الفصح (خر44:12، تث16: 14،11) وفي الراحة الأسبوعية يوم السبت (خر1:2، 12:23). كما أوصى العهد القديم بالأمه، فكان من الممكن أن يتزوج بها سيدها أو ابن سيدها، فإذا قبحت في عينيه فإنه يطلقها حرة.
إله العهد القديم يحب الغريب ويهتم به ويوصينا بذلك:
فيقول: “لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَكُمْ هُوَ إِلَهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الإِلَهُ الْعَظِيمُ الْجَبَّارُ الْمَهِيبُ الَّذِي لَا يَأْخُذُ بِالْوُجُوهِ وَلَا يَقْبَلُ رَشْوَةً. 18 الصَّانِعُ حَقَّ الْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ، وَالْمُحِبُّ الْغَرِيبَ لِيُعْطِيَهُ طَعَامًا وَلِبَاسًا. فَأَحِبُّوا الْغَرِيبَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ” (تث1: 17-19).
ولقد حذر الرب شعبه من مضايقة الغريب أو إضطهاده فقتا: “وَلَا تَضْطَهِدِ الْغَرِيبَ وَلَا تُضَايِقْهُ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ” (خر21:22). وقال أيضًا: “وَلَا تُضَايِقِ الْغَرِبَ فَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ نَفْسَ الْغَرِيبِ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ” (خر23: 9،1).
وأوصى الله بمحبة الغريب وأن تكون محبة الغريب كمحبة النفس فيقول: “وَإِذَا نَزَلَ عِنْدَكَ غَرِيبٌ فِي أَرْضِكُمْ فَلَا تَظْلِمُوهُ. كَالْوَطَنِيِّ مِنْكُمْ يَكُونُ لَكُمُ الْغَرِيبُ النَّازِلُ عِنْدَكُمْ، وَتُحِبُّهُ كَنَفْسِكَ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ” (لا 19: 33-34).
وأوصى الله بترك بقايا الحصاد للمسكين والغريب “وَعِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ لَا تُكَمّلْ زَوَايَا حَقْلِكَ فِي الْحَصَادِ. وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لَا تَلْتَقطْ. وَكَرْمَكَ لَا تُعَلِّلْهُ، وَثمَارَ كَرْمِكَ لَا تَلْتَقِطْ. لِلْمَسْكِينِ وَالْغَرِيبِ تَتْرُكُهُ. أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ.” (لا 19: 10،9).
وسمح الله للغريب أن يعمل فصحًا للرب “وَإِذَا نَزَلَ عِنْدَكُمْ غَرِيبٌ فَلْيَعْمَلْ فِصْحًا لِلرَّبِّ. حَسَبَ فَرِيضَةِ الْفِصَحِ وَحُكْمِهِ كَذَلِكَ يَعْمَلُ. فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ تَكُونُ لِكُمْ لِلْغَرِيبِ وَلِوَطَنِيِّ الأَرْضِ” (عد14:9) وللغريب أن يعمل وقود رائحة سرور للرب “وَإِذَا نَزَلَ عِنْدَكُمْ غَرِيبٌ، أَوْ كَانَ أَحَدٌ فِي وَسَطِكُمْ فِي أَجْيَالِكُمْ وَعَمِلَ وقُودَ رَائِحَةِ سُرُورٍ لِلرَّبِّ، فَكَمَا تَفْعَلُونَ كَذلِكَ يَفْعَلُ” (عد14:15) وسمح له بتقديم ذبيحة خطية(عد29:15). ويدخلون في جماعة الرب “لا تَكْرَهْ أَدُومِيًّا لأَنَّهُ أَخُوكَ. لَا تَكْرَهْ مِصْرِيًا لأّنَّكَ كُنْتَ نَزِلًا فِي أَرْضِهِ. الأّوْلَادُ الذِينَ يُولدُونَ لهُمْ فِي الجِيلِ الثَّالِثِ يَدْخُلُونَ مِنْهُمْ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ” (تث23: 8،7).
إله العهد القديم يطالبنا بالرحمة والحق:
فيقول الرب لشعبه:
“إَنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ” (هو6:6).
“بَغَضْتُ كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بإعْتِكَافَاتِكُمْ. إَنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لَي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لَا أَرْتَضِي وَذَبَائِحَ السَّلَامةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. أَبْعِدْ ‘َعنِّي ضّجَّةَ أَغَانِيكَ وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لَا أَسْمَعُ. وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كِالْمِيَلهِ وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ” (عا5: 21-24).
“قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإنسان مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ” (مي8:6).
إله العهد القديم يحذرنا من إشتهاء ما للغير:
فتقول الوصية العاشرة: “لَا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبَكَ. لَا تَشْتَهِ إمْرَأَةَ قَرِيبَكَ، وَلَا عَبْدَهُ، وَلَا أَمَتَهُ، وَلَا ثَوْرَهُ، وَلَا حِمَارَهُ، وَلَا شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ” (خر17:20).
إله العهد القديم أوصى بالرفق بالحيوان:
فقد أمر الرب بإراحة الحيوان في اليوم السابع (خر12:23) وأوصى الله بترك الأرض في السنة السابعة بلا زراعة لكي تجد حيوانات البرية طعامها في هذه الأرض فيقول: “وَسِتَّ سِنِينَ تَزْرَعُ أّرْضَكَ وَتَجْمَعُ غَلَّتَهَا، وَأَمَّا فِي السَّابِعَةِ فَتُرِحُهَا وَتَتْرُكُهَا لِيَأكُلَ فُقَرَاءُ شَعْبِكَ. وَفَضْلَتُهُمْ تَأْكُلُهَا وُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ. كَذلِكَ تَفْعَلُ بِكَرْمِكَ وَزَيْتُونِكَ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ عَمَلَكَ. وَأَمَّا الْيّوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ تِسْتِرِيحُ، لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ وَحِمَارُكَ” (خر23: 11،10).
ومن مظاهر الرفق بالحيوان يقول الرب: “لَا تَحْرُثْ عَلَى ثَوْرٍ وَحِمَارٍ مَعًا” (تث10:22) لأن قوة وسرعة الثور تختلف عن قوة وسرعة الحمار، فحتى لا يُنهَك الحمار جاءت هذه الوصية. كما أوصى الله من جهة الثور الذي يدرس قائلًا: “لَا تَكُمَّ الثَّوْرَ فِي دِرَاسِهِ” (تث4:25).
وقد يحتج البعض قائلًا: كيف يأمر العهد القديم برجم الثور النطاح بدلًا من ذبحه وأكل لحمه (خر28:21)؟ نقول: لقد أمر الله بهذا ليؤكد على قدسية النفس البشرية، وملكيتها لله، الذي له الحق أن يأخذها حينما يشاء، ولذلك فإن العقاب لا يقتصر على الثور وحده بل يسري على صاحب الثور أيضًا إن كان يعلم أن ثوره نطاحًا ولم يذبحه، فيُقتل صاحب الثور، أو يدفع الفدية التي يضعها عليه أهل القتيل “وَلَكِنْ إِنْ كَانَ ثَوْرًا نَطَّاحًا مِنْ قَبْلُ، وَقَدَ أُشْهِدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ يَضْبِطْهُ، فَقَتَلَ رَجُلًا أَوِ امْرَأّةً، فَالثَّوْرُ يُرْجَمُ وَصَاحِبُهُ أَيْضًا يُقْتَلُ. إِنْ وُضِعَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، يَدْفَعُ فِدَاءَ نَفْسِهِ كُلُّ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ” (خر21: 30،29) ففي رجم الثور وقتل صاحبه عقوبة رادعة لوقف الجريمة، أما الذين يتباكون على الثور، فإن تقديرهم له أكبر من تقديرهم للنفس البشرية.
هذا هو إله العهد القديم الذي يقدمه لنا الوحي، إنه إله المحبة والرحمة والرأفة والغفران، هذا هو الذي ظهر لنا في شخص المسيح ولذلك قيل عنه:
“اَلَّذِي هُوَ صُورّةُ εἰκὼν الله غَيْرِ الْمَنْظُورِ” (كو 15:1).
“الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ χαρακτὴρ وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ” (عب3:1).
“اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ μονογενὴς الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. ἐξηγήσατο ” (يو18:1).
وقال هو عن نفسه:
“أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو30:10).
“الّذي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو9:14)
ولكن للأسف:
“إِلَهُ هّذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أّذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ. لِئَلَّا تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ” (2كو4:4).
[1] وليم باركلي: تفسير إنجيل يوحنا الجزء الأول صـ 197.
[2] جون ستوت. الموعظة على الجبل. صـ 119.
خضوع الإبن للآب .. العلامة أوريجانوس مُعلقًا ضد الفكر الخاطيء
بيد أني لا أعرف كيف يمارس بعض المنشقين[1] في كلامهم على لفظالخضوع، فيما هو ذو شأن باسم الابن، بدون أن يلمّوا بالمعنى الذي يجعله الرسول في هذه الكلمات. ولئن بحث أحدنا عن مصدر اللفظ لأمكنه العثور عليه بسهولة في نقيضه. ذلك أنّ الخضوع لو لم يكن أخيراً، يترتّب أن نقيضه، وهو التمرد، خير. ويبدو قول الرسول هذا: متى أُخضع كلّ شيء له، حينئذٍ يخضَع الابن نفسه للذي أخضَع له كل شيء[2]، انه يقيم الدليل على ان الذي لا يخضع الآن لأبيه سوف يخضع له[3] متى أخضع له الآب أولاً كل شيء، حسب المعنى الذي يغدقه المنشقّون على هذا القول. ولكني أعجب من أمر فهم على هذا الوجه: إذا كان هو نفسه غير خاضع إذ ليس كلّ شيء قد اخضع له، فإنّه سيُخضع حينما سيُخضع له كل شيء[4] عندما سوف يضْحي ملكاً على كل ذي سلطان يسود في الكون، على حسب ما يعتقدون، فيما لم يبادر إلى مثل هذا من ذي قبل. إنهم لا يعقلون ان خضوع المسيح إلى ابيه يشير الى السعادة التي تتأتى من كمالنا، ويعبّر عن تمام ظافر للعمل الذي باشره، حينما يزف لأبيه أسمى درجات فن الرئاسة والملك الذي صقله في المعمورة بأسرها، لا هذا فقط وإنما قواعد السلوك أيضاً، والطاعة والخضوع، مما أصلحه ورممه في الجنس بكامله. فإذا أُدرك الخضوع الذي به يُخضع الابن للآب، على حد مما يقال، كأنه أمر حسن ودليل عافية يُرى بنحو منطقي ومتماسك أنّه ينبغي إدراك ما يُطلق عليه اسم خضوع الاعداء لابن الله، كأنه دليل عافية وأمر حسن، ذلك أن إعادة إنشاء الخليقة بأسرها إنشاء كاملاً تثبت فيما يدعى خضوع الابن للآب؛ هكذا أيضاً في خضوع الأعداء لابن الله، إنما المُراد به خلاص الذين أُخضِعوا واسترداد الذين هلكوا.[5]
التولّي على النفوس بغية خضوعها
ولكنّ هذا الخضوع سوف يتم وفق طُرقٍ وقواعد وازمنة محددة؛ وهذا يعني أنَّ العالم بأسره سيُخضع لله لا عن إكراه أو طغيان[6]، بل بفعل الكلمة والعقل فيه، والتعليم والاحتذاء بالأفاضل، والاخلاق الحسنة، والتهديدات المستحقَّة والمطابقة أيضاً، التي تثقل على كاهل الذين لا يكترثون للاعتناء بخلاصهم ومنفعتهم، وللسهر على شفائهم. لذا، فإننا نضيق نحن الرجال الخناق على موالينا وأبنائنا عند تربيتهم، طالما أنهم لم يبلغوا سن الرشد، متوعدين ومروّعين إياهم. [7] ولكنهم، إذا ما فقهوا ما الصالح والناجح وما النزيه تذهب عنهم روعتهم من الضرب، فيرتضون بكل ما هو حسن مذعنين للكلمة والعقل. ولكن[8] ما الطريقة التي ينبغي فيها على كل إمريء ان يوجَّه بها مع مراعاة حرية اختياره، في وسط المخلوقات العاقلة جميعاً، أي ايها تجِدهُ كلمة الله مستعداً وقادراً، وبالتالي مهذباً، وايها تبطئه ردحاً من الزمن، وايها تتوارى عنه توارياً تاماً، بحيث انه يعمل وكأن أُذنيه قد صُمتا عنها ؛ ثما ايّها، بالمقابل، تُرهقه بتوبيخاتها، وعقاباتها التي يُذاقها لأجل خلاصه، بعد أن ازدرى كلمة الله التي بُلغَ إياها وبُشِّر بها، ملحّة عليه بالهدايا ومستلبة إياها منه في وجه من الوجوه ؛ وايها تؤتيه فُرص خلاصٍ لعله يقوى أن ينال ذات مرة خلاصاً لا مرية فيه، على اثر إجابة الهمه إياها الإيمان[9] ليس إلا، ولأي من الاسباب والمناسبات يحصل هذا كله، الذي تثبت منه الحكمة الإلهية، أو ما تحركات مشيئته التي تتدبرها له من أجل سياستها الكون : إن هذا كله لله وحده العلم به[10]، ولابنه الوحيد، الذي به خُلق الكون[11] وتجدد بناؤه، وللروح القدس الذي يجعل كل شيء مقدساً، وينبثق[12] من الآب نفسه، له المجد إلى أبد الدهور، آمين.
——————-
[1] يصعب معرفة وجوه اولئك المنشقّين. فإنّ ما ورد في الآية 1كو 28:15 قد يفسّر على وجه التبني، حيث يبدو المسيح أدني منزلة تجاه الآب، أو على وجه الإختلاف في المظهر، حيث إنّ اقنوم الابن لا وجود له بذاته من بعد، وإنما يذوب منصهراً في الطبيعة الالهية الواحدة. فأول التفسيرين هذين سوف يقضي لاحقاً الى نشوء الأريوسية، وثانيهما الى عبارات طائشة في اللاهوت، يحيك نسيجها أسقف أنقيرة، مرقيلس. ربما يناسب الميل بالفكر نحو بدعة مرقيلس هذا، المدعوة مظهرية. من أجل قِدَم عناصر اللاهوت الذي تصطبغ به، من جهة، وتمركزها الجغرافي في بلاد آسيا الصغرى، من جهة ثانية، حيث كان لتعاليم أوريجانس جولات عديدة ضد معتقدات المذاهب الألفية المنتشرة هناك.
[2] 1كو 28:15
[3] قد يخيل للقارئ أن خضوع الابن للآب لم يكن حاصلاً في كل زمان وعصر، وانه مرتقب في نهاية الأزمنة ليس إلّا. ولكن هذا الفكر مناقض لتعليم أوريجانس نفسه في شأن الابن. ان الابن يلازم الآب لا في الجوهر والإرادة فقط، بل في إجراء مراحل الخلاص على الأرض ايضاً. وعليه، فأن خضوع الابن الذي يتكلم عليه أوريجانس إنما يعني خضوع الخلائق العقلية التي وُجِدَت في وبه إلى الآب، عندما لا تقوى عليها الخطيئة بعد. وبتعبير آخر، يكون الخضوع للآب كاملاً في المسيح حين يُصالح به الخلائق كلها، فلا يبقى خارجاً عليه كائن ما من الكائنات جميعها، المتمثّلة حسب أوريجانس بصورة الكنيسة المتحدة بالابن، اي بنفسه السابق وجودها
[4] 1كو 25:15
[5] انظر 1-6-1، وحواشي المقطع المرافقة له، ففي اعتقاد أوريجانس أن قوة الكلمة أشد بأساً وقدرةً من حيل العدو كلها وسلطانه، فتستطيع من ثم أن تحوّل إليها الكائنات بأسرها وتنتشلها من يد المنافق.
[6] 2-1-2
[7] إن الإنتماء الى الله يكون عن حب له – وأصحاب هذا المنحى أبناء المرأة الحرة – أو عن رعدة منه ووجل – أمَّا أصحاب هذا المنهج فهم أبناء الامة. ولكن الرعدة ما هي سوى المضمار البدائي لأجل الانضمام الى الله.
[8] لدى ايرونيمس مقطع مشابه للمقطع الممتد، هنا، عند روفينس من ” ولكن، ما الطريقة … ” حتى ” … وحده العلم به ” في آخر المقطع، هذا نصه:” يترتب على ما تقدم أن عالمين مختلفين يخلقون أيضاً من جرى تحركات مختلفة، وأن عالماً آخر مختلفاً جدا سيوجد بعد العالم الذي نحيا فيه. ومن ثنايا هذه الكبوات المتنوعة والتطورات ، و هذه المكافآت على الفضائل أو تلك القصاصات على النقائض ، سواء أتم هذا في الآن الحاضر ، أو القادم ، او ما سلف من الأزمان ، أو ما سيأتي منها ، لا أحد إلا الله ، خالق كل شيء ، لا أحد سواه بوسعه أن يسود بحسب استحقاقاته ، وأن يسير بكل شيء ثانية نحو منتهى وحيد ، هو العالم بالأسباب التي يدع من اجلها بعضاً ينعم بإرادته ، فيهوي شيئاً فشيئاً من الأسمى الى الأدنى ، ويشرع فيعود البعض الآخر تدريجياً ، وكأني به يمد لهم يد العون ، وينتشلهم لكي يسويهم ثانية في حالهم الاولى ، ويستوي بهم من جديد في الأعالي”
[9] اُنظر 2-6-7. يعلم أوريجانس، في هذا المقطع، حسب البعض، الخلاص بالإيمان وحده، على إثر بولس في رو9:3، ويعد هكذا شاهداً على تقليد الكنيسة الأولى التي نأت بنفسها على شرائع تسنّها، فتفرضها من ثمّ على جماعة المؤمنين. ولكنّ هذا الاعتقاد لا يرى ما يدعو أوريجانس إليه مراراً وتكراراً في شأن الفضائل التي يجب التقيّد بها حتى ترتفع النفس إلى علُ، وتلتحق بعالم المغبوطين
[10] 2-9-6 .
[11] يو3:1.
[12] يو 26:15. أنظر بخصوص الانبثاق، ما يقول به أوريجانس في 1-2-13.
البرهان على ان الله واحد لا كثرة، يوحنا الدمشقي
لقد اتضح إتضاحاً وافياً أن الله موجود وأن جوهره لا يدرك. أما أنه واحد لا كثرة، فليس هذا موضوع شك لدى الذين يؤمنون بالكتاب الإلهي. فقد قال الرب في بدء تشريعه: «انا الرب إلهك الذي أخرجك من ارض مصر. لا يكن لك إلهة آخري سواي» (خروج 2:20). وايضاً: «اسمع يا اسرائيل، ان الرب إلهنا رب واحد» (تثنية 4:6). وجاء في اشعياء النبي: «أنا الاول وانا الآخر. ولا إله غيري» (اشعياء 6:44) «واني انا هو، لم يكن إله قبلي ولا يكون إله بعدي»
(اشعياء 10:43). ويقول الرب في اناجيله المقدسة مخاطياً الآب هكذا: «وهذه هي الحياة الابدية ان يعرفوك انت الإله الحقيقي وحدك» (يوحنا 3:17). اما الذين لا يؤمنون بالكتاب الإلهي فنُجادلهم هكذا:
ايضاح منطقي بأن الله واحد: – إن الإله كاملٌ وهو ليس ناقصاً البتة في صلاحه وفي حكمته وفي قوته. وهو لا بدء له ولا نهاية، أزلي، غير محدود. وبالاختصار، هو كامل في كل صفاته. وعليه إذا قلنا بإلهة كثيرين، فوجب ان نري تبايناً في كثرتهم. لأننا إذا لم نرَ تبايناً فيهم، فهم بالأحرى واحد لا كثرة. فمن كان ناقص الكمال في صلاحه او في قوته او في حكمته او في الزمان او في المكان، فلا يكون إلهاً.
ووحدة الهوية في كل الصفات إنما تشير بالأحرى الي واحد، لا الي كثرة.
وكيف لعمري تسلم اللامحدودية في من هم كثرة؟ لأنه حيثما يكون الواحد لا يمكن ان يكون الآخر.
وكيف يسوس كثيرون العالم ولا ينحلُّ ويفسدُ، في حال قيام حرب بين السّاسة؟ لأن التباين يؤدي الي الخلاف. وإذا قيل بأن كل واحد يرأس قطاعه، فمن هو المنظم الذي يقوم بتوزيع الحصص بينهم؟ لان ذاك بالأحرى يكون الله. ومن ثم ان الله واحد وكامل ولا يحصر وصانع الكل وسائسه. وهو فوق الكمال وقبل الكمال، لأن الطبيعة تقضي بأن تكون الوحدة بدء الازدواجية.
شرح مُختصر للصلاة الربانية بحسب تعاليم اباء الكنيسة

يقول القديس اغسطينوس: لقد علّم ابن الله ذاته تلاميذه ومؤمنيه هذه الصلاة، لذلك لنا رجاء عظيم في الفوز في القضيَّة مادام لنا مثل هذا الشفيع الذي يلقِّننا ما نطلبه. إنَّه الديان الجالس عن يمين الآب كما تعرفون، هو شفيعنا وفي نفس الوقت هو الذي سيديننا، لذلك تعلَّموا هذه الصلاة[1].
ويقول القديس كبريانوس القرطاجني: هل هُناك صلاة أكثر روحانيَّة من تلك التي أعطانا إيَّاها المسيح الذي فيه أيضًا ً(أي المسيح) نلنا الروح القدس؟ هل هناك صلاة للآب صادقة أكثر من تلك التي أعطانا إيَّاها الابن - الذي هو الحق - من فمه؟ هكذا فالصلاة بخلاف ما علَّم لا تكون جهل فحسب بل تكون خطيَّة أيضًا إذ قد أسَّس المبدأ قائلاً: "رفضتم وصيَّة اللَّه لتحفظوا تقليدكم"[2] (مر7: 9).
لذلك أيُّها الإخوة الأحبَّاء فلنُصلِ كما علَّمنا اللَّه مُعلِّمنا. فالصلاة تكون أكثر قربًا ودالَّةً عند اللَّه عندما نتضرَّع إليه، بنفس كلماته الخاصة ونُصعِد إلى آذانه صلاة المسيح. وهكذا يقبل الآب كلمات ابنه عندما نصلِّي. ولنجعل الابن الذي يسكن في قلوبنا ينطق أيضًا في أفواهنا. وحيث أنَّه شفيع لنا أمام اللَّه من أجل خطايانا، فلنقدِّم كلمات شفيعنا عندما نطلب كخطاة من أجل خطايانا. لأنَّه قال أن "كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم" (يو16: 23) فما أعظم الفاعليَّة التي بها ننال ما نطلب باسم المسيح إن كنَّا نطلب بصلاته الخاصة[3]؟!
ويكمل قائلاً: إنَّنا حقاً نتعجَّب من كثرة وعظم الأمور العميقة الموجودة في الصلاة الربانيَّة والمجتمعة باختصار في هذه كلمات، لكنها تفيض روحيًا بالفضيلة، حتى أنَّه لا يوجد شيء في صلواتنا وطلباتنا غير مُحوى في كلمات الصلاة الربانيَّة، كما لو كانت خلاصة وافية للعقيدة السماويَّة[4].
ويقول ايضاً: إن معلِّم السلام ورب الوحدانيَّة لا يريد أن تكون الصلاة فرديَّة أو بمعزل عن الآخرين، أي أن يصلِّي أحدٍ ما لأجل نفسه فقط. فنحن لا نقول "أبي الذي في السموات" أو "خبزي الذي يكفيني أعطيني اليوم" ولا يطلب كل شخص أن تُغفَر له ذنوبه الشخصيَّة فقط ولا يطلب لأجل نفسه وحده ألاَّ يُدْخَل في تجربة ويُنْجَى من الشرِّير، فصلاتنا عامة ومشتركة بين الجميع، وعندما نصلِّي لا نطلب لأجل واحد ولكن لأجل الكل، لأنَّنا نحن الكل واحد. فإله السلام ومعلِّم المصالحة، الذي علَّم بالوحدانيَّة، أراد أن يصلِّي الواحد هكذا لأجل الكل، كما حملنا هو كلّنا في واحد[5].
- وتنقسم الصلاة الربانية إلي سبعة توسلات، يمكن تقسيمها إلى قسمين:
( أ ) القسم الأول: ثلاثة توسلات بروح البنين تخص مجد الآب: اسمك، وملكوتك، ومشيئتك!
(ب) القسم الثاني: أربعة توسلات تخص حياتنا أمامه: خبز الحياة في اليوم الزمني، غفران ذنوبنا، لا تدخلنا في التجربة، نجنا من الشرير.
ولكن في مضمون السبعة توسلات يعطينا المسيح القاعدة الراسخة التي تنطلق بها من الأرض إلى السماء كاستجابة ورد فعل لما عمله الآب في ابنه من أجلنا ونزل من السماء إلى الأرض.
وهنا لو دققنا الرؤية نجد أن الثلاثة توسلات الأُولى هي تطُّلع نحو السماء لاكتشاف قداسة الاسم ومجد الملكوت وصلاح المشيئة، ثم رجاء بعشم عظيم في يسوع المسيح الذي كان في الحضن الأبوي ونزل إلى أرضنا، أن يظل الاسم يتقدَّس في الأرض كما هو في السماء، ويتمجد الملكوت كما هو في السموات يكون على الأرض، وتتراءف المشيئة الصالحة لتكون كما في السماء كذلك على الأرض. فلأن المسيح وهو الله ظهر في الجسد ونزل إلينا، نطمع فيه أن تنزل معه وبسببه قداسة الاسم ومجد الملكوت وصلاح المشيئة على الأرض كما في السماء. وقد احترس المسيح جداً أن يتمِّم ذلك بالفعل[6].
+ ابانا الذي في السموات:
يقول القديس اغسطينوس: "فصلُّوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات"، ففي قوله هذا نرى أن الله صار أبًا لنا. إنَّه يكون أباكم متى وُلدتم (بالمعموديَّة) ولادة جديدة. فالآن (وأنتم على أهبَّة العماد) قبل ميلادكم الجديد، قد حُبل بكم بزرع الله. إنَّكم على وشك الوجود حيث تُجلبون إلى جرن المعموديَّة رحم الكنيسة.
تذكَّروا أن لكم أبًا في السماوات، تذكَّروا إنَّكم وُلدتم من أبيكم آدم للموت، وأنَّكم تولدون مرَّة أخرى من الله الآب للحياة – فما تصلُّون به قولوه بقلوبكم[7].
ويكمل قائلاً: لنا والدان قد ولدانا على الأرض للشقاء ثم نموت. لكنَّنا وجدنا والدين آخرين، فالله أبونا والكنيسة أمِّنا، ولدانا للحياة الأبديَّة.
لنتأمَّل أيها الأحبَّاء أبناء من قد صرنا. لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا، انظروا كيف تنازل خالقنا ليكون أبًا لنا؟!
لقد وجدنا لنا أبًا في السماوات، لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض، لأن من ينتسب لأبٍ كهذا ينبغي عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه[8].
ويقول ايضاً: يا من وجدتم لكم أبًا في السماوات، امتنعوا عن الالتصاق بالأمور الأرضيَّة، إذ اقترب الوقت الذي فيه تقولون: "أبانا الذي في السماوات".
إن كان أبونا في السماء، فهناك أيضًا يُعدّ لنا الميراث. إنَّه يعطينا إمكانيَّة امتلاك ما قد وهبنا معه. فقد وهبنا ميراثًا لا نرثه بعد موته (كما هو الحال في العالم)، فأبونا حيّ لا يموت، وسيبقى إلى الأبد هناك حيث نذهب عنده[9].
ويقول القديس يوحنا فم الذهب: لكنه حين يقول "في السماوات" لا يقول ذلك وكأنه يغلق على الله هناك، بل ليرفع من يصلي من مستوى الأرض إلى فوق، ليثبته في الأعالي وفي المساكن الفوقانية[10].
ويقول القديس كيرلس الاورشليمي: والذين يحملون صورة السماوات، هم أيضًا سماوات حيث يسكن الله، ويمشي فيهم[11].
ويقول القديس كبريانوس: فيجب إذن أيُّها الإخوة الأحبَّاء أن نتذكَّر ونعرف أنَّنا عندما ندعو اللَّه "أبانا" يجب أن نسلك كأبناء اللَّه، حتى كما أنَّنا نجد المسرة في اعتبار اللَّه أب، يجد هو أيضًا مسرَّته فينا. فلنسلك إذن كهياكل للَّه، حتى يظهر جليًا أن اللَّه ساكن فينا. فليت أفعالنا لا تحيد عن الطريق الروحي لأنَّنا نحن الذين صرنا روحيِّين ومنتمين للسماء، علينا ألاَّ نفكِّر ولا نفعل إلاَّ ما هو روحي وسماوي لأن الرب الإله نفسه قد قال: "فإنِّي أُكرم الذين يكرمونني والذين يحتقرونني يصغرون" (1صم2: 30). والرسول المبارك قد قال في رسالته "إنَّكم لستم لأنفسكم لأنَّكم قد اشتُريتم بثمن فمجِّدوا اللَّه في أجسادكم" (1كو6: 19-20)[12].
و يقول القديس كيرلس السكندري: إن تعليم المسيح لنا أن نصلى كأبناء هو جودٌ فائقٌ ولطفٌ لا يُبارى وأنه بذلك يمنحنا مجده الخاص، ويستشهد على نوال نعمة البنوة من (مز6:81س) " أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلى كلكم " وأنه بذلك حررنا من العبودية وأدخلنا فى مرتبة البنين، ويستشهد أيضًا عن نوال البنوة بـ(يو11:1ـ13) " وكل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله .. الذين وُلدوا من الله "، وأيضًا بـ(1بط23:1) " مولودين ثانية بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد "، وأيضًا بـ(يع18:1) " شاء فولدنا بكلمة الحق "، ويشير القديس كيرلس إلى الولادة الروحية التى يتحدث عنها المسيح فى (يو5:3) " إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله "، وهو بإشارته هذه يقصد أننا ننال البنوة بواسطة المعمودية[13].
وبعد ذلك ينتقل القديس كيرلس ليتكلم عن مسئولية الذين يدعون الله " أبًا "، وكأنه يقول إنه فى مقابل امتياز وكرامة البنوة لله، هناك مسئولية تنبع من هذا الامتياز وهى [ إنه ينبغى أن نسلك بسيرة مقدسة وبلا لوم وأن نحيا هكذا كما يرضى أبانا[14] ]. ويستشهد فى ذلك بقول الرسول بطرس " وإن كنتم تدعون أبًا الذى يحكم بغير محاباة .. فسيروا زمان غربتكم بخوفٍ " (1بط17:1). ويحذر من [ خطورة إحزان الله أبانا وإغضابه بالإنحراف وراء الأمور غير المستقيمة، وأن من لا يراعى نفسه ولا يبالى بسخاء النعمة التى أًعطيت له، فإنه يكون محبًا للذّة أكثر من حبه للآب السماوى، وأن الذين يتمردون على الآب يرتكبون جرمًا عظيمًا. وبالعكس فإن الذين يخضعون للآب ويطيعونه ويكرّمونه، فإن الآب يكرمهم ويجعلهم شركاء فى الميراث مع ابنه الوحيد بالطبيعة؛ وإذ نسلك بطريقة تليق بمن أكرمنا هكذا، فإنه سيقبل ابتهالاتنا التى نقدمها فى المسيح[15] ].
+ ليتقدس إسمك:
يقول القديس اغسطينوس: لماذا تسألون من أجل تقديس اسم الله؟! أنَّه قدُّوس، فلماذا تسألون القداسة لمن هو قدُّوس أصلاً؟! إنَّكم إذ تسألونه ذلك هل تطلبون لأجل الله وليس لأجل صالحكم؟! لا، افهموا هذا جيِّدًا، وهو إنَّكم تسألون هذا لأجل أنفسكم. إنَّكم تسألون من هو قدُّوس في ذاته دائمًا أن يكون مقدَّسًا فيكم.
ماذا تعني كلمة "ليتقدَّس"؟ إنَّها تعني أن يتقدَّس اسم الله فيكم ولا يُحتقر فيكم. لذلك فإن ما تطلبونه هو لخيركم، لأنَّكم إن احتقرتم اسم الله تصيرون (وليس الله) أشرارًا.
يتقدَّس اسم الله فيكم بنوالكم سرّ المعموديَّة، ولكنَّكم لماذا تطلبون هذه الطلبة بعد العماد، إلاَّ لكي يبقى فيكم ما استلمتموه بالعماد إلى الأبد[16].
يشرح القديس كيرلس قول الأبناء للآب " ليتقدس اسمك " بأن [ الله ليس محتاجًا إلى مزيد من القداسة، منا إذ هو كُلىَّ القداسة وهو مانح القداسة للخليقة ]. بل إن ليتقدس اسمك معناها [ليت اسمك يُحفظ مقدسًا فينا، فى أذهاننا وإرادتنا]. [وإن من يصلى قائلاً ليتقدس اسمك، فهو يطلب أنه هو نفسه يقتنى ذهنًا مقدسًا وإيمانًا، لكى يشعر بأن اسم الله مكرم وقدوس، فالتقديس هو مصدر الحياة وسبب كل بركة ]. وإن [ من يصلون بجد معتمدين على محبته، فإنهم لا يطلبون التقديس لأنفسهم فقط، بل لأجل كل سكان الأرض سواء الذين آمنوا أو الذين لم يقبلوا الإيمان بعد ، لكى يشرق عليهم نور الحق ويعرفون الله أنه قدوس ]. ويقول إن عبارة [ الله يتقدس بواسطتنا هو اعتراف منا بأنه " قدوس الأقداس "] ويستشهد بقول إشعياء النبى " قدسوا الرب فيكون مخافتكم، ويصير قداسة لكم " (إش13:8س). ويقول إن ما يعلّمه لنا الرب فى الصلاة هو : آمنوا إنه قدوس .. وهكذا سيصير هو نفسه واسطة تقديسكم[17].
+ ليأت ملكوتك:
يقول القديس اغسطينوس: ينبغي علينا أن نَعَلم أنَّنا نصلِّي بهذه الطلبة لأجل أنفسنا وليس لأجل الله، لأنَّنا لا نقول "ليأتِ ملكوتك"، كما لو كنَّا نسأل من أجل أن يملك الله، بل لكي نكون نحن من ملكوته، وذلك إن آمنّا به وتقدَّمنا في إيماننا هذا. كل المؤمنين الذين يخلصون بدم ابنه الوحيد سيكونون ملكوته[18]. وهذا الملكوت آتٍ بعد القيامة، حيث يأتي الابن بنفسه ويقيم الأموات. ويقول للذين عن يمينه: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت" (مت ٢٥: ٣٤). هذا هو الملكوت الذي نرغبه ونطلبه بقولنا: "ليأت ملكوتك". إنَّنا نطلب أن يأتي بالنسبة لنا، لأنَّه وإن لم يأتِ بالنسبة لنا فسيأتي ولكنَّ للآخرين. أمَّا إذا اِنتمينا إلى أعضاء ابنه المولود الوحيد، فسيأتي ملكوته بالنسبة لنا ولا يتأخَّر[19].
ويقول القديس كيرلس السكندري: الذين يدعون الله أبًا يطلبون مجىء الملكوت ، بمعنى مجىء المسيح بملكه الكامل لأنهم ينتظرون الأكاليل عند مجيئه ، ويقتبس " تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت.. " (مت34:25)، لأنهم جاهدوا وصاروا أنقياء، واحتملوا الآلام والاضطهادات لأجل مجد المسيح، و(2تى12:2) " إن كنا نصبر فسنملك أيضًا معه " و(فى21:3) " سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده " . وإنهم آمنوا بما قاله عن نهاية العالم أنهم " سيضيئون كالشمس فى ملكوت أبيهم " (مت43:12)[20].
ويقول القديس كبريانوس: نحن نصلِّي أن يأتي ملكوتنا الذي وعدنا به اللَّه، الذي نلناه بدم المسيح وآلامه، حتى أنَّنا نحن الذين كنَّا خاصَّته في العالم نملك معه في ملكوته، كما يعدنا هو نفسه ويقول: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت25: 34). أيُّها الإخوة الأحبَّاء، نستطيع أن نعتبر المسيح نفسه هو "ملكوت اللَّه" الذي نريده كل يوم أن يأتي، الذي نشتهي أن يُستعلَن لنا سريعًا. حيث أنَّه هو نفسه القيامة[21]، إذ فيه سنقوم من جديد، فهكذا أيضًا نستطيع أن نفهم أن ملكوت اللَّه هو المسيح نفسه حيث أنَّنا سنملك فيه[22].
+ لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك علي الارض:
يقول القديس اغسطينوس[23]: إذن ماذا يقصد بالطلبة "لتكن مشيئتك"؟ إنَّه يقصد بها أن تعمل مشيئته فيّ ولا أقاومها. وبذلك تطلبون من أجل أنفسكم لا من أجل الله لأن مشيئة الله عاملة فيكم ولو لم تكن بواسطتكم[24].
ويكمل قائلاً: إنَّنا نقبل وصايا الله، وهي مبهجة لنا... مبهجة لعقولنا، "فإنَّنا نُسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن" (رو ٧: ٢٢). وهذه هي مشيئته النافذة في السماء، لأن أرواحنا تشبه السماء، وأما الأرض فهي أجسادنا. إذن ماذا يقصد بالطلبة: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض"؟ يقصد بذلك كما تبتهج عقولنا بوصاياك، فلتُسر أيضًا بها أجسادنا. بهذا ينتهي الصراع الذي وصفه الرسول. فعندما تشتهي الروح ضدّ الجسد تكون مشئيته عاملة في السماء، وعندما لا يشتهي الجسد ضد الروح حينئذ تنفذ مشيئته على الأرض أيضًا. فإذ تتم مشيئة الله، يحدث وفاق تام بينهما ويتحوَّل الصراع الحالي إلى نصرة فيما بعد[25].
ويقول ايضاً: يوجد معنى روحي آخر... فقد طلب منَّا أن نصلِّي لأجل أعدائنا. فالكنيسة هي السماء، وأعداؤها هم الأرض، فماذا يعني "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض"؟ أي أن يؤمن بك الأعداء، كما نؤمن نحن بك. إنَّهم أرض لذلك هم يعادوننا، فليصيروا سماءً، يكونوا معنا.
السماء هي الكنيسة، لأنَّها عرش الله. والأرض هي غير المؤمنين، الذين قيل عنهم "لأنَّك تراب (أرض) earth وإلى التراب تعود" (تك ٣: ١٦LXX )... فيقصد بـ "كما في السماء كذلك على الأرض"، أي كما في مؤمنيك كذلك في الذين يجدِّفون عليك حتى يصيروا "سماءً"[26]... لقد وهبنا الله ميثاقًا وعهدًا وارتباطًا راسخًا فيه، فمن أراد القول "اغفر لنا ذنوبنا" بطريقة مجدية، عليه أن ينطق بحق قائلاً: "كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا". فإن لم ننطق بهذا القول الأخير، أو قلناه بخداعٍ يكون طلبنا الغفران باطلاً[27].
و يقول القديس كيرلس السكندري: الذين يصلون كأبناء، يطلبون أن تتم مشيئة الله على الأرض بمعنى أن يحيوا هم أنفسهم بلا لوم .. وكذلك سكان الأرض أن يهبهم [ الله القوة ليصنعوا مشيئته، ويتمثلوا بالملائكة فى السماء.. يصلون أن يروا توقف الخطية ولا يتبعوا مشيئتهم الخاصة. فالأبناء يبتهلون من أجل جميع الناس.. ليُحسبوا أهلاً للسلام الذى من فوق.. ويجدوا راحة القلب.. وهم مثابرون على التمثل بالجمال الروحانى للأرواح السماوية..[28]].
+ خبزنا كفافنا إعطنا اليوم:
والذين يُصَلُّون للآب كأبناء، يمكن أن يطلبوا منه الخبز الضرورى للحياة اليومية. ويقول القديس كيرلس إن هذا الخبز الذى يطلبه القديسون، هو الخبز الروحى النازل من السماء، هذا أولاً، ولكن من جهة أخرى، يقول إنه لا لوم عليهم البتة أن يطلبوا مجرد الخبز العادى اللازم لاحتياجات الجسد يوم بيوم، ويقول إن هذا يليق بتقوى حياتهم على أساس أن القديسين الذين يطلبون خبز يوم واحد، فهذا برهان واضح على أن الرب لا يسمح لهم بامتلاك أى شئ، ولا يريدهم أن يبتغوا الغنى الأرضى كما قال فى مناسبة أخرى " لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون … لأن أباكم يعلم أنكم تحتاجونها " (مت25:6،32). ويشرح الكلمة اليونانية " إيبى أوسيوس epiousios" ويقول إن معناها ما هو ضرورى وكافى، ويقول إن طلب الخبز الضرورى لليوم الواحد مرتبط بالتجرد من الهموم الدنيوية والشهوات الجسدانية ومن الغنى، لتكون حياتهم نقية من محبة المال ويثقون أن الآب سيعطيهم ما وعد به ويسد احتياجهم روحيًا وجسديًا عندما يسألونه ما يكفى لحياتهم من طعام وكساء[29].
يقول القديس اغسطينوس: إعطنا أشياء زمنيَّة. التي لقد وعدت بالملكوت، فلا تمسك عنَّا الوسيلة نعيش بها. ستهبنا مجدًا أبديًا بإعطائنا ذاتك فيما بعد. أعطنا في هذه الأرض المئونة الزمنيَّة التي نقتات بها. لذلك فهو خبز يومي، وليعطنا إيَّاه "اليوم" أي في هذه الحياة. لأنَّكم هل تطلبون خبزًا يوميًا بعد عبوركم هذه الحياة؟! هناك لا تقال كلمة "يوميًا" بل "اليوم"[30]. الآن يقال يوميًا، أمَّا هناك فهل سيُدعى "يوميًا" حيث يكون يومًا واحدًا أبديًا[31]؟!
و يقول ايضاً: يوجد خبز آخر. ويُدعى خبزًا يوميًا، لأنَّه ضروري كالخبز العادي، بدونه لا نستطيع أن نحيا... ألا وهو كلمة الله التي توزَّع يوميًا!
خبزنا خبز يومي، تحيا به أرواحنا لا أجسادنا، ضروري لنا نحن الذين لا نزال نعمل في الكرمة. هو غذاؤنا وليس أجرتنا، فمن يستأجر عاملاً يحق عليه الغذاء الذي بدونه يخور العامل. كما تحق عليه الأجرة التي بها يُسر العامل. غذاؤنا اليومي في هذه الحياة هو كلمة الله التي توزع على الدوام في الكنائس، أمَّا الأجرة (المكافأة) التي ننالها بعد العمل فهي ما تدعى بالحياة الأبديَّة.
أما ما عالجته الآن أمامكم (أي شرح الصلاة الربانيَّة نفسه) هو خبز يومي، كذلك فصول الكتاب المقدَّس اليوميَّة التي تسمعونها في الكنيسة هي خبز يومي. كذلك التسابيح التي تسمعونها وتمجِّدون بها الله هي خبز يومي. لأن هذه جميعها لازمة لنا أثناء رحلتنا[32].
+ أغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمسيئين إلينا :
المسيح يعلّم تلاميذه بعدما يطلبون الخبز الضرورى من الآب أن يطلبوا كأبناء " اغفر لنا خطايانا " . ويقول القديس كيرلس إنهم بعدما يسألونه غفران خطاياهم بعد ذلك يعترفون أنهم يغفرون للذين يسيئون إليهم، فنوال الغفران يستلزم الاعتراف أولاً بالخطايا أمام الله ، ويقتبس قول إشعياء " اعترف أولاً بتعدياتك لكى تتبرر " (إش26:43س) ومزمور(5:32) " قلت اعترف للرب بذنبى وأنت غفرت آثام خطيتى ". فطريق الخلاص هو الإقرار بالذنوب وأن نطلب من الذى يبرر الأثيم قائلين " اغفر لنا خطايانا ". ويقول القديس كيرلس إن الرب اهتم بأن يضيف بعد " اغفر لنا خطايانا " قوله [ إننا نحن أيضًا قد غفرنا لكل من أساء إلينا] لأن الذين يصلون هكذا يتحلُون بطول الأناة ويغفرون للمسيئين[33].
يقول القديس اغسطينوس: اغفروا من القلب، أي انزعوا الغضب من قلوبكم. لنقل في كل يوم: "اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا"، وليكن هذا القول من القلب، عالمين بما نقوله. أنَّه عهد وميثاق، إنَّه ارتباط بيننا وبين الله. فالرب إلهنا يقول لنا: "اغفروا يغفر لكم"، فإن لم نغفر للآخرين تبقى خطايانا علينا وليس عليهم[34].
ويقول القديس كيرلس الاورشليمي: إذ لنا ذنوب كثيرة لأننا نسيء بالقول والفكر وأشياء كثيرة جدًا نعملها نستحق عليها القصاص. "فإن قلنا ليس لنا خطية، نضل أنفسنا، وليس الحق فينا" كما قال المطوّب يوحنا (1 يو 1: 8). فنصنع مع الله عهدًا نستعطفه، ليغفر لنا خطايانا كما نغفر نحن لإخواننا ذنوبهم، مترجين ذلك فيما نتقبله، مستبدلين به غفراننا للآخرين، فلا نهمل أو نتأخر في تسامح بعضنا بعضًا. فالإساءات التي تُرتكب ضدنا خفيفة وزهيدة وتنتهي بسرعة. لكن التي تُرتكب ضد الله عظيمة وتحتاج إلى رحمة كرحمته فقط. لذلك انتبه لئلا من أجل الذنوب الزهيدة الطفيفة، تمنع عن نفسك غفرانًا من الله لخطاياك المحزنة[35].
+ لا تدخلنا فى تجربة :
الأبناء الذين يصلون للآب السماوى يعلّمهم الرب أن يختموا صلاتهم قائلين : " ولا تدخلنا فى تجربة". ويقول القديس كيرلس إن طلب عدم الدخول فى التجربة لا يعنى الجبن أو التكاسل، بل يعنى اعترافًا بخطورة التجارب التى يسوقها الشيطان، فيقول [ إن عنف التجربة قد يهز أحيانًا عقل أشد الناس شجاعة ]، ويحذر من الثقة فى النفس بزيادة بل [ يجب أن نعرف ضعف ذهننا ]، ويقول [ فلنصل أن لا نُجَرَّبْ .. ولكن إذا ما دعت الضرورة وأُلقينا فيها رغمًا عنان فلابد أن نبذل أقصى جهدنا ونصارع من أجل نفوسنا .. طالبين معونة الرب لنا ]. ويذكر نوعين من التجارب :
1 ـ تجارب تأتى من الهراطقة .
2 ـ تجارب الخطية .
ويقتبس (1بط19:4) " الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعون أنفسهم لخالق أمين "، (1بط15:4) [ إن كان يتألم كمسيحى فلا يخجل بل يمجد الله ]، وأن الذين يحتملون هذه الآلام ينالون الأكاليل. " جاهدت الجهاد الحسن .. وأخيرًا وُضع لى إكليل البر " (2تى7:4). وعن تجارب الخطية يقتبس (يع13:1ـ15) " كل واحد يُجرب إذا انجذب ينخدع من شهوته..". وهناك أيضًا تجارب " حب الربح المادى " و" حب الاكتناز الخسيس ". [ لذلك يليق بنا حسنًا نحن المُعَرَّضين لمثل هذه الشرور الخطيرة حتى إن لم نكن قد سقطنا فيها بعد، أن نصلى قائلين " لا تدخلنا فى تجربة لكن نجنا من الشرير"]. والله الذى نحبه أكثر من أى شئ سوف يعيننا ويهبنا النصرة فهو مخلص الكل[36].
ويتسائل اغسطينوس: لماذا نصلي: "لا تدخلنا في تجربة"؟
غالبًا أنت لا تعرف حتى نفسك؛ لا تعرف ما يمكنك أن تحتمله وما لا يمكنك. أحيانًا تظن أنك تثبت فيما هو فوق طاقتك، وأحيانًا تيأس من كونك قادر أن cope ما تقدر أن تحتمله حسنًا. تأتي التجربة، كما لو كانت سؤالاً، فتجد نفسك خاردًا لأنك لا تعرف حتى نفسك[37].
يقسم القديس أغسطينوس التجارب إلى نوعين: الأول يخدع الإنسان، والثاني يمتحنه ليعلن للإنسان عن ضعفه أو قوته الروحية.
يستخدم الله النوع الثاني لا ليتعلم شيئًا لم يعرفه قبلاً، وإنما لكي بامتحانك، بسحبك خارجًا يعلن لك ما هو خفي فيك. إذ توجد فيك أشياء خفية حتى عن نفسك التي تسكن هي فيها. تُكتشف هذه الأشياء، وتُخرج خارجًا عل المكشوف و exposed وذلك بالتجارب وحدها. فإن توقف الله عن السماحح للتجربة، إنما يتوقف السيد عن أن يعلم[38].
ليس حسنًا لك أن تكون بلا تجربة لا تسأل الله الا تجرب بل الا تدخل في تجربة[39].
إننا ندخل في تجارب متى كانت هكذا اننا لا نقدر ان نتحملها[40].
لا يدخل في تجربة من يغلب رغبته الشريرة بانحناء إرادته يعمل الصلاح. ومع ذلك فإنه الإرادة البشرية غير كافية ان ترفض الدخول في تجربة ما لم يمنحها الرب نصرة كاستجابة للصلاة[41].
ويقول القديس كيرلس الاورشليمي: هل هذا ما يعلمنا الرب أن نصلي لكي لا نُجرّب أبدًا؟ فكيف إذن يُقال في موضع آخر: "الرجل غير المُجرب، يعلم قليلاً" (سي 34: 10، رو 5: 3-4)، وأيضًا يقول يعقوب: "احسبوا كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة" (يع 1: 2).
لكن هل يعني الوقوع في التجربة ألا يدع التجربة تغمرنا وتجرفنا؟ لأن التجربة كسيل الشتاء يصعب عبوره. لذا فهؤلاء الذين لا يغرقون فيها يمرّون مظهرين أنفسهم سبّاحين ممتازين، ولم يُجرفوا في تيارها أبدًا. بينما الآخرون يدخلون فيها ويغرقون. مثلاً دخل يهوذا الإسخريوطي في تجربة حب المال، فلم يَسبح فيها بل غَرق، وشُنق نفسه بالجسد والروح (مت 27: 5). وبطرس دخل في تجربة الإنكار، لكنه دخل ولم يُسحق بها. لكن كرجل سبح فيها ونجا منها. أنصت ثانية في موضع آخر إلى جماعة من القديسين لم يُصابوا بضررٍ يقدمون الشكر لنجاتهم من التجربة. جربتنا يا الله - جربتنا بالنار كتجربة الفضة - وضعتنا في الشبكة، وضعت عذابات على ظهورنا. جعلت الناس يركبون على رؤوسنا. "جزنا في النار والماء لكن أخرجتنا إلى موضع راحة" (مز 65: 10-12). فخروجهم إلى موضع راحة يعني نجاتهم من التجربة[42].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
[1] الصلاة الربانيه للمستعدين للعماد، ترجمة الاب تادرس يعقوب، ص 11
[2] يقصد القديس كبريانوس أن المسيح بعد أن علَّمنا كيف نصلِّي يحثنا على ألا نخالف قانون الصلاة هذا لنصلِّي بطريقتنا الخاصة.
[3] الصلاة الربانيه، فقره 2، 3
[4] المرجع السابق، فقره 9
[5] المرجع السابق، فقره 8
[6] شرح الانجيل بحسب القديس متي، للاب متي المسكين، ص 267
[7] الصلاة الربانيه للمستعدين للعماد، ترجمة الاب تادرس يعقوب، ص 13
[8] المرجع السابق، ص 14
[9] المرجع السابق ص15
[10] عظة ربنا يسوع المسيح علي الجبل، للقديس يوحنا ذهبي الفم، ص 85
[11] مقالة، 23: 11
[12] الصلاة الربانية، 11
[13] أنظر لوقا جـ3 عظة71 ص18،19.
[14] أنظر عظة71 ص20
[15] أنظر عظة71 ص21،22
[16] الصلاة الربانيه للمستعدين للعماد، ترجمة الاب تادرس يعقوب، ص 16
[17] أنظر لوقا جـ3 عظة72 ص23ـ26
[18] لكن يوجد من يتمتَّعون بالدم ثم يعودون فينحرفون فلا يتمتَّعوا بالملكوت، وذلك واضح من بقيَّة الحديث.
[19] الصلاة الربانيه للمستعدين للعماد، ترجمة الاب تادرس يعقوب، ص 17، 18
[20] أنظر لوقا ج3 عظة73 ص29ـ32
[21] انظر (يو11: 25)
[22] الصلاة الربانية، 13
[23] الصلاة الربانيه للمستعدين للعماد، ترجمة الاب تادرس يعقوب ، ص 18، 19
[24] يميِّز القدِّيس أغسطينوس بين "أن مشيئة اللَّه عاملة فينا" وبين "عاملة بواسطتنا"، فهي عاملة فينا إن أردنا أو لم نرد، أما كونها عاملة بواسطتنا، فيعني أنَّنا نريد أن نصنع مشيئته.
[25] المرجع السابق، ص 20، 21
[26] المرجع السابق، ص 21، 22
[27] المرجع السابق، ص30
[28] أنظر لوقا جـ3 عظة73 ص33ـ37
[29] أنظر لوقا جـ3 عظة75 ص38ـ42
[30] لأن الحياة الأبديَّة يوم واحد، ليس فيها زمان.
[31] الصلاة الربانيه للمستعدين للعماد، ترجمة الاب تادرس يعقوب ، ص 23
[32] المرجع السابق، ص 24
[33] لوقا ج3 عظة76 ص43،45ـ48
[34] الصلاة الربانيه للمستعدين للعماد ، ص29
[35] مقالة، 23: 16
[36] أنظر لوقا جـ3 عظة 77 ص54،53،52،51،50
[37] On Ps. 55:2.
[38] Sermon 2:3.
[39] On Ps 63:1.
[40] Sermon on the Mount 2:9:34.
[41] On Grace and Free Will, 9.
[42] المقالة، 23: 17
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
