1_
الثيؤسيس في تعليم بعض اباء الكنيسة
تطلعوا إلى نفوسكم، فستجدون أن لكم المسيح فيكم. المسيح هو فيكم، [1]
القديس يوحنا الذهبي الفم
v وكما أنّ سائق العربة يمسك بيديه اللجام ليقود الدواب، ويوجهها إلى حيث يشاء؛ هكذا الرب في الأعالي يقود المخلوقات، ويوجهها في السماء وعلى الأرض كما يشاء. إنه ساكنٌ في السماء، جالس عن يمين العظمة، ولكنه أيضًا على الأرض متحدٌ بجميع القديسين اتحادًا وثيقًا، وساكنٌ فيهم. هو في العلا، ولكنه أيضًا مع السفليين[2].
v إن اتحاد مادتين معًا يؤدي إلى شيءٍ واحد كامل، كالعهدين. فالإنسان خُلق على صورة الله ومثاله، وهو له عينان، وحاجبان، ويدان، وقدمان. فلو حدث أن إنسانًا له عين واحدة أو يد واحدة أو قدم واحدة، فإن هذا يكون عيبًا مؤسفًا، والطير الذي يكون له جناح واحد لا يستطيع أن يطير.
هكذا أيضًا الطبيعة البشرية، فإن بقيت عارية. وبنفسها فقط، ولم تنل الاتحاد والشركة مع الطبيعة الإلهية، فإنها لا تستقيم أبدًا أو تكتمل، بل تظل عارية ومستحقة للُّوم في طبيعتها الخاصة بسبب وضاعتها وأدناسها. فإن النفس ذاتها دُعيت هيكلاً لله ومسكنًا له، وعروسًا للملك. فإنه يقول: "إني سأسكن فيهم، وأسير بينهم" (2 كو 6: 16).
هكذا كانت مسرة الله، أن يأتي من السماء المقدسة، ويأخذ طبيعتك العاقلة، فقد أخذ جسدًا من الأرض، ووحَّده بروحه الإلهي، حتى تستطيع أنت (الأرضي)، أن تنال الروح السماوي. وحينما تصير لنفسك شركة مع الروح وتدخل الروح السماوي في نفسك، فحينئذ تكون إنسانًا كاملاً في الله، ووارثًا وابنًا[3].
v الآن أيها الأولاد اقتنوا هذه الحرارة الثانية، لكي تخف عليكم جميع الأشياء، لأن هذه الحرارة التي بحسب الله تطرح إلى خارج كل الآلام، وتطرد من الإنسان كل ثقلٍ (ضجر)، وتجعل اللاهوتية تسكنه، بحيث يصير هيكلاً لله، كما هو مكتوب: "سأسكن معهم وأسير بينهم" (لا 26: 11-12؛ 2 كو 6: 16)[4].
القديس مقاريوس الكبير
v يُقال عنا إننا "شركاء الله". لأنه يقول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟ إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله، لأن هيكل الله مقدس الذي أنتم هو" (1 كو 3: 16-17).
فلو كان الروح القدس مخلوقًا، لما كان لنا اشتراك في الله بواسطته. فإن كنا قد اتحدنا بمخلوقٍ، نكون غرباء عن الطبيعة الإلهية، حيث أننا لم نشترك فيها. أما الآن فلكوننا نُدعى شركاء الله، فهذا يوضح أن المسحة والخِتم الذي فينا، ليس من طبيعة المخلوقات، بل من طبيعة الابن، الذي يوحِّدنا بالآب بواسطة الروح الذي فيه. هذا ما علَّمنا إيّاه يوحنا - كما قيل سابقًا - عندما كتب: "بهذا نعرف إننا نثبت في الله وهو فينا، أنه قد أعطانا من روحه" (1 يو 4: 13).
ولكن إن كنا بالاشتراك في الروح نصير "شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4)، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله[5].
الآن لنا سكنى الله وإقامته فينا، حسبما قيل بالنبي: "سأسكن فيهم، وأسير معهم" (لا 26: 12؛ 2 كو 6: 16) وعلى المقاومين لنا الذين امتلأوا من عدم المعرفة أن يخبرونا كيف يسكن الروح القدس فينا، وهو ما جعل الرسول بولس يدعونا هيكل الله، إن لم يكن هو الله بالطبيعة. وإذا كان الروح القدس مخلوقًا، فكيف قيل إن الله يُهلك من ينجس هيكل الله (1 كو 3: 17)، أي عندما يتدنس الجسد الذي يسكن فيه الروح القدس، والذي بسبب سكناه ننال كل ما يخص الله الآب بالطبيعة وما يخص بالمثل ابنه الوحيد[6].
القديس أثناسيوس الرسولي
ويرى القديس غريغوريوس النيسي أن الله محب البشر يُقدم ما أمكن من الإمكانيات الإلهية لصالح الإنسان، فقد خلق الله محبوبه الإنسان يشاركه صلاحه قدر ما يستطيع الإنسان أن يتمتع، بكونه صورة الله ومثاله. وهب الإنسان حياة تختلف عن حياة كل الكائنات الأرضية من عقلٍ وحكمةٍ تجعله منجذبًا نحو إلهه، يود أن يتشبه به، وينمو في معرفته.
v لا يُمكن أن يُخفي نوره، ولا أن يبقى مجده بلا شاهد، ولا صلاحه دون التمتع به، أو أن يبقى كل ما يتعلق بالطبيعة الإلهية غير مُستخدم لصالح الإنسان كي يتمتع به ويشترك فيه.
فإن كان الإنسان قد جاء إلى الوجود لهذا الغرض، أي ليشارك الله في صلاحه، فحتمًا في خلقته وُهب القدرة على التمتع بكل ما هو صالح.
فتتمتع العين برؤية النور الحقيقي بمقتضى الشعاع المزروع فيها طبيعيًا، يجذب إليها ما هو مماثل له بقدرته الفطرية...
كان لابد للكائنات غير العاقلة سواء التي تعيش في الماء أو في الهواء أن يكون لها نظام يتكيف مع البيئة المحيطة بكل كائنٍ أن يجد عشيرته وما يتجانس معه، الواحد في الهواء، والآخر في الماء.
هكذا لابد للإنسان الذي جاء إلى الوجود لكي يتمتع بصلاح الله أن يكون له شيء ما في طبيعته شبيه بما سيشارك فيه. لهذا تأهل بالحياة والعقل والحكمة وكل صفات تليق بالله لكي خلال هذه كلها تنشأ فيه الرغبة نحو ما هو متجانس معه[7].
القديس غريغوريوس النيسي
رأينا أن عصب الفكر اللاهوتي عند القديس غريغوريوس النيسي هو دعوة الإنسان للتمتع برؤية الله وشركة المجد الإلهي، وذلك بإعادة طبيعته إلى أصلها، فتحمل صورة الله، وتتمتع بالتمُّثل به. تنجذب إليه بكونه الأصل، وتعيش شاهدة له بحياتها الجديدة الحاملة للقوة الإلهية، وتنعم بالسماويات.
v ليس هناك طريق آخر يمكن به أن يمجد الإنسان الله غير فضيلته التي تحمل شهادة عن القوة الإلهية كعلة صلاحه[8].
القديس غريغوريوس النيسي
v كيف يمكنك أن ترى صورة جميلة في مرآة ما لم تتقبل هذه المرآة انعكاسات شكل جميل؟! هكذا أيضًا بالنسبة لمرآة الطبيعة البشرية، فإنه لا يمكنها أن تصير جميلة ما لم يقترب إليها الجميل (الله)، وتتشكل بواسطة صورة الجمال الإلهي. حين سقطت طبيعتنا البشرية على الأرض وتطلعت إلى الحية حملت صورتها. والآن تقوم وتتطلع إلى الصالح معطية ظهرها للخطية، تحمل صورة الصالح الذي تواجهه، إذ تنظر الآن إلى الجمال الأصيل أي الحمامة. إذ تتجه نحو النور تحمل صورة النور، وخلال هذا النور تحمل شكل الحمامة المحبوب، أقصد بالحمامة التي رمزت لحضرة الروح القدس.
القديس غريغوريوس النيسي
يوضح القديس إكليمنضس أن العناية الإلهية تحتضن الإنسان ككلٍ: جسده وعقله ونفسه. يهتم الله بأجسادنا واحتياجاتها كالطعام والملبس والصحة، وبعقولنا لتنشغل بأفكار حسنة، ويهتم بوجه خاص بتقديس نفوسنا وعقولنا وأجسادنا ومشاعرنا وأحاسيسنا. الله الصديق الحقيقي للإنسان، بعنايته الإلهية، يريد ويعمل لأجل تقديس الإنسان، ليصير مقدسًا كخالقه الواحد القدوس!
ويكتب تلميذه العلامة أوريجينوس:
v "ليس قدوس مثل الرب"، فمهما كان نمو الإنسان في القداسة عظيمًا، ومهما بلغ من طهارةٍ وأمانةٍ، لا يقدر أحد أن يبلغ قداسة الرب. هو واهب القداسة، بينما الإنسان ينالها. هو ينبوع القداسة، بينما الإنسان يشرب منه. هو نور القداسة، بينما الإنسان يتطلع إليه![9]
v يتمجد عمل الآب الذي يعم كل الوجود ويعظم جدًا عندما يتقدم كل إنسانٍ ويبلغ أعلى قامات النمو خلال الشركة مع المسيح "الحكمة"، و"المعرفة"، و"القداسة". يتحقق ذات الأمر عندما يتقدس الإنسان ويتطهر ويبلغ أعلى درجات الكمال خلال شركة الروح القدس، ومن ثم يصير أكثر استحقاقًا لنوال نعمة الحكمة والمعرفة، حتى تُزال عنه كل أدران الدنس والجهل، فيبلغ هذا التقدم بكمالٍ وفي نقاوةٍ. بهذا تكون الحياة التي نالها من الله جديرة بالله، الذي يود أن تكون طاهرة وكاملة. فيتأهل المخلوق لهذه الحياة (المقدسة)؛ لأنه بهذه الطريقة التي يريدها الخالق للإنسان ينال منه القوة على الوجود أبديًا[10].
v يهتم (الله) بالنفس (موضع القدرات والمشاعر والأحاسيس) في كل إنسانٍ، ليكون عاقلاً، وينال المعرفة، ويمارس ذكاءه بشكلٍ لائقٍ وسط حياة الجسد، فتصير مشاعره وإدراكاته صالحة[11].
العلامة أوريجينوس
v هنا توجد تعزية، فإن كان الله أبًا، فهو يهتم بنا كأبناء، كما يقول السيد المسيح: "أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا (مت ٧: ٩)؟[12]
v أضاف إلي قوله إننا ورثة الله "وارثون مع المسيح" (رو 8: 17). لاحظ طموحه، فإنه يريد أن يقترب بنا إلي السيد. فحيث أنه ليس كل الأبناء ورثة، أظهر أننا أبناء وورثة أيضًا. ولما كان ليس كل الورثة ينالون ميراثًا عظيمًا أبرز هذه النقطة بكوننا ورثة الله. مرة أخرى إذ يمكن أن نكون ورثة لله، ولكن ليس ورثة مع الابن الوحيد أظهر أن لنا هذا أيضًا[13].
v يا للعجب! اُنظر! يا لعظمة الإيمان! هوذا يوضح الرسول ذلك تدريجيًا! قبلاً أظهر أن الإيمان يجعل منهم أبناءً لإبراهيم... الآن يبرهن أنهم أبناء الله أيضًا... بعد ذلك إذ يقول إنه لأمر عظيم ومدهش يوضح كيفية تبنِّيهم لله: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (أف 3: 27)... مادام المسيح هو ابن الله، وأنتم قد لبستموه، واقتنيتموه داخلكم، وتشكَّلتم على مثاله، صرتم أقرباء له واحدًا معه في طبيعته[14].
v القديس يوحنا الذهبي الفم
v سمح لنفسه أن يُدعى ابن داود ليجعلك ابن الله! سمح لعبد أن يصير له أبًا، حتى يكون لك أيها العبد الرب أبًا لك!... وُلد حسب الجسد، لتولد أنت حسب الروح! وُلد من امرأة لكي تكف عن أن تكون ابنا لامرأة.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
v "النور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه" (يو 1: 5).
الظلمة هي عقول البشر الغبية، إذ أعمتها الشهوات الفاسدة وعدم الإيمان، لهذا كان على "الكلمة" الذي به كان كل شيءٍ أن يهتم بهذه العقول (من أجل حبه للبشرية)، ويعيد إليها سلامتها. لذلك فإن "الكلمة صار جسدًا، وحل بيننا" (يو 1: 14)، لأن من اختصاصه الاستنارة، إذ هو الحياة الذي يضيء للبشر.
لكننا لم نكن مستعدين للتجاوب مع عمله، إذ أسقطتنا نجاسة الخطية، وأبعدتنا عنه، فصرنا في حاجة إلى التنقية. تتم هذه التنقية من الشر والكبرياء بدم ذاك البار وحده، وبتواضعه (يو 1:1، 14) لنصير على مثاله...
صار كلمة الله إنسانًا بارًا يشفع عن الخطاة أمام الآب. وبالتصاقه بنا، شابهنا من جهة الناسوت حتى ينزع عنَّا ما هو ليس على شبهه، أي شرِّنا!
وإذ شاركنا في موتنا، وهبنا أن نصير شركاء معه. وهكذا بموت البار الذي تم بمحض اختياره، نزع موت الخطاة الذي حدث كحكمٍ نستحقه.
v لقد تبنى العبيد وجعلهم إخوة؛ فدى المسببين وجعلهم شركاء في الميراث[15].
v إن كانوا أبناء الله، إن كانوا قد خلصوا بنعمة المخلص، إن كانوا قد اُشتروا بدمه الثمين، إن كانوا قد وُلدوا من الماء والروح، إن كانوا قد عُينوا لميراث السماء، فهم بالحق أولاد الله[16].
v لا تتعجب يا إنسان أنك تصير ابنًا بالنعمة، أن تولد من الله حسب كلمته. فالكلمة نفسه اختار أولاً أن يُولد من إنسان، لكي تولد أنت من الله حسب الخلاص، فتقول لنفسك: "ليس بدون سبب أراد الله أن يُولد من إنسان، لكن لأنه حسبني ذا أهمية، ولكي يجعلني خالدًا، من أجلي ولد كإنسان قابل للموت[17].
v "ورثة الله، ووارثون مع المسيح". إنه لا يخشى أن يكون معه شركاء في الميراث، لأن ميراثه لا ينقص إن ناله كثيرون. بل يصير الوارثون أنفسهم ميراثًا له، ويصير هو بدوره ميراثهم. اسمع بأية وسيلة صاروا ميراثه: "الرب قال له: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك" (مز 2: 7-8). اسمع بأية وسيلة يصير هو ميراثهم، يقول في المزامير: "الرب نصيب ميراثي، وكأسي" (مز 15: 5). لنقتنيه وليقتنينا. ليقتنينا بكونه الرب، ولنقتنيه بكونه الخلاص والنور. ماذا يعطي للذين يقبلونه؟ "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، الذين يؤمنون باسمه" كي يلتصقوا بالخشبة ويعبروا البحر[18].
القديس أغسطينوس
v كما أن المسيح ابن حقيقي فإننا نصير أبناء عندما نقبل الروح القدس. يقول الكتاب: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبني" (رو 15:8)، وإن كنا بالروح القدس قد صرنا أبناء، فواضح أننا في المسيح دعينا أولاًد الله. "وأما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاًد الله" (يو 12:1).
القديس أثناسيوس الرسولي
v لكن التبني في قوتنا أي "بإرادتنا"، إذ يقول يوحنا إن كثيرين "قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه". أي لم يكونوا قبل الإيمان أولاد الله إنما باختيارهم الإيمان تأهلوا لذلك[19].
v إنه ليس مثلكم أنتم الذين تستنيرون فتصيرون أبناء الله... إذ أنتم أبناء بالتبني كما هو مكتوب: "أما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله". حقًا إننا نولد من الماء والروح، لكن المسيح لم يولد من الآب هكذا. إذ في وقت عماده خاطبه قائلاً: "هذا هو ابني" (مت 17:3). لم يقل" صار ابني"، بل "هذا هو ابني" معلنًا أنه "ابن" حتى قبل العماد[20].
القديس كيرلس الأورشليمي
v المجد لك يا من تركت سُكناك لتقطن في موضع آخر[21]. لكي تأتي وتجعلنا مسكنًا (لروحك) المُرسل!
أخلى الابن ذاته من مجد اللاهوت، واستقر في أحشاء البتول، حتى يصير بهذا الميلاد العام (بين البشر) أخًا لكثيرين، رغم كونه الابن الوحيد!
الابن الوحيد الذي ولد (أزليًا) بطبيعته، صار له ميلاد آخر غريب عن طبيعته، حتى يكون لنا نحن ميلاد آخر غريب عن طبيعتنا!
الابن الذي ليس لميلاده الأول زمان يُمكن استقصاؤه، قد وُلد ولادة أخرى، حتى نتعلم من ميلاده الأول عظمته غير المحدودة، ومن ميلاده الثاني نعمته غير المحصورة!
عظيم هو ميلاده الذي بلا حدود، إذ لا يقدر أحد أن يتصور ميلاده الأول، وغنيَّة هي نعمته التي بلا قياس، إذ ينطق كل أحد عن ميلاده الثاني!
v إنه ذاك الذي ولد من الآب حسب طبيعته، ومن البشرية على غير طبيعته، وصارت له المعمودية بغير عادته، حتى نولد نحن من البشرية حسب طبيعتنا، ومن الله على غير طبيعتنا بالروح (في المعمودية) على غير عادتنا!
لقد وُلد من الآب، هذا الذي صار له ميلاد آخر، حتى يجلبنا إلى الميلاد الذي هو موضوع حديثنا، فنؤمن بنسبه للآب، الأمر الذي لا يُستقصى، ونسبح ميلاده من امرأة!
v المجد لك يا من اِلتحفْت بجسد آدم القابل للموت، وصيَّرته مصدر حياة للمائتين!
أنت هو الحي، وقاتلوك فلاحون... إذ بذروا حياتك، كما تُبذر الحنطة في داخل التربة، وقُمت مقيمًا معك كثيرين!
اِجعل حبنا مجمرة عظيمة، نقدم فيها بخور تسبيحنا وصلواتنا، لذاك الذي جعل صليبه مجمرة للاهوته يقدم فيه ما هو لنفعنا!
نزل من هو من الأعالي إلى الذين من أسفل، ليوزع عليهم من كنوزه!
v المجد لذاك الذي أخذ منَّا لكي يعطينا، فنأخذ منه بفيضٍ عظيمٍ مما له خلال ما هو لنا!
نعم. لقد صارت للبشرية خلال هذا "الوسيط" أن تتقبل الحياة من معينها!
أنت الذي أوجدت لك جسدًا. فصرت كعبدٍ، حتى تقدم لنا ما يرضيك وما يبهجنا!
القدِّيس مار افرآم السرياني
v صار ا(لكلمة) ابن الإنسان، وهو ابن الله الحقيقي، لكي يصيّر أبناء الإنسان أولادًا لله[22].
v "كتاب ميلاد يسوع بن داود"... لقد قبل ابن الله السرمدي، الابن الحقيقي، أن يُدعى ابن داود حتى يجعلك ابنًا لله. رضي أن يجعل العبد أبًا له، لكي يجعل الرب أبًا لك أيها العبد!
إن كنتَ تشك من جهة الأمور الخاصة (أي أنك تصير ابنًا لله)، فصدقها بسبب ما حدث بالنسبة له. لأنه بحسب حكمنا البشري يصعب جدًا أن يصير الله إنسانًا، من أن يصير الإنسان ابنًا لله!
فإن كنت قد أُخبرت بأن ابن الله هو ابن داود وابن إبراهيم، فبالأولى جدًا ألا ترتاب في أن يصير ابن آدم ابنًا لله! فليس عبثًا تواضع الابن هكذا، إلا لأنه يريد أن يرفعنا.
هكذا قد وُلد بالجسد، حتى تُولد أنت بالروح. ولد من امرأة، حتى تكف عن أن تكون ابن امرأة!
v يصف البشير تلك العطايا الصالحة لمن قبلوا المسيح وبيَّنها بألفاظٍ قليلةٍ، بقوله: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله". سواء كانوا عبيدًا أو أحرارًا أو وثنيين أو حكماء أو غير حكماء أو نساءً أو صبيانًا أو شيوخًا أو أغنياء أو فقراء أو رؤساء أو عامة، تأهلوا لذات الكرامة، فما الذي يكون معادلاً لهذا العطف على الناس؟
مع ذلك فإن النعمة لا ينالها الكل، إنما الذين يريدونها، والمجتهدون في اقتنائها، لأن ذلك في سلطان من وُضع لهم أن يصيروا أولادًا، فإن لم يريدوا لا تتبعهم النعمة، ولا تعمل عملاً يخصها، لأن إعطاء النعمة هو من قبل الله، أما قبول الإيمان فهو للإنسان.
v لماذا لم يقل: "جعلهم أبناء الله" بل قال: "أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله"؟ ليظهر أننا محتاجون إلى غيرة عظيمة كي نحفظ صورة البنوة التي انطبعت علينا في العماد، وذلك بأن لا يوجد فينا دنس أو وسخ. في نفس الوقت يُظهر أنه لا يستطيع أحد أن يأخذ هذا السلطان ما لم أولاً نحرم أنفسنا منه... لأن من وهبنا هذه الكرامة في أيدينا أعظم وأفضل من الكل. وفي نفس الوقت يريد أن يظهر أن النعمة لا تحل على الإنسان بغير إرادته، بل على الذين يرغبون فيها، ويتعبون من أجلها[23].
v إذ أعلن أن الذين يقبلونه يولدون من الله، ويصيرون أولاد الله، أضاف العلة والسبب لهذه الكرامة التي لا يُنطق بها، ألا وهي: "الكلمة صار جسدًا"، فقد أخذ السيد صورة عبد. لقد صار ابن الإنسان الذي هو ابن الله، لكي يجعل أبناء البشر أبناء لله. فإنه إذ يجتمع العالي بالأسفل لا تُهان كرامته، بل يرفع المنحط من انحطاطه الدنيء؛ هذا ما حدث مع الرب.
ليس من شيءٍ قلل من طبيعته بتنازله، بل رفعنا نحن الذين كنا على الدوام جالسين في الخزي والظلمة، إلى مجدٍ لا ينطق به.
هكذا إن تحدث ملك باهتمامٍ وحنوٍ مع إنسان فقيرٍ وضيعٍ، هذا لا يمثل عارًا على الملك، بل يتطلع الكل إلى الآخر باهتمام وتقدير[24].
القديس يوحنا الذهبي الفم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- عن كتاب الحب الإلهي، للاب تادرس يعقوب مالطي.
[1] In 2 Cor. hom 29:4.
[2] الرسالة الثانية: تدبير الخلاص والشركة في الطبيعة الإلهية،9 (فردوس الآباء).
Les Homélies Spirituelles de St. Macaire, Spiritualité Orientale, no. 40, Abbaye de Bellefontaine.
[3] عظة 32: 6 (مركز دراسات الآباء).
[4] عظة 57: 4 (مركز دراسات الآباء).
[5] رسائل القديس أثناسيوس إلى سرابيون أسقف تمويس، 1: 24.
[6] شرح انجيل يوحنا، 1: 13.
[7] Oratione Cat. 5 ترجمة الدكتورة نورا العجمي
[8] The Lord's Prayer, sermon 3.
[9] In 1 Sam. Hom 2. (See Drewery).
[10] De Princop. 1:3:8. (See Drewery).
[11] In Her. Hom.3.
[12] In 1Tim, hom 1.
[13] In Rom. hom 14.
[14] In Galat., Chapter 3.
[15] Sermon on N.T. Lessons, 53:2.
[16] Sermon on N.T. Lessons, 31:6.
[17] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 2:15.
[18] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate2:13.
[19] مقال 7: 13.
[20] مقال 11: 9.
[21] القول بأن "الله في السماء" حيث أمجاد لاهوته لا يعنى عدم وجود الله على الأرض وعندما نقول بأن الله نزل من السماء ليتجسَّد، فهذا لا يعنى عدم وجوده في السماء. إنه بكامل لاهوته متحد بالناسوت، وبكامل لاهوته موجود في كل مكان.
[22] In John. hom., 11: 1.
[23] Homilies on St. John, Hom. 10:2.
[24] Homilies on St. John, Hom. 11:1.
2_
الشركة في الثالوث الأقدس، اوليفيه كليمانت
+ إن قُوى الإنسان العُليا مؤهَّلة لأن تستقبل النور الإلهي وتعكسه على من حولها. القدرات البشرية مَدْعوَّة لأن تُستَثْمر في «المواهب الإلهية». أما هذه الممارسات في تُعتبر بحد ذاتها شركةً مع الثالوث الأقدس الفاعل في كل عمل صالح، وصورةً معبرة عن حضوره الإلهي. بَيْدَ أن الأمر الأساسي الذي تعمله قوة انطباع صورة الله فينا هو أنها تبثُّ في كياننا «الإحساس بالخلود». إنها تخلق في الإنسان قوة الامتداد نحو ما يفوقه، وتستنهض فيه «الحنين للأبدية». وبهذا يصبح الإنسان أعظم من العالم الذي وُلد فيه، هذا العالم الذي يريد أن يستحوذ عليه. وبقوة انطباع صورة الله فينا يؤكد الإنسان أيضاً حريته الجوهرية. وكون الإنسان على صورة الله هذا يعني الأساس أن له وجوداً شخصياً حراً قائماً بذاته.
[إذا كان الإنسان قد دُعي للحياة ليكون شريكاً في «الطبيعة الإلهية»، فلابد أن يكون تكوينه أساساً مما يؤهِّله لهذه المشاركة... كان من الضروري أن شيئاً من المماثلة الإلهية يُمزج بالطبيعة البشرية حتى تجعله هذه العلاقة يميل إلى ما تمتُّ إليه... من أجل هذا وُهب الإنسان الحياة والبصيرة والحكمة وكل السجايا الجديرة باللاهوت (أي بالطبيعة الإلهية)، حتى يتوق كلٌّ من هذه الفضائل إلى مثيله في الله. ولأن الأبدية ملازمة للاهوتية على الإطلاق، كان لا مندوحة من أن لا تُحرم منها طبيعتنا، بل أن تُزوَّد بعنصر الخلود. وبفضل هذه الهبة الممنوحة، نجدها مشدودة دائماً إلى بفوق قامتها، يحدوها دائماً الحنين إلى الأبدية.
هذا ما توميء إليه رواية خلقة الإنسان في عبارة واحدة جامعة شاملة، عندما تقول إن ’’الإنسان خُلق على صورة الله‘‘. (تك 26:1).][1]القديس غريغوريوسالنيصي
[الإنسان حرٌّ منذ البداية، لأن الحرية هي من صميم طبيعة الله، ولأن الإنسان خُلق على مثال الله.][2]القديس إيرينيئوس
+ النعمة تُخلِّص، ولكن بتلاقي المحبة، أي باستجابة الإنسان لمحبة الله. إنها تحيط بالإنسان، كل إنسان، كالهواء الجوي، متأهبة دائماً أن تدخل إليه من خلال أصغر منفذ في الإرادة. بَيْدَ أن الحرية الملوكية التي للإيمان هي وحدها التي تُحسن استخدام هذا المنفذ، فيصبح مدخلاً فعالاً واستسلاماً طوعياً مُبدعاً للحياة الإلهية. إنه من أجل خلاص البشرية جمعاء قد أُفرز البعض، فليس الفرد المؤمن في انعزاله، ولكن في اتحاده مع الآخرين في ذات الإيمان الواحد، بل كل البشر معاً هو الذين يُكوِّنون حقيقة قوام صورة الله. فما نراه هو أن هذا الـ «آدم الشمولي»، وهذا «الإنسان الفرد» قد تفتت، ونحن (أفراداً وجماعات) لا نكف عن تحطيمه، أما المسيح «آدم الأخير» فهو يعيد تجديد بناء قوام الإنسان، سواء في فرديته أو تعدديته، ليكون على صورة الثالوث الأقدس الواحد في الجوهر الإلهي.
+ إن قول الله «نعمل الإنسان على صورتنا»، يعني البشرية في وحدتها الكيانية العامة.
[إنها كل الطبيعة البشرية في شمولها ممتدَّة من البداية إلى النهاية، هي التي تكوِّن قوام الصورة التي على مثال الكائن الأعظم.][3]
[القول بأنه يوجد ’’بشر عديدون‘‘ هو تعبير جرت به عادة الأسلوب العامي... نعم يوجد هناك كثرة تشارك في نفس الطبيعة البشرية الواحدة... ولكن خلالها جميعاً الإنسان هو واحد.][4]القديس غريغوريوسالنيصي
+ من جهة أخرى، الإنسان ككل –نفساً وجسداً- هو الذي جُبلَ على صورة الله. فالجسد قد أُعطيَّ أن يكون هو التعبير عن الوجود الشخصي الفردي لنفس الإنسان عندما تقبَّل هو أيضاً النفخة المُحّيية. ومع الكتاب المقدس يؤكد الآباء أن الكيان البشري لا يقوم إلا وحدة النفس مع الجسد. المرئي من الإنسان لم يكن ليوجد إلا ليعبر عن اللامرئي فيه. لذلك كان القديسون يشعوُّن ببهاء ينبعث من قلب يتميز بالصيرة الثاقبة والمحبة الشديدة. الجسد هو أيضاً مدعوٌّ للقيامة والحياة الأبدية. والآباء الرسوليون في القرن الثاني شددوا كثيراً في تعاليمهم على رفعة منزلة الجسد هذه. فالمسيحية لديهم تبشر بقيامة الجسد، لذا فهي تسبق وتُعِدُّه منذ الآن لهذه الحقيقة، التي برهنتها وأكدتها قيامة المسيح و«صعوده» هذا الذي رفع الجسد الأرضي وعمَّقه في الله.
+ من أجل هذا كانت مسيحية القرون الأولى منشغلة أساساً لا بخلود النفس –الذي لا ريب فيه والمُسلَّم به أصلاً- بل بقيامة الأجساد والكون بأسره، والكون هو بمثابة جسد البشرية. فكل حياة الكنيسة على الأرض هي بمثابة «معمل تفريخ للقيامة» (كما يقول العالم اللاهوتي المعاصر ديمتري ستانيلوي). إنها الكنيسة تبث روح القيامة الفائقة في البشرية جمعاء وفي الكون كله.
[ليس في جزء من طبيعة الإنسان، توجد صورة الله، وإنما في الطبيعة برُمَّتها الصورة الإلهية.][5]القديس غريغوريوسالنيصي
[أرواح بلا أجساد لا يمكن أبداً أن تكون بشراً روحيين. ولكن واقعنا بكامله، أعني به كياننا المُركَّب من روح وجسد، حينما يتقبل روح الله، فهو يصير إنساناً روحياً.][6]القديس إيرينيئوس
[هل النفس أياًّ كانت –هي وحدها- التي تحدد قوام الإنسان؟ كلا، فالنفس ما هي إلا جانب من الإنسان. وهل الجسد هو الذي يتميز به الإنسان؟ كلا، فهو ليس إلا جزءاً من الإنسان. إذاً، فمن حيث أن هذين العنصرين لا يمكن لأيٍّ منهما على حدةٍ بأي وجه من الوجوه أن يُكوِّن الإنسان، فمن ثم يلزم أن نقول إن الوحدة المكوَّنه من اتحاد الاثنين معاً هي الجديرة بأن تُسمى إنساساً. ويقيناً أن الإنسان ككل وليس جزءٌ منه هو الذي دعاه الله إلى الحياة وإلى القيامة (قيامة الجسد).
إن الإنسان بكُلِّيته هو الذي دُعي، أي بالنفس والجسد أيضاً. وإذا كان الاثنان يكوِّنان اتحاداً ممتنع الانفصال فكيف نعتقد أن أحدهما يخلص (ويفوز بالحياة الأبدية) دون الآخر؟ وإذا كنا قد قبلنا مرة إمكانية تعرُّف الجسد على مَوْلد (روحي) جديد، فكيف يُعقل أن تنعم النفس وحدها بالخلاص الأبدي دون الجسد؟][7]
[إذا كان صحيحاً أن الجسد هو بلا أدنى جدوى، فلماذا أبرأه المسيح؟ بل ولماذا بالأخص بلغ إلى حد أن أُقيم من بين الأموات؟ وماذا كان القصد من هذا؟ أليس ذلك لكي يبين لنا كيف أن القيامة (للجسد) لابدَّ أن تحدث؟ ومن الواضح أنها كانت لكليهما (الجسد والنفس) معاً. وإذا كانت القيامة ليست إلا روحية، كان ينبغي أن الرب يشير بقيامته هو إلى ذلك، فيكون الجسد مُضجعاً في جانب والنفس تبدو قائمة بدونه. ولكنه لم يفضل مثل هذا، بل إنه قام بجسده المصلوب، إذا كان لا يبرهن بذلك على حقيقة قيامة الجسد؟ وإذا أراد أن يقنع تلاميذه الذين رفضوا أن يقبوا أنه قام حقاً بجسده... سمح لهم أن يلمسوه ويتحققوا هم أنه هو، وأنه ما زال في جسده. ثم بعد ذلك، في مرَّة أخرى، طلب منهم أن يأكل معهم... فأكل عسلاً وسمكاً. وهكذا وضع اليقين أمامهم أن القيامة ستتم لجسد بشريتنا هذا الذي نحيا به على الأرض. ثم إذ أراد أيضاً أن يؤكد لنا أن موطننا الدائم سيكون في السماء، أنه ليس مستحيلاً على الجسد أن ينطلق إلى هناك؛ سمح لتلاميذه «أن يروه مرتفعاً إلى السماء» (مر 19:16)][8]الفيلسوف الشهيد يوستين
+ يشترك آباء الكنيسة الروحيون الأوائل جميعاً (انطلاقاً من الكتاب المقدس) في رؤيتهم أن القلب هو المركز الأساسي في حياة الإنسان المسيحي. هذا ’’القلب‘‘ وإن كان يأخذ نفس التسمية التي يحملها هذا العضو الطبيعي من الجسد ولكن دون أن يتشابه معه بكُلِّته، فهو موضع معرفة المحبة حيث يستجمع الإنسان كل قواه وأفكاره وأحاسيسه، وفي الوقت نفسه ينفتح على الآخرين (إن كان هذا الآخر هو الله أو الإنسان). هذا «القلب الروحاني» هو منفتح دائماً على الروح القديس وهو يستقبل منه النور الإلهي ليبَّه في الجسد... لكي يُمكِّنه من أن يصير روحانياً، بينما بالمقابل نجد أن أعلى مستوى من الذكاء إذا ما انغلق أمام السر الإلهي يصير جسدانياً.
[النعمة تنقش في قلب أبناء النور شرائع الروح. لذلك، لا ينبغي أن يستقوا إيمانهم فقط من الكتب المقدسة المدونة بمِداد، لأن نعمة الله تكتب أيضاً سُنَنَ الروح والأسرار السماوية على لوحي القلب. فالقلب في الواقع يقود ويسوس الجسد كلَّه. وحالما تستحوذ النعمة على مراعي القلب، حينئذ تملك على كل الأعضاء والافكار. لأن فيه تقوم الروح وكل خواطر النفس وآمالها. ومن خلاله تسري النعمة في كل أعضاء الجسد.][9]القديس مقاريوس الكبير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]GRÉGOIRE DE NYSSE, Grande Catéchèse, 5 (PG 45,21-24)
[2]IRÉNÉE DE LYON: Contre les Hérésies IV, 37,4 (SC n° 100 bis, p.932)
[3]GRÉGOIRE DE NYSSE, De la Création de l'Homme, 16 (PG 44,183)
[4]GRÉGOIRE DE NYSSE, Qu'iln'y a pas troisDieux (PG 45,177)
[5]GRÉGOIRE DE NYSSE, De la Création de l'Homme (PG 44, 185)
[6]IRÉNÉE DE LYON: Contre les Hérésies V,8,2 (SC n° 153 p.96)
[7]JUSTIN: Fragment 8 (in H. LassiatL'Actualité de la CatéchèseApostolique, Sisteron, 1979 p.173)
[8]JUSTIN: Fragment 9 (in H. Lassiat, op. cit. p.156,157)
[9]MACAIRE DE L'EGYPTE: QuanziémeHomélie, 20 (PG 34,589)
[إذا كان الإنسان قد دُعي للحياة ليكون شريكاً في «الطبيعة الإلهية»، فلابد أن يكون تكوينه أساساً مما يؤهِّله لهذه المشاركة... كان من الضروري أن شيئاً من المماثلة الإلهية يُمزج بالطبيعة البشرية حتى تجعله هذه العلاقة يميل إلى ما تمتُّ إليه... من أجل هذا وُهب الإنسان الحياة والبصيرة والحكمة وكل السجايا الجديرة باللاهوت (أي بالطبيعة الإلهية)، حتى يتوق كلٌّ من هذه الفضائل إلى مثيله في الله. ولأن الأبدية ملازمة للاهوتية على الإطلاق، كان لا مندوحة من أن لا تُحرم منها طبيعتنا، بل أن تُزوَّد بعنصر الخلود. وبفضل هذه الهبة الممنوحة، نجدها مشدودة دائماً إلى بفوق قامتها، يحدوها دائماً الحنين إلى الأبدية.
هذا ما توميء إليه رواية خلقة الإنسان في عبارة واحدة جامعة شاملة، عندما تقول إن ’’الإنسان خُلق على صورة الله‘‘. (تك 26:1).][1]القديس غريغوريوسالنيصي
[الإنسان حرٌّ منذ البداية، لأن الحرية هي من صميم طبيعة الله، ولأن الإنسان خُلق على مثال الله.][2]القديس إيرينيئوس
+ النعمة تُخلِّص، ولكن بتلاقي المحبة، أي باستجابة الإنسان لمحبة الله. إنها تحيط بالإنسان، كل إنسان، كالهواء الجوي، متأهبة دائماً أن تدخل إليه من خلال أصغر منفذ في الإرادة. بَيْدَ أن الحرية الملوكية التي للإيمان هي وحدها التي تُحسن استخدام هذا المنفذ، فيصبح مدخلاً فعالاً واستسلاماً طوعياً مُبدعاً للحياة الإلهية. إنه من أجل خلاص البشرية جمعاء قد أُفرز البعض، فليس الفرد المؤمن في انعزاله، ولكن في اتحاده مع الآخرين في ذات الإيمان الواحد، بل كل البشر معاً هو الذين يُكوِّنون حقيقة قوام صورة الله. فما نراه هو أن هذا الـ «آدم الشمولي»، وهذا «الإنسان الفرد» قد تفتت، ونحن (أفراداً وجماعات) لا نكف عن تحطيمه، أما المسيح «آدم الأخير» فهو يعيد تجديد بناء قوام الإنسان، سواء في فرديته أو تعدديته، ليكون على صورة الثالوث الأقدس الواحد في الجوهر الإلهي.
+ إن قول الله «نعمل الإنسان على صورتنا»، يعني البشرية في وحدتها الكيانية العامة.
[إنها كل الطبيعة البشرية في شمولها ممتدَّة من البداية إلى النهاية، هي التي تكوِّن قوام الصورة التي على مثال الكائن الأعظم.][3]
[القول بأنه يوجد ’’بشر عديدون‘‘ هو تعبير جرت به عادة الأسلوب العامي... نعم يوجد هناك كثرة تشارك في نفس الطبيعة البشرية الواحدة... ولكن خلالها جميعاً الإنسان هو واحد.][4]القديس غريغوريوسالنيصي
+ من جهة أخرى، الإنسان ككل –نفساً وجسداً- هو الذي جُبلَ على صورة الله. فالجسد قد أُعطيَّ أن يكون هو التعبير عن الوجود الشخصي الفردي لنفس الإنسان عندما تقبَّل هو أيضاً النفخة المُحّيية. ومع الكتاب المقدس يؤكد الآباء أن الكيان البشري لا يقوم إلا وحدة النفس مع الجسد. المرئي من الإنسان لم يكن ليوجد إلا ليعبر عن اللامرئي فيه. لذلك كان القديسون يشعوُّن ببهاء ينبعث من قلب يتميز بالصيرة الثاقبة والمحبة الشديدة. الجسد هو أيضاً مدعوٌّ للقيامة والحياة الأبدية. والآباء الرسوليون في القرن الثاني شددوا كثيراً في تعاليمهم على رفعة منزلة الجسد هذه. فالمسيحية لديهم تبشر بقيامة الجسد، لذا فهي تسبق وتُعِدُّه منذ الآن لهذه الحقيقة، التي برهنتها وأكدتها قيامة المسيح و«صعوده» هذا الذي رفع الجسد الأرضي وعمَّقه في الله.
+ من أجل هذا كانت مسيحية القرون الأولى منشغلة أساساً لا بخلود النفس –الذي لا ريب فيه والمُسلَّم به أصلاً- بل بقيامة الأجساد والكون بأسره، والكون هو بمثابة جسد البشرية. فكل حياة الكنيسة على الأرض هي بمثابة «معمل تفريخ للقيامة» (كما يقول العالم اللاهوتي المعاصر ديمتري ستانيلوي). إنها الكنيسة تبث روح القيامة الفائقة في البشرية جمعاء وفي الكون كله.
[ليس في جزء من طبيعة الإنسان، توجد صورة الله، وإنما في الطبيعة برُمَّتها الصورة الإلهية.][5]القديس غريغوريوسالنيصي
[أرواح بلا أجساد لا يمكن أبداً أن تكون بشراً روحيين. ولكن واقعنا بكامله، أعني به كياننا المُركَّب من روح وجسد، حينما يتقبل روح الله، فهو يصير إنساناً روحياً.][6]القديس إيرينيئوس
[هل النفس أياًّ كانت –هي وحدها- التي تحدد قوام الإنسان؟ كلا، فالنفس ما هي إلا جانب من الإنسان. وهل الجسد هو الذي يتميز به الإنسان؟ كلا، فهو ليس إلا جزءاً من الإنسان. إذاً، فمن حيث أن هذين العنصرين لا يمكن لأيٍّ منهما على حدةٍ بأي وجه من الوجوه أن يُكوِّن الإنسان، فمن ثم يلزم أن نقول إن الوحدة المكوَّنه من اتحاد الاثنين معاً هي الجديرة بأن تُسمى إنساساً. ويقيناً أن الإنسان ككل وليس جزءٌ منه هو الذي دعاه الله إلى الحياة وإلى القيامة (قيامة الجسد).
إن الإنسان بكُلِّيته هو الذي دُعي، أي بالنفس والجسد أيضاً. وإذا كان الاثنان يكوِّنان اتحاداً ممتنع الانفصال فكيف نعتقد أن أحدهما يخلص (ويفوز بالحياة الأبدية) دون الآخر؟ وإذا كنا قد قبلنا مرة إمكانية تعرُّف الجسد على مَوْلد (روحي) جديد، فكيف يُعقل أن تنعم النفس وحدها بالخلاص الأبدي دون الجسد؟][7]
[إذا كان صحيحاً أن الجسد هو بلا أدنى جدوى، فلماذا أبرأه المسيح؟ بل ولماذا بالأخص بلغ إلى حد أن أُقيم من بين الأموات؟ وماذا كان القصد من هذا؟ أليس ذلك لكي يبين لنا كيف أن القيامة (للجسد) لابدَّ أن تحدث؟ ومن الواضح أنها كانت لكليهما (الجسد والنفس) معاً. وإذا كانت القيامة ليست إلا روحية، كان ينبغي أن الرب يشير بقيامته هو إلى ذلك، فيكون الجسد مُضجعاً في جانب والنفس تبدو قائمة بدونه. ولكنه لم يفضل مثل هذا، بل إنه قام بجسده المصلوب، إذا كان لا يبرهن بذلك على حقيقة قيامة الجسد؟ وإذا أراد أن يقنع تلاميذه الذين رفضوا أن يقبوا أنه قام حقاً بجسده... سمح لهم أن يلمسوه ويتحققوا هم أنه هو، وأنه ما زال في جسده. ثم بعد ذلك، في مرَّة أخرى، طلب منهم أن يأكل معهم... فأكل عسلاً وسمكاً. وهكذا وضع اليقين أمامهم أن القيامة ستتم لجسد بشريتنا هذا الذي نحيا به على الأرض. ثم إذ أراد أيضاً أن يؤكد لنا أن موطننا الدائم سيكون في السماء، أنه ليس مستحيلاً على الجسد أن ينطلق إلى هناك؛ سمح لتلاميذه «أن يروه مرتفعاً إلى السماء» (مر 19:16)][8]الفيلسوف الشهيد يوستين
+ يشترك آباء الكنيسة الروحيون الأوائل جميعاً (انطلاقاً من الكتاب المقدس) في رؤيتهم أن القلب هو المركز الأساسي في حياة الإنسان المسيحي. هذا ’’القلب‘‘ وإن كان يأخذ نفس التسمية التي يحملها هذا العضو الطبيعي من الجسد ولكن دون أن يتشابه معه بكُلِّته، فهو موضع معرفة المحبة حيث يستجمع الإنسان كل قواه وأفكاره وأحاسيسه، وفي الوقت نفسه ينفتح على الآخرين (إن كان هذا الآخر هو الله أو الإنسان). هذا «القلب الروحاني» هو منفتح دائماً على الروح القديس وهو يستقبل منه النور الإلهي ليبَّه في الجسد... لكي يُمكِّنه من أن يصير روحانياً، بينما بالمقابل نجد أن أعلى مستوى من الذكاء إذا ما انغلق أمام السر الإلهي يصير جسدانياً.
[النعمة تنقش في قلب أبناء النور شرائع الروح. لذلك، لا ينبغي أن يستقوا إيمانهم فقط من الكتب المقدسة المدونة بمِداد، لأن نعمة الله تكتب أيضاً سُنَنَ الروح والأسرار السماوية على لوحي القلب. فالقلب في الواقع يقود ويسوس الجسد كلَّه. وحالما تستحوذ النعمة على مراعي القلب، حينئذ تملك على كل الأعضاء والافكار. لأن فيه تقوم الروح وكل خواطر النفس وآمالها. ومن خلاله تسري النعمة في كل أعضاء الجسد.][9]القديس مقاريوس الكبير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]GRÉGOIRE DE NYSSE, Grande Catéchèse, 5 (PG 45,21-24)
[2]IRÉNÉE DE LYON: Contre les Hérésies IV, 37,4 (SC n° 100 bis, p.932)
[3]GRÉGOIRE DE NYSSE, De la Création de l'Homme, 16 (PG 44,183)
[4]GRÉGOIRE DE NYSSE, Qu'iln'y a pas troisDieux (PG 45,177)
[5]GRÉGOIRE DE NYSSE, De la Création de l'Homme (PG 44, 185)
[6]IRÉNÉE DE LYON: Contre les Hérésies V,8,2 (SC n° 153 p.96)
[7]JUSTIN: Fragment 8 (in H. LassiatL'Actualité de la CatéchèseApostolique, Sisteron, 1979 p.173)
[8]JUSTIN: Fragment 9 (in H. Lassiat, op. cit. p.156,157)
[9]MACAIRE DE L'EGYPTE: QuanziémeHomélie, 20 (PG 34,589)
3_الشركة في حياة الله، اوليفيه كليمانت
+ دعوة الإنسان العُليا هي: أن يحقق الإنسان كمال بشريته بأن يصير إلهاً بالنعمة، أي أن يكون مشاركاً بملء كيانه في حياة الله، جاعلاً من بشريته هيكلاً للمجد الإلهي، المجد الذي يطرح الموت خارجاً، بل بالأحرى يحوِّله إلى ما هو ضدّه؛ إلى حياة دائمة غير قابلة للفناء.
+ الإنسان صورة الله، ينبغي أن يبلغ إلى التماثل بالله. هذا التماثل هو في آن واحد، التلاقي والمشاركة، والتوافق والإنسجام التام مع الله في أقانيمه العاملة في خلقة الإنسان وفي عمل تجديد الإنسان أيضاً بالتجسيد وعمل الفداء.
[الإنسان كائنٌ حي أرضي، نال نعمة خاصة ليصير إلهاً.][1]القديس باسيليوس الكبير
[كل كائن روحي، قد أُعِدَّ ليكون هيكلاً لله، وجُبل ليقبل في طبيعته مجد الله.][2]العلاَّمة أوريجانوس
[هكذا كان التدبير الإلهي في خلقة الإنسان وجَعْله على صورة الله وشَبَهِه غير المخلوق: الآب يُدبِّر، والابن ينفذ ويشكّل، والروح القدس يغذي وينمي الإنسان ليتقدَّم تدريجياً.][3]القديس إيرينيئوس
+قصة خلق الإنسان هذه أخذت بُعدا مأساوياً«بالسقوط»و«الفداء»، ولكن تقدُّمها الأساسي نحو غايتها المنشودة لم يتوقف أو تغير.
[كان لابد للإنسان أن يمر بهذه المراحل حتى يبلغ إلى الهدف النهائي من خلقته: فأولاً هو قد جُبِل؛ ثم نما وكبر حتى بلغ سن الرشد؛ ثم تناسل وتكاثر؛ وإذا تكاثر تقوَّى؛ وإذا قَوِيَ اعتزَّ وتكرَّم؛ وبعد أن تكرم رأى ربَّه. لأن... رؤية الله تؤدي إلى الخلاص من الموت والانعتاق من الفساد؛ وهذه الحالة تُعبِّر عن بلوغ الإنسان إلى الاتحاد بالله.][4]القديس إيرينيئوس
+ الإنسان كائن يحيا في نطاق يقع بين المنظور وغير المنظور، بين عالم المادة والجسد وبين عالم الروح والروحانيات، في حالة تجسُّد كوسيط بين الخليقة والخالق. النزوع نحو هذه الغاية موجود أيضاً حتى في الأديان والمذاهب غير الكتابية (أي التي هي خارج الكتاب المقدس)، كما في الآداب والمعاصرة، وفي العلوم، وفي الفنون. ولكن في هذه كلها نجد هذا النزوع محدوداً وقاصراً: فإما هي مستغرقة في الإلهيات، وإما مؤكِّدة على الجانب البشري (المادي والطبيعي) ومُعْرِضَة تماماً عن الجانب الروحي. أما «تجسد كلمة الله» فقد كشف الرؤية وافتتح الطريق أمام الإنسان ليرى مصيره المُلهم ذا القوة الخلاَّقة.
[الفنان الأعظم المبدع للكون قد صمم (في فكره الإلهي) وأخرج للوجود كائناً حيّاً يتميز بطبيعتين: إحداهما مرئية والأخرى لا مرئية. فالله قد خلق الإنسان مشكِّلاً جسده من المادة الهيولية التي قد سبق فأوجدها من قبل، ثم بعث فيه الحياة بروحه القدس... وهكذا برز إلى الوجود –على نوع ما- كعالَم كوني جديد، صغير وعظيم في نفس الوقت، ثم أقامه الله على الأرض ليكون سيداً عليها... هذا الكائن الحي جُبِلَ من طبيعتين حتى إذا ما تأمل بعمق في المنظور يدرك من خلاله غير المنظور، وهكذا يملك على كل خلائق الأرض، وفي نفس الوقت يكون مطيعاً لأوامر السماء.
إن هذا المخلوق العجيب يجمع في كيانه، في نفس الوقت، بين واقع أرضي وحقيقة سماوية، بين ما هو غير ثابت وما هو خالد، بين المرئي وغير المرئي. هو وَسَطٌ بين العظمة والعدم، فهو: جسد وروح... كائن حيواني أرضي ولكنه ينزع ويتطلع إلى وطن أفضل، إنه يبلغ غايته ويكتمل سره عندما يصير متمثِّلاً بالله، بتوافقه التلقائي مع المشيئة الإلهية وارتضائه بها تماماً بنية خالصة.][5]القديس غريغوريوس النزينزي
+ الإنسان مدعو لأن يحمل الكون كله في كيانه وأن يضع الخليقة بكاملها في وعيه ويشملها بحبه، حتى ينوب عنها في تقديم الصلاة شكره السرية (القلبية) لله. ولكي يحددها بعبقريته الخاصة ومهارته معطياً «لكل مخلوق حي اسمه» كما يقول سفر التكوين. إنه «كَونٌ صغير وإله صغير»(كما يقول القديس غريغوريوس النيصي). أي أنه كائن مادي روحي في نفس الوقت، أرضي وسماوي.
+مكسيموس المعترف (أحد آباء الكنيسة البيزنطية بعد القرن الخامس) يتعمق كُنه الإنسان، فيفضل أن يصفه بأنه:«Macrocosme = (كون كبير)»، لأنه يفوق كل عظمة الكون المنظور، من حيث أنه أُبدِع على صورة الله. ولأن الكائن البشري يفوق ويكبر سائر الخلائق الأخرى المنظورة؛ لذا وُضِع على عاتقه مسئولية العناية بها (من حيوان ونبات وجماد) حتى يساعدها على استمرارية الحياة.
+ الإنسان في الواقع –وبحسب أقوى تعبير عند القديس غريغوريوسالنزينزي- يحيا «بنَسْمَةٍ منبعثة من اللاهوت»، تحتضنه وتنميه وتقوده وتمنعه من أن يلتصق التي جُبل منها. «ماهيَّة الإنسان تفوق للغاية كل حدود منطقية بشرية»، كما كان يقول الفيلسوف بسكال. لا شيء أرضي، مهما كان، يقدر بأي حال أن يجعله كتفياً وراضياً أو متوقفاً عند حدٍّ.
+ لم يكف الآباء عن أن يمجدوا هذه الرِفّعة الإلهية التي بلغ إليها الإنسان، وهذا «العمق اللانهائي»لكيانه البشري الذي صار هيكلاً مقدساً لحلول الله. فالإنسان هو على صورة الله، في أنه يفوق كل تعريف على مثال الله نفسه.
[الصورة لا تُدعى صورة حقيقية إلا إذا حازت كل صفات مثالها... والمسة المميزة للاهوت أنه غير ممكن إدراكه أو فهمه بالعقل: كذلك صورته أيضاً ينبغي أن تكون مُعَبِّرة عنه. أما إذا أمكن استيعاب جوهر الصورة في حين أن مثالها يفوق كل إدراك، فهذا الاختلاف يلغي واقع الصورة نفسها وحقيقتها. ولكن نحن لا يمكننا أن نبلغ إلى تحديد طبيعة بُعدنا الروحي، الذي هو على صورة خالقنا تماماً... وهذا هو ما نحمله من السمة غير المدرَكة التي للاهوت عن طريق السر الحالِّ فينا.][6]القديس غريغوريوس النيصي
+ يمكن بالمثل أن يُقال إن الله بالتجسد صار موطناً دائماً للإنسان، فصار وجود الإنسان بالتالي يفوق كل حدوده في هذه الحياة المنظورة: سواء الطبيعية أو الإجتماعية أو النفسية، وذلك لأنه هو أيضاً أصبح موضعاً لسُكنى الله، الذي صار «يوجد ويحيا ويتحرك» في رَحْبِه اللانهائي...
[إعلم أنك عالَمٌ كوني آخر، كونٌ مُصغَّر، وأنه يوجد فيك شمس وقمر بل ونجوم أيضاً، ولو لم يكن الأمر هكذا... ما قال الرب لتلاميذه: ’’أنتم نور العالم‘‘ (مت 14:5). فهل تتردد بعد بأن تصدق أن فيك شمساً وقمراً، حينما يُقال لك إنك ’’نور العالم‘‘؟ أتود أن أسوق لك كلمة إلهية أخرى حتى لا تستصغر نفسك أو تستهين بهذه الحقيقة؟
هذا الكون (البشري الصغير) له سيد عظيم يحكمه ويقيم فيه، هو الله الكلي القدرة، كما أعلن هو نفسه على فم أنبيائه: «أما أملأ أنا السموات والأرض، يقول الرب؟» (إر 24:23)
فاسمع ما يقوله الله الكلي القدرة عنك –أعني عن البشر جميعاً: «إنني سأسكن في وسطهم، وأسير معهم» (2كو 16:6). ثم يضيف هذا الذي يعنيك بالأكثر: «وأكون لهم أباً، وهم سيكونون لي بنين وبنات، يقول الرب.» (2كو 18:6)][7]العلاَّمة السكندري أوريجانوس
[كلمة الله تناول جزءاً صغيراً من الأرض التي أبرأها حديثاً، وصاغ بيديه الأبديتين جُبْلتنا البشرية وبث فيها الحياة: لأن النسمة التي بعثها في الإنسان هي انبثاق من لاهوته المستتر اللامنظور. وهكذا من التراب ومن نفخة القدر أُبدع الإنسان على صورة الحي الأبدي... فبصفتي من الأرض أجد نفسي مرتبطاً بالحياة الحاضرة، ولكن لأنني أحمل أيضاً في كياني قبساً من الألوهية، لذا أجد قلبي منشغلاً بالتوق إلى الحياة الأبدية الآتية.][8]القديس غريغوريوس النزينزي
[اعرفْ مقدار المجد الذي كرَّمك به بارئُك فوق كل الخليقة. فالسماء لم تُجبل على صورة الله، ولا الشمس بعظمتها ولا النجوم ببهائها، ولا شيء مما يمكن أن يُرى في سائر الخلائق. ولكن أنت وحدك (كإنسان) الذي أُبْدِعْتَ على صورة الحق الذي يفوق كل إدراك عقل، وعلى مماثلة بهائه الذي لا يبلى، على طابع لاهوته الحقيقي؛ على أن ترث فرح مجده وتنعم بنوره إلى الأبد. لأنك عندما تتطلع إليه ستثير على ما هو عليه.. لا يوجد شيء بين الكائنات الأخرى مهما عظم يمكن أن يُقارن بهذا السمو الذي بلغتَ أنت إليه. لأن الله الكلي القدرة الذي يقيس السماء بشبره والأرض والبحر هما في قبضة يده، ومع أنه كلي العظمة بهذا المقدار حتى إنه يحمل الخليقة كلها ويحتويها على كفه، تنازل هو إليك وحل في قلبك، فأمكنك أن تحتويه في داخلك، وارتضى أن يسكن فيه دون أن ينحصر أو يتضايق لسريانه في كيانك، فهو الذي قال: «سأسكن فيهم أسير بينهم.» (2كو 16:6)][9]القديس غريغوريوس النيصي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]Paroles de S. Basile de Césaréerapportée par Grégoire de NazianzedanssaLouange de Basile le Grande, Discours 43, 48 (PG36, 560)
[2]ORIGÉNE, Commentairesurl`Evangileselon Saint Matthieu, 16,23 (PG13,1453)
[3]IRÉNÉE DE LYON: Contre Les Hérésies IV,38,3 (SC n° 100 bis. P.954-956)
[4]IRÉNÉE DE LYON: Contre Les Hérésies IV,38,3 (SC n° 100 bis. P.956)
[5]GRÉGOIRE DE NAZIANZE: Discours 45, pour la pâque,7 (PG36,850)
[6]GRÉGOIRE DE NYSEE, De la Création de l`Homme, 11 (PG 44,155)
[7]ORIGÉNE: CinquiémeHoméliesur Lévitique,2 (GCS6,336-337)
[8]GRÉGOIRE DE NAZIANZE: Poémes Dogmatiques,8 (PG37,452)
[9]GRÉGOIRE DE NYSEE, DeuxiémeHoméliesur la Cantique des Cantiques(PG 44,765)
4_
الإتحاد بالله (التأله) في تعليم القديس اثناسيوس الرسولي ج1
يجدر بنا هنا أن نشير إلى أن الكنيسة منذ لحظة انطلاقها بأمر الرب العلني وبقوة دفع الروح القدس، وبسلطان إلهي ظهر على لسان بطرس الرسول أنه قادر أن يميت ويحيي بكلمة - كما حدث في حالة حنانيا وسفيرة - هكذا وضحت الكنيسة للعالم أنها إلهية منذ أول لحظة، وهكذا استمرت بالتلاميذ ثم الأنبياء ثم الأساقفة والقديسين تنطق باستعلان إلهي في ما يخص رسالة الخلاص في الإنجيل، وكل نطق إلهي في ما يخص عمل المسيح بالإنجيل حُفظ فيها كقضية مسلَّم بها أنها نطق إلهي. وكان هو التقليد: «وإذ كانوا يجتازون في المدن كانوا يسلِّمونهم القضايا التي حكم بها الرسل والكهنة والشيوخ الذين في أُورشليم ليحفظوها» (أع 4:16). هذه التي على أساسها كان يُبنى الشرح والتعليم، لا كأنه تعليم اجتهادي، بل كان يُنظر إليه بكل هيبة ووقار أنه تعليم الرب، أو بصورة مختصرة: “كلمة” الله ذاتها.
لهذا فإن التعليم بحسب التقليد الرسولي في الكنيسة في ما يخص الإنجيل والخلاص والكلمة، كان هو المرجع النهائي الثابت غير القابل للنقاش، والمُلزم للمؤمنين، ليس من جهة التصديق العقلي، بل من جهة الحياة المنبثقة منه. وكان هذا هو مفهوم الإيمان De fide قبل أن يصبح له قانون ومجامع.
وهذا يوضِّح لنا أن المسيحية إيمان بالتسليم الحي المنحدر من “الكلمة = اللوغوس” الحي، عَبْر الرسل، أو أن الإيمان هو هو الكلمة المحيي المذخر بالتقليد وبالإنجيل في الكنيسة، وليست المسيحية موضوع نقاش لاهوتي أو صراع فكري استقر على صورة ما.
فالإيمان كما تقدِّمه الكنيسة منذ البدء هو تعليم محيي، هو “الكلمة” نفسه “هو الحق الكلي”، ولا يمكن أن يؤخذ منه جزءٌ ويُترك الآخر، أو أن يكون قابلاً للتغيير والتعديل، وقد وضعته الكنيسة من خلال مجمع نيقية في حدود قاطعة مانعة كما يسميها أثناسيوس. فيوضِّح أيضاً هذه الحقيقة الهامة جدًّا بقوله:
[إن كلمة الرب التي تُسلِّمت إلينا من خلال المجمع المسكوني في نيقية هي باقية إلى الأبد.]([2])
وهكذا فإن أثناسيوس حينما يركِّز بشدة على الإيمان بتألُّه الإنسان، فهو كان يتمسَّك بقوة بتقليد الكنيسة القديم من جهة النتيجة المباشرة التي آلت إلى الإنسان بسبب تجسُّد ابن الله وتأنُّسه ثم موته على الصليب الذي به تبرّر الإنسان، والقيامة التي نال بها الإنسان الحياة الأبدية، وهكذا نال الإنسان نصيباً في الطبيعة الإلهية كنتيجة حتمية.
وهنا يُبرز أثناسيوس الاصطلاح التقليدي الذي أصبح ميراث اللاهوت الشرقي كله([3]):
“تألُّه الإنسان”، وهو التعبير المقابل للتجسُّد؛ “فالتأنُّس” يقابله “التألُّه” الذي يعني في اللاهوت الاتحاد بالله، الذي ابتدأ الإعلان الإلهي عنه بإلهام وبتحديد قاطع من بطرس الرسول في رسالته الثانية 4:1 بتعبير الاشتراك في الطبيعة الإلهية، ثم التزم به الآباء إيرينيئوس ومن بعده، وامتد عبر هيبوليتس وأُوريجانوس وآباء آسيا الصغرى إلى أثناسيوس الذي بلغ به إلى القمة من جهة البرهان والشرح والتوضيح.
وهنا ينقسم مفهوم “الاتحاد بالله” أي “التألُّه” في اللاهوت الشرقي إلى اتجاهين:
الأول:
أوريجاني، حيث يعتبر أوريجانوس أن أعلى ما يهدف إليه الإنسان هو أن يعود إلى مصدره الأول بحالته الأُولى التي خُلق عليها.
الثاني:
عند إيرينيئوس وآباء آسيا الصغرى، وهو يختلف تماماً عن أوريجانوس. فإن الإنسان عندهم خُلق لغاية لم يستطع أن يحقِّقها إطلاقاً، وأن فترة الاضطراب العظمى التي وقع فيها الإنسان بسبب دخول عنصر الخطية عليه قد أصلحه وشفاه التجسُّد. والتجسُّد هو الذي حمل الإنسان إلى رأس آخر (المسيح) جديد، غير رأسه الأول آدم الذي انحدر منه، وبذلك فإن التجسُّد حمل الإنسان إلى غاية جديدة أخرى كان يستحيل عليه أن يبلغها لو بقي تحت رئاسته الأُولى القديمة.
وباختصار نستطيع أن نضع هاتين النظريتين هكذا:
1 - عند أوريجانوس كان التجسُّد لعودة الإنسان “إلى” حالته الأُولى.
2 - عند إيرينيئوس وأثناسيوس كان التجسُّد لتقدُّم الإنسان وامتداده فوق حالته الأُولى.
وهذا التركيز على هذه الرؤية اللاهوتية بالنسبة لأثناسيوس كان مدخلاً ضمن أسلحته الماهرة لتحطيم الفلسفة العقلانية التي للأريوسيين، التي تؤكِّد على أن اللاهوت عند أثناسيوس بالذات لا ينحصر في دائرة المعرفة Gnosticism، لكنه يخترقها سريعاً ليبلغ الغاية الحقيقية من الخلقة ومن التجسُّد التي تفوق قامة المعرفة البشرية، بل وكل ما للإنسان، وهي الاتحاد بالله، التي يسمِّيها اللاهوتيون الأوائل ذوو الجراءة في الإيمان والتعبير“بالتألُّه”، التي يُقصد منها بحسب التفسير عامة “الاتحاد بالله” أو أحياناً وبصورة خافتة “التبني” لله، أو بحسب تعبير بولس الرسول “ورثة مع المسيح في الله”؛ والتألُّه هو المقابل المتحصِّل من التأنُّس. فكما أن المسيح أخذ بالاتحاد بالجسد البشري كل ما للإنسان (ما عدا الخطية طبعاً ولو أنه حمل عقوبتها)، كذلك فالاتحاد بالمسيح يعطينا كل ما لله أو بحسب تعبير بولس الرسول نأخذ “كل ملء الله”، كما تقول التسبحة السنوية المقدَّسة: [هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له. فلنسبِّحه ونمجِّده ونُزِدْه علواً].
والمسألة في أمر “التألُّه”، أي الاتحاد بالله، ليست هينة، فهي تختص بالإيمان كله وبمنهج العبادة والصلاة والاتصال بالله في الصميم. فلكي نعرف الله لا بد أن نقترب منه، ويستحيل الاقتراب من الله إلاَّ عن طريق “الكلمة” والروح، وهذا هو - الاتصال - الذي يؤدِّي إلى كشف طرق الحكمة الإلهية والذي عليه يبني الإنسان فكره وسلوكه، وهو “الاتحاد بالله” المعتبر هبة الكمال التي أُهِّلت لها طبيعة الإنسان بواسطة “الكلمة”، لما قَبِل أن يتحد بجسد إنسان أي يتأنَّس، فتأنُّس الله أعطى فرصة لتألُّه الإنسان، مع تحفظات في المفهوم اللاهوتي، حيث أن التألُّه لا يُخرج الإنسان عن إنسانيته ولا يستنفذ كل ما لله، حيث ما يتحصَّل عليه الإنسان من الاتحاد بالله لا يوصِّله إلاَّ إلى كمال صورة الله الذي خلقه عليها ليبلغها في النهاية، والتي لا يمكن أن تتم إلاَّ بالاشتراك في الحياة الأبدية.
وبحسب أثناسيوس فإن آدم لم يحقِّق غاية رسالته وأخفق في الاحتفاظ بمعرفة الله بسبب استخدامه لحريته، ووقع فريسة لقوة أخرى خارجية، وفقد قوة “الكلمة” لمَّا انحاز لمعرفة غير معرفة الله، وبالتالي فقد كل أمل في تحقيق الاتحاد بالله وهي غاية خلقته. من أجل هذا تجسَّد “الكلمة” لكي يرفع الإنسان مرَّة أخرى إلى معرفة الله الحقة، وبالتالي استرد له ما كان له من قدرة على الاتحاد بالله “التألُّه” ولكن بنعمة عظمى، لأن تجسُّد الكلمة وبقاءه في جسد إنسان الذي يجلس به المسيح الآن عن يمين العظمة في الأعالي أعطى ضماناً للإنسان لتكميل الاتحاد بالله والثبوت فيه بالفداء، وإنما على طول المدى، لأنه يستحيل بلوغ كمال نعمة الاتحاد بالله قبل أن يخلع الإنسان جسد الموت الفاسد ويلبس عدم الموت وعدم الفساد. «أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أُظهِر (المسيح) نكون مثله لأننا سنراه كما “هو”.» (1يو 2:3)
على أن كل ما أخذه كلمة الله من الإنسان بالتجسُّد قدَّمة للإنسان وجعله قابلاً للاتحاد بالله (التألُّه) جسداً ونفساً وعقلاً وروحاً، أي كل طبيعته!! كذلك فإن كل ما استرده المسيح لنا - بصفة عامة وليست فردية - أصبح غير قابل للضياع أو الفقدان الناتج من ضعف طبيعتنا، فالمسيح لا يمكن أن يفقد ما اكتسبه لنا بسبب أخطائنا نحن، وهذه هي صفات الخليقة الجديدة التي هو رأسها والضامن لتحقيقها!!
[لأنه بالموت الذي (جازه) وصل عدم الموت إلى الجميع، ولأنه بتأنس الكلمة عرَّفت العناية الإلهية العامة الإنسان بكل شيء، كما عرف الإنسان واهبها وبارئها أي كلمة الله نفسه، لأنه صار إنساناً لكي نصير نحن فيه إلهاً، وأظهر نفسه في جسد لكي يستعلن لنا الآب غير المنظور.]([4])
[فالبشرية تكمَّلت فيه - أي بلغت كمالها - فهي استردت ما كانت عليه في خلقتها منذ البدء، ولكن بنعمة أكبر! لأنه عندما نقوم من الأموات فلن نخاف الموت في ما بعد، بل سنملك مع المسيح إلى الأبد في السموات.]([5])
وواضح جدًّا من تعبيرات أثناسيوس من جهة “التألُّه” للطبيعة البشرية أنه يعني الاتحاد بالله، الأمر الذي أوضحه القديس بطرس الرسول بمعنى: “لتصيروا شركاء الطبيعة الإلهية”، وهذا يُرجعه أثناسيوس إلى ما أكمله الكلمة في نفسه بالتجسُّد ليضمن خلاصنا.
[الكلمة صار جسداً لكي يقدِّم جسده من أجل الجميع، ولكي إذا ما نحن اشتركنا في روحه القدوس نصير آلهة (شركاء في الطبيعة الإلهية).]([6])
[إنه لم يكن إنساناً وصار إلهاً بعد ذلك، بل هو إله صار إنساناً لكي يصيِّرنا نحن آلهة (فيه) (شركاء في الطبيعة الإلهية).]([7])
[هذه هي النعمة التي صارت إلينا والارتفاع الذي حدث لنا، لأنه لمَّا صار إنساناً صار ابن الله يُعبد، فصرنا نحن معه جسداً واحداً، ولكن لم تفزع منَّا القوات السمائية حينما أُدخلنا إلى مجالاتهم.]([8])
[ومن أجل صِلاتنا بجسده صرنا نحن أيضاً هيكلاً لله، وبالتالي صرنا أبناء الله، حتى أن الرب المعبود محسوب أنه داخلنا أيضاً، والذين ينظروننا يقولون: «إن الله فيهم بالحقيقة».]([9])
[وبالرغم من أنه لا يوجد إلاَّ ابن واحد لله بالطبيعة، حقيقي ووحيد، إلاَّ أننا نحن أيضاً صرنا أبناءً ... فبالرغم من أننا بشر من الأرض، إلاَّ أننا نُدعى الآن آلهة ... لأن في هذا كانت مسرَّة الله الذي أعطانا هذه النعمة.]([10])
[ونحن نُحسب أولاد الله وآلهة، بسبب أن “الكلمة” فينا. فإننا نُحسب أيضاً أننا في الابن وفي الآب، لأن الروح القدس فينا.]([11])
[نحن البشر جُعلنا آلهة بالكلمة، بسبب أننا اتحدنا به من خلال جسده.]([12])
[وما هذا السمو والتقدُّم الذي صار لنا إلاَّ التأليه والنعمة التي وُهبت لنا من الحكمة.]([13])
[من أجل ذلك اتخذ جسداً إنسانياً حتى إذا ما جدَّده لنفسه (كخالق) له حينئذ يؤلِّهه في ذاته وبهذا يُحضرنا جميعاً إلى ملكوت السموات على مثاله. (أي ما صار له بالجسد جعله لنا أيضاً) لأن الإنسان كان لا يمكن أن يتألَّه (يتحد بالله) إن كان اتحاده يتم بمخلوق، أو أن يكون ابن الله ليس إلهاً، وكذلك لا يمكن أن يأتي “إنسان” إلى حضرة الله إذا لم يكن هو كلمته الحقيقية ومن جوهره وقد لبس جسداً.
وكما أنه كان يستحيل علينا أن نتخلَّص من اللعنة والخطية إن لم يكن الجسد الذي اتخذه الكلمة هو جسد بشري، إذ يستحيل أن تكون لنا شركة بيننا وبين آخر غريب عنا (عن طبيعتنا)، كذلك أيضاً فالإنسان يستحيل أن يتألَّه (يتحد بالله) إن لم يكن الكلمة الذي صار جسداً هو من جوهر الآب. لأن اتحاد الإنسان بالله هو من هذا النوع، حتى يمكنه أن يوحِّد (يُتحِد) ما هو لطبيعة الإنسان بنفسه الذي هو بطبيعة الله (أو هو إله بطبيعته)، وهكذا يصير خلاص الإنسان وتألُّهه (أي اتحاده بالله) مؤكَّداً ومضموناً.]([14])
كذلك من الواضح أن أثناسيوس يؤكِّد أن تأليه الإنسان لا يتم خارجاً عن المسيح، كما يستحيل أن يكون عملاً قائماً بحد ذاته، بل إن تأليه الإنسان يتم “في المسيح” - بالإيمان والأسرار - وخارجاً عن المسيح يستحيل أن يتم أي اتحاد أو حتى اقتراب من الله!! لأن الاتحاد بالله يستلزم أولاً تخلُّص الإنسان من كل أخطائه، وهذا أكمله المسيح بموته على الصليب غاسلاً بدمه كل خطايا الإنسان التي كانت تعوق الاتحاد بالله.
[فإذا كان الله قد أرسل ابنه مولوداً من امرأة، فهذه الحقيقة لا تخجلنا، بل على النقيض تعطينا مجداً ونعمة عظمى لأنه صار إنساناً حتى يستطيع أن يؤلهنا (يوحِّدنا بالله) في ذاته، ووُلد من عذراء حتى يأخذ على نفسه خطأ جنسنا، حتى نصير نحن من الآن فصاعداً جنساً مختاراً و“شركاء في الطبيعة الإلهية” كما يقول المغبوط بطرس (2بط 4:1).]([15])
ومرة أخرى يوضِّح أثناسيوس أن هذا الاتحاد بالله يتم عن طريق الروح القدس أيضاً:
[وفضلاً عن هذا فإننا بالروح القدس نشترك كلنا في الله لأنه يقول: “أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدَّس الذي أنتم هو” (1كو 3: 16و17)، ونظراً لأننا دُعينا شركاء المسيح - «أمين هو الله الذي به دعيتم إلى شركة ابنه» (1كو 9:1) - وإن كنَّا بالاشتراك في الروح القدس نصبح “شركاء الطبيعة الإلهية” فمن الجنون أن نقول إن الروح القدس له طبيعة مخلوقة أو أنه ليس له طبيعة الله، لأن الذين فيهم الروح القدس، هؤلاء يصيرون آلهة،(أي مشتركون في الطبيعة الإلهية) فإن كان الروح القدس يجعل الناس آلهة، فلا شك أن طبيعته هي طبيعة إلهية.]
ومن أقوال أثناسيوس هذه يتضح لنا أن موضوع اتحاد الإنسان بالله “التأليه” هو حقيقة غير منازَع فيها، بل وبالأكثر فإنه يتخذها أساساً وبرهاناً على أن الروح القدس نفسه له طبيعة الله، مما يوضِّح أن موضوع اتحاد الإنسان في الله بواسطة الشركة في المسيح والروح القدس هو حقيقة أساسية في اللاهوت، وتقليد كنسي راسخ منذ الآباء الأوائل يوستينوس وبوليكاربوس وإغناطيوس وإيرينيئوس وهيبوليتس وترتليان، الذين اعتبروا الخلاص مستحيلاً وغير مضمون إذا لم يبلغ الإنسان هذا الاتحاد بالله بالروح القدس و“الكلمة” والأسرار.
ولئلاَّ يتوه أحد في معنى “تأليه الإنسان” - الذي لا يُفهم منه إلاَّ انتساب الإنسان لله - ولئلاَّ يظن أحد أن “تأليه الإنسان” عمل يُخرج الإنسان عن إنسانيته أو يغيِّر شيئاً من طبيعته الإنسانية، يعود أثناسيوس ويوضِّح جدًّا هذا الأمر هكذا:
[إن الآب بواسطة الابن يؤلِّه ويضيء الجميع ...، فالذي به ينال الجميع الألوهة والحياة كيف يمكن أن يكون هو (الابن) من جوهر مخالف لجوهر الآب؟]([16])
[ولكن ليس بحسب الطبيعة نكون أبناء الله، بل بسبب الابن الوحيد الذي يكون فينا. وكذلك أيضاً الآب لا يكون أباً لنا بحسب الطبيعة، بل لأنه أبٌ للكلمة الذي يكون فينا، الذي به وفيه نصرخ يا أبا الآب. وهكذا الآب لا يدعو أبناءً له إلاَّ الذي يرى فيهم ابنه الوحيد.]([17])
[إذن، فالروح هو الذي في الله، ولسنا نحن من أنفسنا نكون في الله، ولكن كما أننا نصير أبناءً وآلهة بسبب الكلمة الذي يكون فينا، هكذا أيضاً نصير في الابن وفي الآب، ونصير واحداً معهما بسبب الروح الذي فينا، لأن الروح هو في الكلمة والكلمة نفسه هو بالحقيقة في الآب.]([18])
[من أجل هذا صار الكلمة جسداً لكي يقدِّم جسده عن الجميع، ولكي إذا اشتركنا في روحه “نتألَّه”، وهي العطية التي كان يستحيل علينا الحصول عليها إذا لم يكن قد لبس هو بنفسه جسدنا المخلوق، لأنه من ذلك أخذنا اسمنا “كرجال الله” و“إنسان المسيح”.
ولكن كما أنه بأخذنا الروح القدس لا نفقد طبيعتنا الخاصة (الإنسانية)، هكذا الرب لمَّا صار إنساناً من أجلنا ولبس جسداً لم يتغيَّر عن لاهوته، لأنه لم ينقص شيئاً عندما تسربل بالجسد، بل بالحري ألَّهه وجعله غير مائت.]([19])
وهنا يقول القديس مقاريوس الكبير في عظته 49 في هذا الموضوع مفرِّقاً بين النفس البشرية والله هكذا:
[هو الله وهي ليست إلهاً، هو الرب وهي صنعة يديه، هو الخالق وهي المخلوقة، هو الصانع وهي المادة، ولا يوجد شيء مشترك قط بينه وبين طبيعتها.]([20])
ويعود أثناسيوس يناقش كيف يتم “تأليه الإنسان” أي اتحاده بالله، موضِّحاً أن بواسطة “جسد المسيح” والاتحاد به يتم تأليه الإنسان، لأن جسد المسيح صار متألِّهاً بمجرَّد اتحاده بالكلمة:
[وكما أن المسيح مات ثم ارتفع ممجَّداً - كإنسان - كذلك فإنه - كإنسان - قيل عنه إنه أخذ ما لله (المجد)، حتى تصير عطية أو هبة هذه النعمة لنا أو تصلنا، لأن “الكلمة” لم يكن ضعيفاً أو قليل الشأن عندما قَبِلَ المجد لنفسه كأنه يطلب أو يبحث لنفسه عن نعمة، بل إنه بالحري ألَّه الجسد الذي لبسه. والأكثر من هذا أنه “أعطى” وسلَّم - جسده المؤلَّه هذا - بنعمة خاصة ومجَّاناً إلى الجنس البشري (الأسرار) ...
وهذه هي نعمتنا وارتفاع مجدنا، لأنه بالرغم من أنه صار إنساناً، فابن الله لا يزال معبوداً؛ وقوات السموات لا تستغرب عندما تراناً جميعاً نحن المعتبرين جسداً واحداً معه، داخلين في دائرة مملكتهم.]([21])
[ونحن إنما نتألَّه (نتحد بالله) ليس باشتراكنا (السرائري) من جسد إنسان ما ولكن بتناولنا من “جسد” “الكلمة” ذاته!!]([22])
ثم يعود أثناسيوس ويؤكِّد أنه عندما نأخذ جسد المسيح هذا المعتبر أنه مؤلَّه، نتخلَّص من ضعفاتنا ونتحرَّر من قيود خطايانا، وبالتالي فنحن نشترك في صفات وأمجاد اللوغس الكلمة!! ونأخذه:
[لأنه ليس بحسب آدميتنا بعد نموت، ولكن من الآن فصاعداً كل ضعفاتنا الجسدية التي هي بحسب أصل جنسنا قد تحوَّلت إلى “اللوغس” الكلمة، فنحن نقوم من التراب واللعنة التي بسبب الخطية قد رُفعت، بسبب ذلك الذي هو فينا (أي الكلمة المتجسِّد)، والذي صار لعنة من أجلنا.
وهذا تمَّ بحكمة، لأنه كما أننا جميعاً من تراب الأرض ونموت في آدم، هكذا إذ تجدَّدنا ووُلدنا ثانية من فوق من الماء والروح في المسيح، نحيا ونقوم،لأن الجسد (الإنسان عامة) لم يعد أرضياً بعد بل صار “كلمة= لوغوس” بسبب كلمة الله الذي من أجلنا صار جسداً (إنساناً كاملاً).]([23])
وأثناسيوس هنا يقصد جسد البشرية عامة. وحينما يقول إن الجسد صار كلمة، فهذا لا يفيد أن الجسد البشري تحوَّل عن بشريته أو فقد شيئاً من إنسانيته، ولكنه فقد الموت والفساد وتحوَّل عن الشر الذي استُعبد له وصار من خاصة الكلمة ومناسباً له ومطابقاً لصفاته، “لأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي” (يو 19:17)، أو كما تقول التسبحة السنوية [أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له].
ويستمر أثناسيوس في شرحه وتعليله لقيمة اتخاذ الكلمة جسداً بشرياً كاملاً ليعمل فيه عمله الخلاصي العجيب، موضِّحاً أن كل ما “للكلمة” صار للجسد البشري الذي اتخذه لنفسه، وهذا بالتالي كله انتقل إلينا لمَّا أعطانا جسده. وبذلك ضمن الله لنا بواسطة التجسُّد وموت المسيح على الصليب الخلاص الشامل، ليس من الموت فقط، بل أيضاً من الخطية العاملة بالشهوة!
[لأنه إن لم تكن أعمال لاهوت “اللوغس” أي أعمال الكلمة بصفته إلهاً - لم تتم من خلال الجسد، فإنه كان يتعذَّر تأليه الإنسان (اتحاده بالله).
كذلك فإنه لو لم تكن خواص وصفات “الجسد” (البشري) نُسبت “للكلمة”، فإنه كان يستحيل على الإنسان أن يتخلَّص منها (أي من الصفات المتعارضة مع الحياة الأبدية كالجوع والعطش والتعب والبكاء التي سنتخلَّص منها جميعاً بالقيامة).
... ولكن الآن لأن الكلمة صار إنساناً وامتلك “كل ما” يخص الجسد (من موت ولعنة وفساد)، فإن كل هذه لا تستطيع بعد أن تمس الجسد بسبب الكلمة الذي حل فيه، ولكنها أُبيدت تماماً بواسطته، وهكذا لم يعُد الناس بعد خطاة وأمواتاً بحسب شهواتهم، ولكن لأنهم قاموا بقوة الكلمة فإنهم سيبقون إلى الأبد غير مائتين وبلا فساد.]([24])
وفي اختصار وروعة يبرز أثناسيوس حتمية بلوغنا الحرية والخلاص من كل فساد الطبيعة البشرية بالاتحاد بالله، كقضية مرتبطة ارتباطاً جذرياً وبالأساس بالتجسُّد نفسه أي باتحاد الكلمة بجسد الإنسان هكذا:
[فإذا اعترضتَ على كوني أنا قد تحرَّرت وتخلَّصت من الفساد الذي هو في طبيعتي، فانظر لأنك لا تستطيع أن تعترض على كلمة الله لأنه أخذ هيأتي كعبد! لأنه كما أن الرب لمَّا لبس الجسد صار إنساناً، هكذا نحن البشر قد تألَّهنا (اتحدنا بالله) بالكلمة لأنه أخذنا وضمنا إليه في جسده، وبذلك ورثنا من الآن فصاعداً الحياة الأبدية.]([25])
والقديس أثناسيوس ينبِّه ذهننا أن “التقديس” شيء و“التأليه” شيء آخر والأول يمهِّد للثاني.
ثم إن كل ما قيل عن المسيح في ما يخص جسده منذ ميلاده حتى صعوده وجلوسه عن يمين الآب هو في الحقيقة عملية استرداد رسمية خطَّط لها الآب ليكمِّلها الابن بالجسد لحساب الإنسان، سواء في نموه في القامة والنعمة، أو طاعته لأبيه وأمه، أو عماده وحلول الروح القدس عليه، أو غلبته للشيطان على جبل التجربة بالصوم والصلاة، أو إتيان المعجزات العديدة، أو طلبه المجد من الآب، أو قيامته من الأموات، أو صعوده إلى السموات، أو جلوسه عن يمين الآب؛ فهذه كلها غنائم الإنسان من تجسُّد الكلمة!!
[ولكي يفدي البشرية جاء الكلمة وحلَّ بيننا، ولكي يقدِّس ويؤلِّه (يوحِّد بالله) الإنسان صار الكلمة جسداً.
ومَن ذا الذي بعد ذلك لا يرى أن كل ما قاله الرب بخصوص ما تقبَّله من الله - (النعمة، المجد، الروح القدس، الذهاب إلى الآب) - لمَّا صار جسداً إنما ذكره ليس من أجل نفسه.]([26])
ويعتبر القديس أثناسيوس أن “تأليه الإنسان”، أي اتحاده بالله، عملية تتم على مستوى الفرد، وليست عملية صورية تمت لحساب المجموع البشري، فكما يتقدَّس كل إنسان بالروح القدس ليصير عضواً حيًّا قائماً بذاته في الجسد الكلي، كذلك عملية التأليه أي الاتحاد هي عملية فردية تتم بالاتحاد بالابن والآب. لذلك يضعها أثناسيوس بصورتها الواضحة في صيغة الجمع بقوله: نحن أبناءً وآلهة، ولم يقل صرنا ابناً وإلهاً. ولكن من هذا التقديس الفردي والتأليه أي الاتحاد الفردي بالله تتم الوحدة الكلية الشاملة = “ليصير الكل إلى واحد”. ويؤكِّد أن “تأليهنا” أي اتحادنا ووحدتنا مع الآب والابن بواسطة الروح القدس شيء آخر تماماً ويختلف كلية عن اتحاد الآب والابن.
[وليس كما أن الابن في الآب هكذا نصير نحن في الآب، لأن الابن لا يأخذ مجرَّد شركة في الروح القدس (كما نأخذ نحن) حتى يصير في الآب، بل ولا يُقال أصلاً إن الابن يأخذ الروح القدس، بل إنه هو الذي يعطيه، ولا يُقال إن الروح القدس يوحِّد الكلمة في الآب أصلاً بل إن الروح القدس يأخذ من الكلمة «يأخذ مما لي ويخبركم». فالابن في الآب مثل كلمته الخاصة ومثل شعاعه، أمَّا نحن فبدون الروح القدس نصير مفترقين وغرباء عن الله!! ولكن بشركتنا في الروح القدس نلتحم باللاهوت، لذلك فوجودنا في الآب ليس هو منَّا - بتاتاً - ولكنه من الروح القدس الذي فينا والذي يسكن داخلنا، الذي باعترافنا الحسن والحق نحتفظ به فينا، كما يقول يوحنا: «مَن اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله» (1يو 15:4).
... إذن، فالروح القدس الذي هو في الله - الذي لا نستطيع أن نراه نحن في أنفسنا - وكما أننا نحن “أبناء وآلهة” بسبب الكلمة([27]) الذي فينا، لذلك نحن سنصير في الابن وفي الآب، وسنُحسب أننا صرنا واحداً في الابن وفي الآب، لأن الروح القدس فينا، الذي هو في الكلمة وفي الآب.]([28])
ثم يرتفع أثناسيوس بمعنى “التأليه” كحقيقة تكميل عمل الابن في الخليقة ليس بالمفهوم اللاهوتي الجامد بل على مستوى تكميل كل شيء في الأخلاق والسلوك والحب، فهو غاية الله من خلقة الإنسان، وغاية الإنسان من عبادته لله؛ وغاية المسيح من كل أعماله أن يبلغ بالإنسان إلى “الكمال المسيحي” أو التكميل في المسيح لحساب الآب، وهكذا يرتفع بمعنى تأليه الإنسان (أي اتحاده بالله) إلى مستوى - التقدُّم في - السلوك والأخلاق ويصبُّه أخيراً في مفهوم المحبة! وهذا هو شأن أثناسيوس في كل لاهوته!! وهنا أثناسيوس يشرح بتفصيل صلاة المسيح في يوحنا 17:
[أيها الاب امنحهم روحك حتى يكونوا هم أيضاً واحداً في الروح ويكونوا كاملين (يتكمَّلون فيَّ). لأن كمالهم يعلن أن كلمتك قد نزل إليهم وحلَّ بينهم، وحينما يراهم العالم كاملين ومملوئين من الله يؤمنون أنك أرسلتني وأنني حالٌّ هنا، لأنه من أين يأتيهم الكمال إلاَّ كوني أنا هو “كلمتك” الذي لبست جسدهم وصرت إنساناً فأكملت العمل الذي أعطيتني؟
والعمل قد أُكمل لأن بني الإنسان قد أُكمل فداؤهم، ولن يبقوا في الموت بعد، بل إذ تألَّهوا صار يشدهم رباط الحب كلما تطلَّعوا إليَّ.]([29])
[فإذا كان الكلمة قد نزل من أجل تقدمنا، فهو لم يأخذ اسم ابن الله كامتياز أو مكافأة بل إنه هو نفسه قد جعلنا أبناء للآب، وألَّه (وحَّد بالله) الإنسان بأن صار هو نفسه إنساناً، لذلك فالكلمة لم يكن إنساناً ثم صار إلهاً بل على النقيض فهو كإله صار أخيراً إنساناً لكي بالحري يؤلِّهنا.]([30])
[لقد لبس جسداً مخلوقاً مكمَّلاً ... حتى فيه نصير قادرين أن نتجدَّد ونتألَّه.]([31])
وبهذا العرض السريع لمفهوم “التألُّه” عند أثناسيوس نرى أنه يقع موقع القلب من اللاهوت بل ومن مفهوم المسيحية كلها عند قديسنا الكبير، وقد صار أسلوبه المفضَّل والمؤكَّد دائماً للتعبير عن اتحاد الإنسان عامة بالمسيح.
وهو لا يقصد قط أن يعتبرنا الآن في وضعنا الحالي في مفهوم حالة “التألُّه”، ولكن واضح أنه يقصد دائماً أنها “غاية” عمل التجسُّد كلياً.
والعجيب أن أثناسيوس حينما يتكلَّم عن الفداء فإنه بغاية السرعة يرتفع إلى حقيقة “التألُّه”، أي الاتحاد بالله، كغاية هامة جدًّا ينتهي إليها الفداء، حيث يؤكِّد عليها بكل اعتناء وأهمية بكثرة وتكرار.
واتجاه “التألُّه” (الاتحاد بالله) عند أثناسيوس لا ينشأ أصلاً كأنه حاجة الإنسان الخاطئ بنوع خاص، بل كحاجة الإنسان كمخلوق بنوع عام! لأن آدم باعتباره مجرَّد مخلوق لم يكن فيه أساس أمين للنعمة لتقيم فيه بدون خطر الزوال، لأنه حاز نعمة الله كهبة من خارجه وليست من صميم طبيعته الترابية، أي أن آدم لم يكن متحداً بالنعمة لذلك فقدها، ولذلك أصبح في التجديد من أهم الأمور الأساسية أن يتحد الإنسان بالنعمة أي بالروح القدس ليصير للنعمة والقداسة أساسٌ راسخٌ فيه لا يزول.
[وبالأكثر جدًّا ينبغي أن ندرك أن السبب المتقن والصالح الذي من أجله صنع هذا (الفداء بالتجسُّد وليس بمجرد نطق إلهي) أنه إذا كان الله قد أمر أو تكلَّم فقط - وهذا كان في سلطانه - لكانت اللعنة قد رُفعت في الحال، ولكانت قدرة الله قد استُعلنت بسبب هذا الأمر (النافذ المفعول)، ولكن الإنسان كان سيظل مثل آدم قبل التعدي يحوز النعمة من الخارج ولا يحوزها متحدة بجسده.]([32])
وهكذا ينفرد أثناسيوس دون جميع الآباء في التأكيد على أن التجسُّد هو بالدرجة الأُولى حاجة ملحة كانت تحتاجها الخليقة لضمان الاتحاد بالله (التألُّه) أسبق وأعمق من مفهوم رفع الخطية، لأن رفع الخطية هو عند أثناسيوس درجة في طريق الاتحاد بالله وليست غاية بحد ذاتها.
[لأن الاتحاد المطلوب هو أن “الكلمة” (المتجسِّد) يصنع اتحاداً بين ما هو إنسان بطبيعته وبين ما هو إله بطبيعته، وهكذا يصبح خلاص الإنسان وتألُّهه (اتحاده بالله)، ثابتاً ومؤكَّداً.]([33])
[لأن طبيعة الأشياء المخلوقة لا يمكن أن تعطي ضماناً - أي لا يمكن ضمانها - لأنه حتى الملائكة تعدت وكل البشر خالف، لذلك أصبحت الحاجة إلى الله نفسه - أي كلمة الله - لكي يحرِّر الذين وقعوا تحت اللعنة.]([34])
بهذا يمكن للقارئ أن يفهم فكر أثناسيوس وكيف يركِّز بشدة على التجسُّد وما أكمله المسيح بالجسد كمدخل للاتحاد بالله كملجأ أخير لا مفر منه للحصول على الخلاص الأبدي، ليبقى الإنسان ويدوم مع الله في حياة أبدية آمنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- عن كتاب حقبة مضيئة في تاريخ الكنيسة، القديس اثناسيوس الرسولي.
([1]) Athanas., De Decr. II.
([2]) Ibid., Ad Afros., 1,2.
([3]) St. Irenaeus, Adv. Haer. IV. 38:4, V ix,2.
Origen, cels. iii.28.
St. Greg. Naz., Poem dogma X:5-9.
St. Greg. Nyss., Oratio Catech. XXV.
St. Cyr. Alex., in Joan.
Harnack, op. cit., Dog. II p. 46.
([4]) De lncar., 54. 2,3. N.P.N.F., ser. II, vol. IV, p. 65.
([5]) Discourse Against Ar., II. 67.
([6]) Athanas., De Decr., 14.
([7]) Idem., C. Ar., 1. 39.
([8]) Ibid., C. Ar., 1. 42.
([9])Ibid., C. Ar., 1. 43.
([10])Ibid., C. Ar., III. 19.
([11]) Ibid., C. Ar., III. 25.
([12]) Ibid., C. Ar., III. 34.
([13])Ibid., C. Ar., III. 53.
([14]) Discourse, II:70.
([15]) Letter to Adelph., 4.
([16]) Athan., De Synod. 51.
([17]) Athanas., Contr. Ar 59:2.
([18]) Athanas., Contra Ar., 15:3.
([19]) De Decr. 14.
([20]) St. Macarius of Egypt. Hom. 49 c.4 P.G. xxxiv, c. 816.
([21]) Discours., 1:42.
([22]) Letter to Maximus, (LXI): 2.
([23]) Discours., III:33.
([24]) Discours., III:33.
([25]) Ibid. III:34.
([26]) Ibid. III:39.
([27]) يوضِّحها القديس كيرلس أكثر بقوله: إننا أبناء وآلهة بالنعمة - في شرحه لإنجيل يوحنا في هذا الموضع.
([28]) Discourse, III 24,25.
([29]) Discourse, II 23.
([30]) Contr. Ar., I, 38-39.
([31]) Ibid., II. 47.
([32]) Discourse, II. 68.
([33]) Ibid. II. 70.
([34]) Ibid. I. 49.
لهذا فإن التعليم بحسب التقليد الرسولي في الكنيسة في ما يخص الإنجيل والخلاص والكلمة، كان هو المرجع النهائي الثابت غير القابل للنقاش، والمُلزم للمؤمنين، ليس من جهة التصديق العقلي، بل من جهة الحياة المنبثقة منه. وكان هذا هو مفهوم الإيمان De fide قبل أن يصبح له قانون ومجامع.
وهذا يوضِّح لنا أن المسيحية إيمان بالتسليم الحي المنحدر من “الكلمة = اللوغوس” الحي، عَبْر الرسل، أو أن الإيمان هو هو الكلمة المحيي المذخر بالتقليد وبالإنجيل في الكنيسة، وليست المسيحية موضوع نقاش لاهوتي أو صراع فكري استقر على صورة ما.
فالإيمان كما تقدِّمه الكنيسة منذ البدء هو تعليم محيي، هو “الكلمة” نفسه “هو الحق الكلي”، ولا يمكن أن يؤخذ منه جزءٌ ويُترك الآخر، أو أن يكون قابلاً للتغيير والتعديل، وقد وضعته الكنيسة من خلال مجمع نيقية في حدود قاطعة مانعة كما يسميها أثناسيوس. فيوضِّح أيضاً هذه الحقيقة الهامة جدًّا بقوله:
[إن كلمة الرب التي تُسلِّمت إلينا من خلال المجمع المسكوني في نيقية هي باقية إلى الأبد.]([2])
وهكذا فإن أثناسيوس حينما يركِّز بشدة على الإيمان بتألُّه الإنسان، فهو كان يتمسَّك بقوة بتقليد الكنيسة القديم من جهة النتيجة المباشرة التي آلت إلى الإنسان بسبب تجسُّد ابن الله وتأنُّسه ثم موته على الصليب الذي به تبرّر الإنسان، والقيامة التي نال بها الإنسان الحياة الأبدية، وهكذا نال الإنسان نصيباً في الطبيعة الإلهية كنتيجة حتمية.
وهنا يُبرز أثناسيوس الاصطلاح التقليدي الذي أصبح ميراث اللاهوت الشرقي كله([3]):
“تألُّه الإنسان”، وهو التعبير المقابل للتجسُّد؛ “فالتأنُّس” يقابله “التألُّه” الذي يعني في اللاهوت الاتحاد بالله، الذي ابتدأ الإعلان الإلهي عنه بإلهام وبتحديد قاطع من بطرس الرسول في رسالته الثانية 4:1 بتعبير الاشتراك في الطبيعة الإلهية، ثم التزم به الآباء إيرينيئوس ومن بعده، وامتد عبر هيبوليتس وأُوريجانوس وآباء آسيا الصغرى إلى أثناسيوس الذي بلغ به إلى القمة من جهة البرهان والشرح والتوضيح.
وهنا ينقسم مفهوم “الاتحاد بالله” أي “التألُّه” في اللاهوت الشرقي إلى اتجاهين:
الأول:
أوريجاني، حيث يعتبر أوريجانوس أن أعلى ما يهدف إليه الإنسان هو أن يعود إلى مصدره الأول بحالته الأُولى التي خُلق عليها.
الثاني:
عند إيرينيئوس وآباء آسيا الصغرى، وهو يختلف تماماً عن أوريجانوس. فإن الإنسان عندهم خُلق لغاية لم يستطع أن يحقِّقها إطلاقاً، وأن فترة الاضطراب العظمى التي وقع فيها الإنسان بسبب دخول عنصر الخطية عليه قد أصلحه وشفاه التجسُّد. والتجسُّد هو الذي حمل الإنسان إلى رأس آخر (المسيح) جديد، غير رأسه الأول آدم الذي انحدر منه، وبذلك فإن التجسُّد حمل الإنسان إلى غاية جديدة أخرى كان يستحيل عليه أن يبلغها لو بقي تحت رئاسته الأُولى القديمة.
وباختصار نستطيع أن نضع هاتين النظريتين هكذا:
1 - عند أوريجانوس كان التجسُّد لعودة الإنسان “إلى” حالته الأُولى.
2 - عند إيرينيئوس وأثناسيوس كان التجسُّد لتقدُّم الإنسان وامتداده فوق حالته الأُولى.
وهذا التركيز على هذه الرؤية اللاهوتية بالنسبة لأثناسيوس كان مدخلاً ضمن أسلحته الماهرة لتحطيم الفلسفة العقلانية التي للأريوسيين، التي تؤكِّد على أن اللاهوت عند أثناسيوس بالذات لا ينحصر في دائرة المعرفة Gnosticism، لكنه يخترقها سريعاً ليبلغ الغاية الحقيقية من الخلقة ومن التجسُّد التي تفوق قامة المعرفة البشرية، بل وكل ما للإنسان، وهي الاتحاد بالله، التي يسمِّيها اللاهوتيون الأوائل ذوو الجراءة في الإيمان والتعبير“بالتألُّه”، التي يُقصد منها بحسب التفسير عامة “الاتحاد بالله” أو أحياناً وبصورة خافتة “التبني” لله، أو بحسب تعبير بولس الرسول “ورثة مع المسيح في الله”؛ والتألُّه هو المقابل المتحصِّل من التأنُّس. فكما أن المسيح أخذ بالاتحاد بالجسد البشري كل ما للإنسان (ما عدا الخطية طبعاً ولو أنه حمل عقوبتها)، كذلك فالاتحاد بالمسيح يعطينا كل ما لله أو بحسب تعبير بولس الرسول نأخذ “كل ملء الله”، كما تقول التسبحة السنوية المقدَّسة: [هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له. فلنسبِّحه ونمجِّده ونُزِدْه علواً].
والمسألة في أمر “التألُّه”، أي الاتحاد بالله، ليست هينة، فهي تختص بالإيمان كله وبمنهج العبادة والصلاة والاتصال بالله في الصميم. فلكي نعرف الله لا بد أن نقترب منه، ويستحيل الاقتراب من الله إلاَّ عن طريق “الكلمة” والروح، وهذا هو - الاتصال - الذي يؤدِّي إلى كشف طرق الحكمة الإلهية والذي عليه يبني الإنسان فكره وسلوكه، وهو “الاتحاد بالله” المعتبر هبة الكمال التي أُهِّلت لها طبيعة الإنسان بواسطة “الكلمة”، لما قَبِل أن يتحد بجسد إنسان أي يتأنَّس، فتأنُّس الله أعطى فرصة لتألُّه الإنسان، مع تحفظات في المفهوم اللاهوتي، حيث أن التألُّه لا يُخرج الإنسان عن إنسانيته ولا يستنفذ كل ما لله، حيث ما يتحصَّل عليه الإنسان من الاتحاد بالله لا يوصِّله إلاَّ إلى كمال صورة الله الذي خلقه عليها ليبلغها في النهاية، والتي لا يمكن أن تتم إلاَّ بالاشتراك في الحياة الأبدية.
وبحسب أثناسيوس فإن آدم لم يحقِّق غاية رسالته وأخفق في الاحتفاظ بمعرفة الله بسبب استخدامه لحريته، ووقع فريسة لقوة أخرى خارجية، وفقد قوة “الكلمة” لمَّا انحاز لمعرفة غير معرفة الله، وبالتالي فقد كل أمل في تحقيق الاتحاد بالله وهي غاية خلقته. من أجل هذا تجسَّد “الكلمة” لكي يرفع الإنسان مرَّة أخرى إلى معرفة الله الحقة، وبالتالي استرد له ما كان له من قدرة على الاتحاد بالله “التألُّه” ولكن بنعمة عظمى، لأن تجسُّد الكلمة وبقاءه في جسد إنسان الذي يجلس به المسيح الآن عن يمين العظمة في الأعالي أعطى ضماناً للإنسان لتكميل الاتحاد بالله والثبوت فيه بالفداء، وإنما على طول المدى، لأنه يستحيل بلوغ كمال نعمة الاتحاد بالله قبل أن يخلع الإنسان جسد الموت الفاسد ويلبس عدم الموت وعدم الفساد. «أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أُظهِر (المسيح) نكون مثله لأننا سنراه كما “هو”.» (1يو 2:3)
على أن كل ما أخذه كلمة الله من الإنسان بالتجسُّد قدَّمة للإنسان وجعله قابلاً للاتحاد بالله (التألُّه) جسداً ونفساً وعقلاً وروحاً، أي كل طبيعته!! كذلك فإن كل ما استرده المسيح لنا - بصفة عامة وليست فردية - أصبح غير قابل للضياع أو الفقدان الناتج من ضعف طبيعتنا، فالمسيح لا يمكن أن يفقد ما اكتسبه لنا بسبب أخطائنا نحن، وهذه هي صفات الخليقة الجديدة التي هو رأسها والضامن لتحقيقها!!
[لأنه بالموت الذي (جازه) وصل عدم الموت إلى الجميع، ولأنه بتأنس الكلمة عرَّفت العناية الإلهية العامة الإنسان بكل شيء، كما عرف الإنسان واهبها وبارئها أي كلمة الله نفسه، لأنه صار إنساناً لكي نصير نحن فيه إلهاً، وأظهر نفسه في جسد لكي يستعلن لنا الآب غير المنظور.]([4])
[فالبشرية تكمَّلت فيه - أي بلغت كمالها - فهي استردت ما كانت عليه في خلقتها منذ البدء، ولكن بنعمة أكبر! لأنه عندما نقوم من الأموات فلن نخاف الموت في ما بعد، بل سنملك مع المسيح إلى الأبد في السموات.]([5])
وواضح جدًّا من تعبيرات أثناسيوس من جهة “التألُّه” للطبيعة البشرية أنه يعني الاتحاد بالله، الأمر الذي أوضحه القديس بطرس الرسول بمعنى: “لتصيروا شركاء الطبيعة الإلهية”، وهذا يُرجعه أثناسيوس إلى ما أكمله الكلمة في نفسه بالتجسُّد ليضمن خلاصنا.
[الكلمة صار جسداً لكي يقدِّم جسده من أجل الجميع، ولكي إذا ما نحن اشتركنا في روحه القدوس نصير آلهة (شركاء في الطبيعة الإلهية).]([6])
[إنه لم يكن إنساناً وصار إلهاً بعد ذلك، بل هو إله صار إنساناً لكي يصيِّرنا نحن آلهة (فيه) (شركاء في الطبيعة الإلهية).]([7])
[هذه هي النعمة التي صارت إلينا والارتفاع الذي حدث لنا، لأنه لمَّا صار إنساناً صار ابن الله يُعبد، فصرنا نحن معه جسداً واحداً، ولكن لم تفزع منَّا القوات السمائية حينما أُدخلنا إلى مجالاتهم.]([8])
[ومن أجل صِلاتنا بجسده صرنا نحن أيضاً هيكلاً لله، وبالتالي صرنا أبناء الله، حتى أن الرب المعبود محسوب أنه داخلنا أيضاً، والذين ينظروننا يقولون: «إن الله فيهم بالحقيقة».]([9])
[وبالرغم من أنه لا يوجد إلاَّ ابن واحد لله بالطبيعة، حقيقي ووحيد، إلاَّ أننا نحن أيضاً صرنا أبناءً ... فبالرغم من أننا بشر من الأرض، إلاَّ أننا نُدعى الآن آلهة ... لأن في هذا كانت مسرَّة الله الذي أعطانا هذه النعمة.]([10])
[ونحن نُحسب أولاد الله وآلهة، بسبب أن “الكلمة” فينا. فإننا نُحسب أيضاً أننا في الابن وفي الآب، لأن الروح القدس فينا.]([11])
[نحن البشر جُعلنا آلهة بالكلمة، بسبب أننا اتحدنا به من خلال جسده.]([12])
[وما هذا السمو والتقدُّم الذي صار لنا إلاَّ التأليه والنعمة التي وُهبت لنا من الحكمة.]([13])
[من أجل ذلك اتخذ جسداً إنسانياً حتى إذا ما جدَّده لنفسه (كخالق) له حينئذ يؤلِّهه في ذاته وبهذا يُحضرنا جميعاً إلى ملكوت السموات على مثاله. (أي ما صار له بالجسد جعله لنا أيضاً) لأن الإنسان كان لا يمكن أن يتألَّه (يتحد بالله) إن كان اتحاده يتم بمخلوق، أو أن يكون ابن الله ليس إلهاً، وكذلك لا يمكن أن يأتي “إنسان” إلى حضرة الله إذا لم يكن هو كلمته الحقيقية ومن جوهره وقد لبس جسداً.
وكما أنه كان يستحيل علينا أن نتخلَّص من اللعنة والخطية إن لم يكن الجسد الذي اتخذه الكلمة هو جسد بشري، إذ يستحيل أن تكون لنا شركة بيننا وبين آخر غريب عنا (عن طبيعتنا)، كذلك أيضاً فالإنسان يستحيل أن يتألَّه (يتحد بالله) إن لم يكن الكلمة الذي صار جسداً هو من جوهر الآب. لأن اتحاد الإنسان بالله هو من هذا النوع، حتى يمكنه أن يوحِّد (يُتحِد) ما هو لطبيعة الإنسان بنفسه الذي هو بطبيعة الله (أو هو إله بطبيعته)، وهكذا يصير خلاص الإنسان وتألُّهه (أي اتحاده بالله) مؤكَّداً ومضموناً.]([14])
كذلك من الواضح أن أثناسيوس يؤكِّد أن تأليه الإنسان لا يتم خارجاً عن المسيح، كما يستحيل أن يكون عملاً قائماً بحد ذاته، بل إن تأليه الإنسان يتم “في المسيح” - بالإيمان والأسرار - وخارجاً عن المسيح يستحيل أن يتم أي اتحاد أو حتى اقتراب من الله!! لأن الاتحاد بالله يستلزم أولاً تخلُّص الإنسان من كل أخطائه، وهذا أكمله المسيح بموته على الصليب غاسلاً بدمه كل خطايا الإنسان التي كانت تعوق الاتحاد بالله.
[فإذا كان الله قد أرسل ابنه مولوداً من امرأة، فهذه الحقيقة لا تخجلنا، بل على النقيض تعطينا مجداً ونعمة عظمى لأنه صار إنساناً حتى يستطيع أن يؤلهنا (يوحِّدنا بالله) في ذاته، ووُلد من عذراء حتى يأخذ على نفسه خطأ جنسنا، حتى نصير نحن من الآن فصاعداً جنساً مختاراً و“شركاء في الطبيعة الإلهية” كما يقول المغبوط بطرس (2بط 4:1).]([15])
ومرة أخرى يوضِّح أثناسيوس أن هذا الاتحاد بالله يتم عن طريق الروح القدس أيضاً:
[وفضلاً عن هذا فإننا بالروح القدس نشترك كلنا في الله لأنه يقول: “أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدَّس الذي أنتم هو” (1كو 3: 16و17)، ونظراً لأننا دُعينا شركاء المسيح - «أمين هو الله الذي به دعيتم إلى شركة ابنه» (1كو 9:1) - وإن كنَّا بالاشتراك في الروح القدس نصبح “شركاء الطبيعة الإلهية” فمن الجنون أن نقول إن الروح القدس له طبيعة مخلوقة أو أنه ليس له طبيعة الله، لأن الذين فيهم الروح القدس، هؤلاء يصيرون آلهة،(أي مشتركون في الطبيعة الإلهية) فإن كان الروح القدس يجعل الناس آلهة، فلا شك أن طبيعته هي طبيعة إلهية.]
ومن أقوال أثناسيوس هذه يتضح لنا أن موضوع اتحاد الإنسان بالله “التأليه” هو حقيقة غير منازَع فيها، بل وبالأكثر فإنه يتخذها أساساً وبرهاناً على أن الروح القدس نفسه له طبيعة الله، مما يوضِّح أن موضوع اتحاد الإنسان في الله بواسطة الشركة في المسيح والروح القدس هو حقيقة أساسية في اللاهوت، وتقليد كنسي راسخ منذ الآباء الأوائل يوستينوس وبوليكاربوس وإغناطيوس وإيرينيئوس وهيبوليتس وترتليان، الذين اعتبروا الخلاص مستحيلاً وغير مضمون إذا لم يبلغ الإنسان هذا الاتحاد بالله بالروح القدس و“الكلمة” والأسرار.
ولئلاَّ يتوه أحد في معنى “تأليه الإنسان” - الذي لا يُفهم منه إلاَّ انتساب الإنسان لله - ولئلاَّ يظن أحد أن “تأليه الإنسان” عمل يُخرج الإنسان عن إنسانيته أو يغيِّر شيئاً من طبيعته الإنسانية، يعود أثناسيوس ويوضِّح جدًّا هذا الأمر هكذا:
[إن الآب بواسطة الابن يؤلِّه ويضيء الجميع ...، فالذي به ينال الجميع الألوهة والحياة كيف يمكن أن يكون هو (الابن) من جوهر مخالف لجوهر الآب؟]([16])
[ولكن ليس بحسب الطبيعة نكون أبناء الله، بل بسبب الابن الوحيد الذي يكون فينا. وكذلك أيضاً الآب لا يكون أباً لنا بحسب الطبيعة، بل لأنه أبٌ للكلمة الذي يكون فينا، الذي به وفيه نصرخ يا أبا الآب. وهكذا الآب لا يدعو أبناءً له إلاَّ الذي يرى فيهم ابنه الوحيد.]([17])
[إذن، فالروح هو الذي في الله، ولسنا نحن من أنفسنا نكون في الله، ولكن كما أننا نصير أبناءً وآلهة بسبب الكلمة الذي يكون فينا، هكذا أيضاً نصير في الابن وفي الآب، ونصير واحداً معهما بسبب الروح الذي فينا، لأن الروح هو في الكلمة والكلمة نفسه هو بالحقيقة في الآب.]([18])
[من أجل هذا صار الكلمة جسداً لكي يقدِّم جسده عن الجميع، ولكي إذا اشتركنا في روحه “نتألَّه”، وهي العطية التي كان يستحيل علينا الحصول عليها إذا لم يكن قد لبس هو بنفسه جسدنا المخلوق، لأنه من ذلك أخذنا اسمنا “كرجال الله” و“إنسان المسيح”.
ولكن كما أنه بأخذنا الروح القدس لا نفقد طبيعتنا الخاصة (الإنسانية)، هكذا الرب لمَّا صار إنساناً من أجلنا ولبس جسداً لم يتغيَّر عن لاهوته، لأنه لم ينقص شيئاً عندما تسربل بالجسد، بل بالحري ألَّهه وجعله غير مائت.]([19])
وهنا يقول القديس مقاريوس الكبير في عظته 49 في هذا الموضوع مفرِّقاً بين النفس البشرية والله هكذا:
[هو الله وهي ليست إلهاً، هو الرب وهي صنعة يديه، هو الخالق وهي المخلوقة، هو الصانع وهي المادة، ولا يوجد شيء مشترك قط بينه وبين طبيعتها.]([20])
ويعود أثناسيوس يناقش كيف يتم “تأليه الإنسان” أي اتحاده بالله، موضِّحاً أن بواسطة “جسد المسيح” والاتحاد به يتم تأليه الإنسان، لأن جسد المسيح صار متألِّهاً بمجرَّد اتحاده بالكلمة:
[وكما أن المسيح مات ثم ارتفع ممجَّداً - كإنسان - كذلك فإنه - كإنسان - قيل عنه إنه أخذ ما لله (المجد)، حتى تصير عطية أو هبة هذه النعمة لنا أو تصلنا، لأن “الكلمة” لم يكن ضعيفاً أو قليل الشأن عندما قَبِلَ المجد لنفسه كأنه يطلب أو يبحث لنفسه عن نعمة، بل إنه بالحري ألَّه الجسد الذي لبسه. والأكثر من هذا أنه “أعطى” وسلَّم - جسده المؤلَّه هذا - بنعمة خاصة ومجَّاناً إلى الجنس البشري (الأسرار) ...
وهذه هي نعمتنا وارتفاع مجدنا، لأنه بالرغم من أنه صار إنساناً، فابن الله لا يزال معبوداً؛ وقوات السموات لا تستغرب عندما تراناً جميعاً نحن المعتبرين جسداً واحداً معه، داخلين في دائرة مملكتهم.]([21])
[ونحن إنما نتألَّه (نتحد بالله) ليس باشتراكنا (السرائري) من جسد إنسان ما ولكن بتناولنا من “جسد” “الكلمة” ذاته!!]([22])
ثم يعود أثناسيوس ويؤكِّد أنه عندما نأخذ جسد المسيح هذا المعتبر أنه مؤلَّه، نتخلَّص من ضعفاتنا ونتحرَّر من قيود خطايانا، وبالتالي فنحن نشترك في صفات وأمجاد اللوغس الكلمة!! ونأخذه:
[لأنه ليس بحسب آدميتنا بعد نموت، ولكن من الآن فصاعداً كل ضعفاتنا الجسدية التي هي بحسب أصل جنسنا قد تحوَّلت إلى “اللوغس” الكلمة، فنحن نقوم من التراب واللعنة التي بسبب الخطية قد رُفعت، بسبب ذلك الذي هو فينا (أي الكلمة المتجسِّد)، والذي صار لعنة من أجلنا.
وهذا تمَّ بحكمة، لأنه كما أننا جميعاً من تراب الأرض ونموت في آدم، هكذا إذ تجدَّدنا ووُلدنا ثانية من فوق من الماء والروح في المسيح، نحيا ونقوم،لأن الجسد (الإنسان عامة) لم يعد أرضياً بعد بل صار “كلمة= لوغوس” بسبب كلمة الله الذي من أجلنا صار جسداً (إنساناً كاملاً).]([23])
وأثناسيوس هنا يقصد جسد البشرية عامة. وحينما يقول إن الجسد صار كلمة، فهذا لا يفيد أن الجسد البشري تحوَّل عن بشريته أو فقد شيئاً من إنسانيته، ولكنه فقد الموت والفساد وتحوَّل عن الشر الذي استُعبد له وصار من خاصة الكلمة ومناسباً له ومطابقاً لصفاته، “لأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي” (يو 19:17)، أو كما تقول التسبحة السنوية [أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له].
ويستمر أثناسيوس في شرحه وتعليله لقيمة اتخاذ الكلمة جسداً بشرياً كاملاً ليعمل فيه عمله الخلاصي العجيب، موضِّحاً أن كل ما “للكلمة” صار للجسد البشري الذي اتخذه لنفسه، وهذا بالتالي كله انتقل إلينا لمَّا أعطانا جسده. وبذلك ضمن الله لنا بواسطة التجسُّد وموت المسيح على الصليب الخلاص الشامل، ليس من الموت فقط، بل أيضاً من الخطية العاملة بالشهوة!
[لأنه إن لم تكن أعمال لاهوت “اللوغس” أي أعمال الكلمة بصفته إلهاً - لم تتم من خلال الجسد، فإنه كان يتعذَّر تأليه الإنسان (اتحاده بالله).
كذلك فإنه لو لم تكن خواص وصفات “الجسد” (البشري) نُسبت “للكلمة”، فإنه كان يستحيل على الإنسان أن يتخلَّص منها (أي من الصفات المتعارضة مع الحياة الأبدية كالجوع والعطش والتعب والبكاء التي سنتخلَّص منها جميعاً بالقيامة).
... ولكن الآن لأن الكلمة صار إنساناً وامتلك “كل ما” يخص الجسد (من موت ولعنة وفساد)، فإن كل هذه لا تستطيع بعد أن تمس الجسد بسبب الكلمة الذي حل فيه، ولكنها أُبيدت تماماً بواسطته، وهكذا لم يعُد الناس بعد خطاة وأمواتاً بحسب شهواتهم، ولكن لأنهم قاموا بقوة الكلمة فإنهم سيبقون إلى الأبد غير مائتين وبلا فساد.]([24])
وفي اختصار وروعة يبرز أثناسيوس حتمية بلوغنا الحرية والخلاص من كل فساد الطبيعة البشرية بالاتحاد بالله، كقضية مرتبطة ارتباطاً جذرياً وبالأساس بالتجسُّد نفسه أي باتحاد الكلمة بجسد الإنسان هكذا:
[فإذا اعترضتَ على كوني أنا قد تحرَّرت وتخلَّصت من الفساد الذي هو في طبيعتي، فانظر لأنك لا تستطيع أن تعترض على كلمة الله لأنه أخذ هيأتي كعبد! لأنه كما أن الرب لمَّا لبس الجسد صار إنساناً، هكذا نحن البشر قد تألَّهنا (اتحدنا بالله) بالكلمة لأنه أخذنا وضمنا إليه في جسده، وبذلك ورثنا من الآن فصاعداً الحياة الأبدية.]([25])
والقديس أثناسيوس ينبِّه ذهننا أن “التقديس” شيء و“التأليه” شيء آخر والأول يمهِّد للثاني.
ثم إن كل ما قيل عن المسيح في ما يخص جسده منذ ميلاده حتى صعوده وجلوسه عن يمين الآب هو في الحقيقة عملية استرداد رسمية خطَّط لها الآب ليكمِّلها الابن بالجسد لحساب الإنسان، سواء في نموه في القامة والنعمة، أو طاعته لأبيه وأمه، أو عماده وحلول الروح القدس عليه، أو غلبته للشيطان على جبل التجربة بالصوم والصلاة، أو إتيان المعجزات العديدة، أو طلبه المجد من الآب، أو قيامته من الأموات، أو صعوده إلى السموات، أو جلوسه عن يمين الآب؛ فهذه كلها غنائم الإنسان من تجسُّد الكلمة!!
[ولكي يفدي البشرية جاء الكلمة وحلَّ بيننا، ولكي يقدِّس ويؤلِّه (يوحِّد بالله) الإنسان صار الكلمة جسداً.
ومَن ذا الذي بعد ذلك لا يرى أن كل ما قاله الرب بخصوص ما تقبَّله من الله - (النعمة، المجد، الروح القدس، الذهاب إلى الآب) - لمَّا صار جسداً إنما ذكره ليس من أجل نفسه.]([26])
ويعتبر القديس أثناسيوس أن “تأليه الإنسان”، أي اتحاده بالله، عملية تتم على مستوى الفرد، وليست عملية صورية تمت لحساب المجموع البشري، فكما يتقدَّس كل إنسان بالروح القدس ليصير عضواً حيًّا قائماً بذاته في الجسد الكلي، كذلك عملية التأليه أي الاتحاد هي عملية فردية تتم بالاتحاد بالابن والآب. لذلك يضعها أثناسيوس بصورتها الواضحة في صيغة الجمع بقوله: نحن أبناءً وآلهة، ولم يقل صرنا ابناً وإلهاً. ولكن من هذا التقديس الفردي والتأليه أي الاتحاد الفردي بالله تتم الوحدة الكلية الشاملة = “ليصير الكل إلى واحد”. ويؤكِّد أن “تأليهنا” أي اتحادنا ووحدتنا مع الآب والابن بواسطة الروح القدس شيء آخر تماماً ويختلف كلية عن اتحاد الآب والابن.
[وليس كما أن الابن في الآب هكذا نصير نحن في الآب، لأن الابن لا يأخذ مجرَّد شركة في الروح القدس (كما نأخذ نحن) حتى يصير في الآب، بل ولا يُقال أصلاً إن الابن يأخذ الروح القدس، بل إنه هو الذي يعطيه، ولا يُقال إن الروح القدس يوحِّد الكلمة في الآب أصلاً بل إن الروح القدس يأخذ من الكلمة «يأخذ مما لي ويخبركم». فالابن في الآب مثل كلمته الخاصة ومثل شعاعه، أمَّا نحن فبدون الروح القدس نصير مفترقين وغرباء عن الله!! ولكن بشركتنا في الروح القدس نلتحم باللاهوت، لذلك فوجودنا في الآب ليس هو منَّا - بتاتاً - ولكنه من الروح القدس الذي فينا والذي يسكن داخلنا، الذي باعترافنا الحسن والحق نحتفظ به فينا، كما يقول يوحنا: «مَن اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله» (1يو 15:4).
... إذن، فالروح القدس الذي هو في الله - الذي لا نستطيع أن نراه نحن في أنفسنا - وكما أننا نحن “أبناء وآلهة” بسبب الكلمة([27]) الذي فينا، لذلك نحن سنصير في الابن وفي الآب، وسنُحسب أننا صرنا واحداً في الابن وفي الآب، لأن الروح القدس فينا، الذي هو في الكلمة وفي الآب.]([28])
ثم يرتفع أثناسيوس بمعنى “التأليه” كحقيقة تكميل عمل الابن في الخليقة ليس بالمفهوم اللاهوتي الجامد بل على مستوى تكميل كل شيء في الأخلاق والسلوك والحب، فهو غاية الله من خلقة الإنسان، وغاية الإنسان من عبادته لله؛ وغاية المسيح من كل أعماله أن يبلغ بالإنسان إلى “الكمال المسيحي” أو التكميل في المسيح لحساب الآب، وهكذا يرتفع بمعنى تأليه الإنسان (أي اتحاده بالله) إلى مستوى - التقدُّم في - السلوك والأخلاق ويصبُّه أخيراً في مفهوم المحبة! وهذا هو شأن أثناسيوس في كل لاهوته!! وهنا أثناسيوس يشرح بتفصيل صلاة المسيح في يوحنا 17:
[أيها الاب امنحهم روحك حتى يكونوا هم أيضاً واحداً في الروح ويكونوا كاملين (يتكمَّلون فيَّ). لأن كمالهم يعلن أن كلمتك قد نزل إليهم وحلَّ بينهم، وحينما يراهم العالم كاملين ومملوئين من الله يؤمنون أنك أرسلتني وأنني حالٌّ هنا، لأنه من أين يأتيهم الكمال إلاَّ كوني أنا هو “كلمتك” الذي لبست جسدهم وصرت إنساناً فأكملت العمل الذي أعطيتني؟
والعمل قد أُكمل لأن بني الإنسان قد أُكمل فداؤهم، ولن يبقوا في الموت بعد، بل إذ تألَّهوا صار يشدهم رباط الحب كلما تطلَّعوا إليَّ.]([29])
[فإذا كان الكلمة قد نزل من أجل تقدمنا، فهو لم يأخذ اسم ابن الله كامتياز أو مكافأة بل إنه هو نفسه قد جعلنا أبناء للآب، وألَّه (وحَّد بالله) الإنسان بأن صار هو نفسه إنساناً، لذلك فالكلمة لم يكن إنساناً ثم صار إلهاً بل على النقيض فهو كإله صار أخيراً إنساناً لكي بالحري يؤلِّهنا.]([30])
[لقد لبس جسداً مخلوقاً مكمَّلاً ... حتى فيه نصير قادرين أن نتجدَّد ونتألَّه.]([31])
وبهذا العرض السريع لمفهوم “التألُّه” عند أثناسيوس نرى أنه يقع موقع القلب من اللاهوت بل ومن مفهوم المسيحية كلها عند قديسنا الكبير، وقد صار أسلوبه المفضَّل والمؤكَّد دائماً للتعبير عن اتحاد الإنسان عامة بالمسيح.
وهو لا يقصد قط أن يعتبرنا الآن في وضعنا الحالي في مفهوم حالة “التألُّه”، ولكن واضح أنه يقصد دائماً أنها “غاية” عمل التجسُّد كلياً.
والعجيب أن أثناسيوس حينما يتكلَّم عن الفداء فإنه بغاية السرعة يرتفع إلى حقيقة “التألُّه”، أي الاتحاد بالله، كغاية هامة جدًّا ينتهي إليها الفداء، حيث يؤكِّد عليها بكل اعتناء وأهمية بكثرة وتكرار.
واتجاه “التألُّه” (الاتحاد بالله) عند أثناسيوس لا ينشأ أصلاً كأنه حاجة الإنسان الخاطئ بنوع خاص، بل كحاجة الإنسان كمخلوق بنوع عام! لأن آدم باعتباره مجرَّد مخلوق لم يكن فيه أساس أمين للنعمة لتقيم فيه بدون خطر الزوال، لأنه حاز نعمة الله كهبة من خارجه وليست من صميم طبيعته الترابية، أي أن آدم لم يكن متحداً بالنعمة لذلك فقدها، ولذلك أصبح في التجديد من أهم الأمور الأساسية أن يتحد الإنسان بالنعمة أي بالروح القدس ليصير للنعمة والقداسة أساسٌ راسخٌ فيه لا يزول.
[وبالأكثر جدًّا ينبغي أن ندرك أن السبب المتقن والصالح الذي من أجله صنع هذا (الفداء بالتجسُّد وليس بمجرد نطق إلهي) أنه إذا كان الله قد أمر أو تكلَّم فقط - وهذا كان في سلطانه - لكانت اللعنة قد رُفعت في الحال، ولكانت قدرة الله قد استُعلنت بسبب هذا الأمر (النافذ المفعول)، ولكن الإنسان كان سيظل مثل آدم قبل التعدي يحوز النعمة من الخارج ولا يحوزها متحدة بجسده.]([32])
وهكذا ينفرد أثناسيوس دون جميع الآباء في التأكيد على أن التجسُّد هو بالدرجة الأُولى حاجة ملحة كانت تحتاجها الخليقة لضمان الاتحاد بالله (التألُّه) أسبق وأعمق من مفهوم رفع الخطية، لأن رفع الخطية هو عند أثناسيوس درجة في طريق الاتحاد بالله وليست غاية بحد ذاتها.
[لأن الاتحاد المطلوب هو أن “الكلمة” (المتجسِّد) يصنع اتحاداً بين ما هو إنسان بطبيعته وبين ما هو إله بطبيعته، وهكذا يصبح خلاص الإنسان وتألُّهه (اتحاده بالله)، ثابتاً ومؤكَّداً.]([33])
[لأن طبيعة الأشياء المخلوقة لا يمكن أن تعطي ضماناً - أي لا يمكن ضمانها - لأنه حتى الملائكة تعدت وكل البشر خالف، لذلك أصبحت الحاجة إلى الله نفسه - أي كلمة الله - لكي يحرِّر الذين وقعوا تحت اللعنة.]([34])
بهذا يمكن للقارئ أن يفهم فكر أثناسيوس وكيف يركِّز بشدة على التجسُّد وما أكمله المسيح بالجسد كمدخل للاتحاد بالله كملجأ أخير لا مفر منه للحصول على الخلاص الأبدي، ليبقى الإنسان ويدوم مع الله في حياة أبدية آمنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- عن كتاب حقبة مضيئة في تاريخ الكنيسة، القديس اثناسيوس الرسولي.
([1]) Athanas., De Decr. II.
([2]) Ibid., Ad Afros., 1,2.
([3]) St. Irenaeus, Adv. Haer. IV. 38:4, V ix,2.
Origen, cels. iii.28.
St. Greg. Naz., Poem dogma X:5-9.
St. Greg. Nyss., Oratio Catech. XXV.
St. Cyr. Alex., in Joan.
Harnack, op. cit., Dog. II p. 46.
([4]) De lncar., 54. 2,3. N.P.N.F., ser. II, vol. IV, p. 65.
([5]) Discourse Against Ar., II. 67.
([6]) Athanas., De Decr., 14.
([7]) Idem., C. Ar., 1. 39.
([8]) Ibid., C. Ar., 1. 42.
([9])Ibid., C. Ar., 1. 43.
([10])Ibid., C. Ar., III. 19.
([11]) Ibid., C. Ar., III. 25.
([12]) Ibid., C. Ar., III. 34.
([13])Ibid., C. Ar., III. 53.
([14]) Discourse, II:70.
([15]) Letter to Adelph., 4.
([16]) Athan., De Synod. 51.
([17]) Athanas., Contr. Ar 59:2.
([18]) Athanas., Contra Ar., 15:3.
([19]) De Decr. 14.
([20]) St. Macarius of Egypt. Hom. 49 c.4 P.G. xxxiv, c. 816.
([21]) Discours., 1:42.
([22]) Letter to Maximus, (LXI): 2.
([23]) Discours., III:33.
([24]) Discours., III:33.
([25]) Ibid. III:34.
([26]) Ibid. III:39.
([27]) يوضِّحها القديس كيرلس أكثر بقوله: إننا أبناء وآلهة بالنعمة - في شرحه لإنجيل يوحنا في هذا الموضع.
([28]) Discourse, III 24,25.
([29]) Discourse, II 23.
([30]) Contr. Ar., I, 38-39.
([31]) Ibid., II. 47.
([32]) Discourse, II. 68.
([33]) Ibid. II. 70.
([34]) Ibid. I. 49.
4_الإتحاد بالله (التأله) في تعليم القديس اثناسيوس الرسولي ج2
يتجه القديس أثناسيوس في توضيح كيفية حصولنا على التبني بغاية الاختصار والدقة، باعتبار أن عملية التبني لا تعني إطلاقاً دخول شيء جديد على حياتنا من خارجنا وبعيداً عنا، ولكن بواسطة حصولنا على “الاتحاد” به أي بشخصه هو، باتصال عضوي كاتصال الرأس بأعضاء الجسم، وليس كمجرَّد علاقة تحكمها المشيئة أو العواطف أو ارتباط معنوي.
وأهم ما في منهج أثناسيوس من جهة علاقتنا بالمسيح أنه دائماً أبداً يؤكِّد على حقيقة الاتحاد الذي يتم بين المسيح وبيننا، وعلى الحياة الإلهية التي نحصل عليها فيه. ويوضِّح دائماً أن هذا الاتحاد وهذه الحياة هما بآن واحد برهان وثمرة مباشرة للاهوت المسيح ومساواته للآب، وأيضاً برهان لقيامته من الأموات التي أكملها في جسم بشريته لحسابنا. فحقيقة لاهوت المسيح وحقيقة اتحادنا به هما الأساس الذي بنى عليه أثناسيوس حقيقة الخلاص وكل ما يتعلَّق بالخلاص، كالتبني وقبول الحياة الأبدية مع الله ونوال صفات المسيح والشركة في مجده كميراث في الآب.
وينتهي من هذا إلى أن بنوَّة البشرية لله بواسطة المسيح صارت أمراً حتمياً بسبب ابن الله، وهو الابن الوحيد الذي صار إنساناً، أي أن التبني هو ثمرة التجسُّد الإلهي.
التبني عقيدة أساسية محبوبة للغاية عند أثناسيوس، وهي جزء أساسي في عملية التألُّه، أو حصيلة وثمرة أساسية للتألُّه أي الاتحاد بالله. فحينما نتحد بالكلمة المتجسِّد (نتألَّه)، نصير أبناء الله بالتبني. بل إن بمجرَّد اتخاذ الله الكلمة أو كلمة الله لجسدنا خاصة له ليظهر فيه كإنسان، صرنا في الحال بمقتضى قرابتنا ونسبنا له أبناءً بالتبعية.
وأثناسيوس يؤكِّد موضِّحاً أن التجسُّد الإلهي تمَّ لكي يمنح الله للإنسان حالة التبني، على أساس أنه كان يستحيل على الإنسان الحصول على التبني ليس بسبب الخطية في الأساس ولكن بسبب أن طبيعته المخلوقة غير مؤهَّلة للتبني من تلقاء ذاتها.
صحيح أنه يتحتَّم أن تُرفع الخطية أولاً - التي اقتحمت طبيعته - ويبطل فعلها القاتل للنفس، قبل أن يحصل الإنسان على التبني، ولكن إمكانية حصول الإنسان على التبني كان من المستحيل بلوغها بدون تجسُّد الكلمة. وهذه الحاجة الأساسية للتجسُّد الإلهي تُنسب - بحسب أثناسيوس - إلى حقيقة أننا مخلوقون عاجزون تماماً بحسب طبيعتنا أن نحصل على بنوَّة الله التي ترفع الخليقة من حالة العبودية والموت إلى حالة الشركة في الطبيعة الإلهية وبلوغ حرية البنين، الأمر الذي أسَّسه ابن الله في جسده أولاً لحسابنا.
لذلك لا يملُّ أثناسيوس مئات المرَّات وهو يكرِّر:
[إن ابن الله صار إنساناً لكي يصير بني البشر أبناءً لله]
[لا يوجد تبنِّي بدون “الابن الحقيقي” لأن هو نفسه يقول: «ليس أحد يعرف مَنْ الابن إلاَّ الآب، ولا مَنْ هو الآب إلاَّ الابنُ، ومَنْ أراد الابن أن يُعلن له» (لو 22:10)، وعلى ذلك فإذا كان كل الذين يُدعون أبناءً لله وآلهة (نالوا الاتحاد بالله) - بالنعمة - سواء في الأرض أو في السماء (أرواح تكمَّلت في الإيمان) قد نالوا التبني والتألُّه “في الكلمة”، ولأن الكلمة هو ابنٌ، فواضح أنه مصدر كل بنوَّة لأنه ابن قبل الكل، وأنه حقـًّا هو الابن الوحيد، وأنه إله حق من إله حق.]([1])
ولكي يوضِّح أثناسيوس أهمية بل خطورة بل حتمية الاتحاد بالله وبلوغ البنوَّة لله كأمر لا مفر منه، إذا أُريد للإنسان أن يغلب الموت والفساد ويحيا إلى الأبد، وفي نفس الوقت وبنفس القوة يوضِّح على هذا التوازي حتمية ألوهة الابن؛ يقول:
[إذا صح أن يكون الابن مخلوقاً لكان قد كُتب على الإنسان البقاء في الموت إلى الأبد كما كان تحت اللعنة - لأنه كان يستحيل عليه أن يتحد بالله. إذ من غير المعقول أن مخلوقاً يوحِّد آخرين مخلوقين بالله، لأن هذا المخلوق يحتاج هو أولاً لمن يجعله متحداً بالله، ولتعذَّر على أي فرد من الخليقة أن يوصِّل الخلاص للخليقة، لأن هذا الفرد هو بذاته يحتاج أولاً لمن يخلِّصه (من ربقة الضعف الذي في الخليقة).
من أجل هذا أرسل الله ابنه الخاص الذي أخذ لنفسه جسداً مخلوقاً صائراً ابناً للإنسان. والآن لأن كل البشر حُكم عليهم بالموت، بقي هذا الذي هو مُبرَّأ (من الحكم واللعنة)، الذي قدَّم جسده الخاص للموت عن الجميع؛ لذلك اعتُبر أن الجميع ماتوا عن طريقه لأنهم ماتوا فيه، والنطق بالحكم الذي كان ضدنا أكمله هو. لذلك فنحن فيه نجونا وتحرَّرنا من الخطية ولعنتها، فأُعطينا القيامة من الموت لنبقى إلى الأبد لابسين عدم الموت وعدم الفساد!]([2])
ولينتبه القارئ أن أثناسيوس في كلامه أعلاه يصوِّب سهمه إلى الأريوسيين ليضرب في موقعين بسهم واحد هو:
§ لكي نخلص ونحيا إلى الأبد يلزم أن يكون المخلِّص إلهاً أزلياً!
وبصورة أخرى:
§ لكي نكون أبناءً لله يلزم أن يكون الابن إلهاً!
وبصورة أوضح يقول:
§ لكي نتحد بالله يلزم أن يكون الكلمة المتجسِّد من جوهر الله.
وأثناسيوس يضع العقيدة الأرثوذكسية في معادلة ذات حدين كالآتي:
§ إن كان لنا الخلاص مطلباً حتمياً: يكون الإيمان بالمخلِّص كإله، إيماناً حتمياً.
§ إن كان تحرُّرنا من عبودية الموت والفساد هو صراخ واقعي خارج من عمق طبيعتنا: يتحتَّم أن يكون الإيمان بمن مات عنَّا صراخاً على مستوى أعلى، أنه إله مات بجسد بريء.
ونعود ونكرِّر أمام القارئ أن ينتبه إلى منهج أثناسيوس اللاهوتي في جمع حقائق الإيمان على خط واحد، أو قل في صرَّة واحدة إمَّا تأخذها كلها وإمَّا تتركها كلها، فهو يضع لاهوت المسيح في القمة، ثم الاتحاد الأقنومي الذي تمَّ بين الله الكلمة والطبيعة البشرية، مع حقيقة بشرية المسيح الكاملة كإنسان، مع خلاص الإنسان وتأليهه (اتحاد الإنسان في المسيح)؛ وكلما تكلَّم أثناسيوس عن إحدى هذه الحقائق، فلابد أن يربطها بالحقائق الأخرى سواء في جمل متراصة أو على مدى الحديث بكل حذر وانتباه، حتى يستحيل على القارئ أن يكتشف أي هذه الحقائق أكثر أهمية عند أثناسيوس.
فالإيمان عند أثناسيوس كلٌ واحد لا يتجزَّأ: التجسُّد، ولاهوت المسيح، وتأليه الإنسان، أي اتحاده بالله! وهذا الإلهام في الحقيقة لم يجاره فيه أي أب من الآباء ولا أي لاهوتي من بدء الكنيسة حتى اليوم. وقد يبدو هذا تكتيكاً موضوعاً لمصارعة الخبث الأريوسي؛ ولكن في الحقيقة الذي يدرس روح أثناسيوس يدرك أن هذا كان إيمان أثناسيوس الذي يعيشه في المسيح، وكان هو مضمون خلاصه الذي كان يبشِّر به كما يدافع عنه سواء بسواء.
[إذن،
( أ ) فكان يتحتَّم أن يكون الابن هو إله حق، وكان لا يمكن للإنسان أن يقف في حضرة الله، إلاَّ إذا كان.
(ب) الكلمة الذي اتَّخذ جسداً له هو حقـًّا “كلمة الله”. وأنه كما كان.
( ج ) يستحيل علينا أن نتخلَّص من الخطية والإثم إلاَّ إذا كان الجسد الذي اتخذه الكلمة هو حقـًّا جسداً بشرياً، لأنه لا يمكن أن يكون لنا شركة مع غريب، كذلك
( د ) فإن الإنسان لا يمكن أن يتألَّه (يتحد بالله) إلاَّ إذا كان ذلك الذي اتخذ جسداً هو بالجوهر كلمة الله حقـًّا، لأن الاتحاد المطلوب حدوثه أن الذي بطبيعته إنسان يتَّحد بذلك الذي بطبيعته إله.
( هـ ) وهكذا يتحقَّق خلاصنا وتألُّهنا (اتحادنا بالله)، ويدومان لنا بتأكيد.]([3])
وفي الحقيقة يتعذَّر علينا بل ويستحيل أن نجد مثيلاً للقديس أثناسيوس بين جميع آباء الكنيسة في إصراره وتكراره للعقيدة الواحدة عشرات بل ومئات من المرَّات بلا ملل ولا كلل، وكل مرَّة يلقي ضوءًا جديداً من زاوية جديدة ليزيد العقيدة ترابطاً وانسجاماً ويرسِّخها في ذهن الكنيسة، وكأنه يشعر نحو المستقبل بمسئولية إرساء الإيمان كله بكل دقائقه، وكأنها ضرورة قد وُضعت عليه.
وهو يبلور الإيمان في هذه الحقائق الحية:
§ إن المسيح إله حقيقي وإنسان حقيقي بآن واحد.
§ وهو واحد بالحقيقة. أي لا تصدر عنه أي ثنائية. مع أنه إله متأنِّس! وذلك ليوحِّد الإنسان بالله، كما هو واحد في ذاته.
§ وفي النهاية يفوز الإنسان بالتبني والحياة الأبدية.
ويلاحظ القارئ أن العقيدة عند أثناسيوس تبدأ بلاهوت المسيح، هذا أمر حتمي، وتنتهي عند التبني أي صيرورة الناس أبناء الله الحي وارثين لأبوَّة الله في المسيح ابن الله! ولكن إرادة الله من نحو تبنِّي الإنسان كانت منذ البدء وقبل إنشاء العالم.
وعقيدة التبني عملية عميقة جدًّا في مفهوم أثناسيوس. فهي كما قلنا سابقاً ليست أمراً يكتسبه الإنسان من الخارج، أو هبة تُمنح له؛ بل هي وجود وسكنى واتحاد دائم للروح القدس و“الكلمة”:
الروح القدس نفسه، لأنه هو نفسه الذي يتكلَّم فينا ويخبرنا بأمور المسيح ويمجَّد المسيح فينا وبنا.
وكذلك “الكلمة”، أي الابن، فسكناه واتحاده بنا هو وحده الذي يعطينا حق البنوَّة، وبه نخاطب الله القدير “يا أبانا”. وبدون شركة الاتحاد في الروح القدس و“الكلمة”، أي الرب يسوع نفسه، لا يمكن أن نُدعى أولاد الله.
فالإنسان لكي يصير ابن الله يعني أنه قَبِلَ اللاهوت «أمَّا كل الذين قبوله أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله.» (يو 12:1)
[لأن هذا هو حب الله لبني البشر أنه أراد أن يكون لهم أباً بالنعمة، هؤلاء الذين خلقهم. وهذا (التبني) إنما يحدث عندما يتقبَّل الناس وهم مجرَّد خليقة - روح الابن في قلوبهم صارخاً «يا أبا الآب» (غل 6:4).
نعم، هؤلاء عندما يقبلون “الكلمة” ينالون به القوة التي يصيرون بها أولاد الله. ولأنهم أصلاً مجرَّد خلائق، فإنهم لا يمكن أن يصيروا أبناءً إلاَّ إذا قبلوا روحه، أي روح ابن الله الذي هو من جوهره.
ولهذا إن كان الكلمة صار جسداً، فذلك لكي يجعل الإنسان قادراً أو مؤهَّلاً لقبول اللاهوت!...
ونحن لسنا أبناء الله بالطبيعة، ولكن ابن الله الذي فينا هو ابن الله بالطبيعة، وكذلك فإن الله ليس أبانا بالطبيعة ولكنه أبو “الكلمة” الذي فينا، الذي فيه وبه نصرخ: «يا أبا الآب» (رو 15:8)؛ حتى أن الآب حينما ينظر أُولئك الذين يرى فيهم ابنه يقول الآب: “لقد ولدتكم” (مز 7:2) ويدعوهم أولاده.]([4])
[لذلك كما اشترك “الكلمة” في ضعفاتنا باتخاذه جسداً بشرياً، هكذا نحن باتخاذنا (قبولنا) الكلمة نشترك في عدم موته.]([5])
كما يلاحظ أن أثناسيوس حينما يتكلَّم عن اتحاد الإنسان بالله يركز على مفهوم الاتحاد الفردي والاتحاد العام. فالمسيحيون يتحدون “بالكلمة” في شخص يسوع المسيح، على أساس أن الكلمة أخذ على نفسه كل ضعفات طبيعة بني الإنسان. وفي المقابل، منح الكلمة الطبيعة البشرية بصفة عامة أيضاً أمجاده الإلهية الخاصة.
هذا الاتحاد العام، وهذا التحرير العام للطبيعة البشرية من الضعفات، وهذا المنح العام لأمجاد وحياة الكلمة للطبيعة البشرية أيضاً، هو في الحقيقة امتداد لمفهوم الجسد السري العام للمسيح الذي يجمع المسيحيين كأعضاء الجسد الواحد، وهي العقيدة التي يركِّز عليها بولس الرسول جدًّا في كافة الرسائل. وقد استلمها الرسل والآباء الرسوليون ثم آباء الكنيسة عامة في ما قبل أثناسيوس، ولكن الجديد عند أثناسيوس أنه يتعقَّب هذه العقيدة من أصولها حتى جذورها، ويفسِّرها كعقيدة الخلاص على أساس التجسُّد، ويوضِّحها مراراً وتكراراً لتكون أساس الإيمان لمفهوم الخلاص والفداء والتبني في الكنيسة.
[ولأن الكلمة صار إنساناً وجعل ضعفات الجسد له - أي نسبها إلى نفسه - صارت بالتالي هذه الضعفات بلا قوة لإزعاج الجسد، لأن “الكلمة” متحد بالجسد ...
وحينما وُلد الجسد من مريم والدة الإله، قيل عنه أنه وُلد مع أنه هو “الكلمة” الذي خلق كل الأشياء. ففي الحقيقة هذا هو ميلادنا نحن الذي أخذه لنفسه، وبهذا لم نعد بعد مجرَّد تراب تعيَّن لنا أن نعود إلى التراب، ولكننا صرنا متحدين “باللوغس” الكلمة من السماء، الذي سوف يحضرنا إلى السماء.
وبالمثل، فإنه ليس بدون سبب قد أخذ كل الضعفات الأخرى التي للجسد، لأنه شاء أن لا نكون بعد مجرَّد بشر بل نصير منتسبين للكلمة، ونشترك في الحياة الأبدية.
أمَّا الموت الذي كان ميراثنا بسبب ميلادنا الأول فقد بطل. فميلادنا وكل ضعفات الجسد قد تحوَّلت عنا، وصارت وحُسبت على “الكلمة”؛ أمَّا نحن فقد ارتفعنا عن التراب وأُزيلت عنَّا لعنة الخطية بواسطته وهو الكائن فينا ومن أجلنا، الذي صار وحُسبَ بسببنا وعنَّا “فاعل شر”.
وكما كنا بالحق مخلوقين من تراب، وفي آدم قَبِلْنا الموت جميعاً، هكذا إذ وُلدنا الآن من الماء والروح قَبِلْنا الحياة من المسيح.
وجسدنا لم يعد بعد ترابياً، لأنه قد صار كلمة has been made Word (هنا أصل المعنى في اليوناني يفيد الفعل من كلمة “لوغس” أو “تَلَوْغنَّا”)، وذلك بسبب “الكلمة” الذي صار جسداً من أجلنا.]([6])
هنا يكشف أثناسيوس عن الربح الهائل الذي اكتسبته البشرية ككل من التجسُّد، دون أن يفقد الله بسبب التجسُّد شيئاً بالمرة، بل اكتسب وربح خليقته التي كانت في بطن الشيطان والآن صارت مجداً دائماً لاسمه. لأن المسيح لما قَبِل الضعفات التي للطبيعة البشرية - وأخطرها الموت ومسبباته ونتائجه - ألغاها في جسده باتحاد لاهوت الكلمة.
ثم إذ أعطانا التأهُّل للاتحاد به عن طريق الروح القدس والجسد المقدَّس، ألغى من صميم طبيعتنا حكم الموت ولعنة الخطية، وعوض الموت واللعنة والفساد سلَّمنا الاتحادُ بلاهوته قداسةَ الحياة الأبدية وعدم الموت وعدم الفساد معاً.
وحينما يقول أثناسيوس عن “أن جسدنا اتحد بالكلمة”، يقصد جسدنا جميعاً، وبحسب النص اليوناني يكون المعنى المقصود أن الجسد البشري أخذ صفات الكلمة، لأن الاصطلاح كما سبق وقلنا يفيد ذلك “verbified”.
وأثناسيوس يؤكِّد المعنى الواقعي من الاتحاد، وليس الفلسفي أو الرمزي أو التشبيهي، فنحن نتحد بالابن المتجسِّد اتحاداً واقعياً يُدخلنا في صميم طبيعة الكلمة المتجسِّد جسداً، ونفساً، وفكراً، وروحاً، وامتيازات لاهوتية تتناسب مع الميراث في المسيح لله، لنصير جسداً واحداً وروحاً واحداً في الروح القدس والكلمة.
[ولأن ضعفات البشر قد رُفعت عنهم وأُبطلت بل أُبيدت في المسيح الكلمة، المنزَّه عن كل ضعف، صار البشر أقوياءً وأحراراً إلى الأبد كما يقول لنا يوحنا بهذه الكلمات: «وتعلمون أن ذاك أُظهر لكي يرفع خطايانا، وليس فيه خطيةٌ» (1يو 5:3).
فإن كان هذا الكلام حقـًّا فليس لهراطيقي بعد أن يسأل: لماذا وكيف أن الجسد وهو مائت بطبعه يعود إلى الحياة، وإذا أُعيدت له الحياة فكيف لا يعاني بعد الجوع والعطش والألم والموت؟ (بعد القيامة) أليس هو تراباً؟ فكيف يتخلَّص مما هو له بالطبيعة؟ نقول إنه إذا كان هذا هو اعتراض الهراطقة، فالجواب يأتي على لسان الجسد نفسه هكذا: نعم أنا مخلوق من تراب وأنا بطبيعتي مائت ولكني صرت جسد الكلمة وقد حمل كل ضعفاتي مع أنه منزَّه عن كل ضعف وقد صرت حرًّا فلست بعد عبداً لضعفاتي، وذلك بسب الرب الذي خلَّصني ونجاني منها. فإذا كنتم تلومونني كيف صرت حرًّا من فساد طبيعتي فاحذروا لئلاَّ بذلك تعثرون في “كلمة الله”، لأنه هو الذي أخذ حالة عبوديتي على نفسه.
لأنه كما أن الرب أخذ جسداً وصار إنساناً، هكذا نحن البشر إذ قد حُسبنا ضمن جسد الكلمة، صرنا متحدين به أو إلهيين Divine وصرنا ورثة للحياة الأبدية (فيه).]([7])
وقد يتهيَّأ للقارئ أن كلام الجسد على لسان أثناسيوس أعلاه يفيد جسد المسيح، ولكن آخر جملة تلك التي علَّق بها أثناسيوس على المعنى كله، تفيد إفادة حاسمة أن أثناسيوس يقصد الجسد البشري عامة الذي يتكلَّم هكذا ويقول: “لقد صرت جسد الكلمة وأنه حمل ضعفاتي وصرت حرًّا، ولم أعد بعد عبداً لضعفاتي، وقد خلَّصني ونجَّاني من ضعفاتي”، هذا المتكلِّم هنا بحسب أثناسيوس هو جسدي وجسدك وبشريتنا جميعاً باعتبار أن جسد المسيح قد احتوى جسدنا وتبنَّاه وخلَّصه ونجَّاه، لأنه مات به وقام وحرَّره من الموت والفساد والعبودية، وورَّثه معه ميراث الابن في ما لله من “مجد” و“حب”، وأننا نحن المؤمنين صرنا في المسيح جسداً واحداً هو الرأس ونحن الأعضاء فيه. لذلك، فإنه في مواضع كثيرة، حينما يقول أثناسيوس “جسد المسيح”، فهو يقصدنا ضمناً([8]).
[لقد أخذ “الكلمة” ما هو لنا (الجسد) لنفسه، حتى إذا صرنا نحن جسداً واحداً فيه، وبعد أن نكون قد اتصلنا تماماً وارتبطنا بواسطة الجسد المتشابه، يمكن أن نبلغ إلى إنسان كامل وندوم في عدم الموت وعدم الفساد.]([9])
ويظل أثناسيوس متمسِّكاً بكل أمانة وثقة في الجمع بين بشرية المسيح مع بشريتنا على مستوى الواقع والشمول المذهل للعقل حقـًّا، لدرجة أنه يعتبرنا مقدَّسين ومتحدين في المسيح إلى الحد الذي يرى أن الوقار اللائق بالله وحده ينسحب على “الكلمة” الموجود فينا والمتحد بنا، أي يشمل بشريتنا المفدية والمخلَّصة والمتحدة بالرب في أشخاص المؤمنين القديسين، فهو يجمع بين بشرية المسيح الخاصة أي جسده الإنساني وبشريتنا المفدية والمتحدة معه. وأثناسيوس يرى في قول الكتاب بخصوص ارتفاع المسيح بواسطة الله بعد الموت وأن الملائكة صارت تسجد له، أنه إنما يقصدنا نحن أيضاً في المسيح، أي البشرية المفدية فيه!
[إن حقيقة تجسُّد الرب التي بها صار المسيح مسجوداً له وقد آمنا أنه ابن الله الذي أعلن لنا الآب، هذه الحقيقة تُظهر أن التمجيد والارتفاع ليست أموراً ممنوحة “للكلمة” في قدرته الخاصة باعتباره “الكلمة”، ولكن ممنوحة لنا!! لأنه بسبب قرابتنا لجسده قد صرنا أيضاً هيكلاً لله وصرنا أبناءً لله، حتى أن الرب يمكن أن يُكرم أيضاً (يُعبد adored) فينا. وكل مَنْ يرانا ونحن في حالة السمو الروحي بالروح القدس يصرخ بكلمات الرسول عينها: «يخر على وجهه ويسجد لله منادياً أن الله بالحقيقة فيكم» (1كو 25:14).]
وأثناسيوس يهتم للغاية بتوضيح معنى أننا صرنا واحداً في المسيح، بمعنى أنه يجمعنا كلنا في نفسه جسداً واحداً، حسبما ورد في إنجيل يوحنا الأصحاح 17، وهو يضيف على معنى الوحدة ما يؤكِّد وجودها ودوامها على المستوى الأخلاقي والأدبي، فالوحدة مع المسيح عند أثناسيوس ليست فلسفية أو صورية، بل واقعية كيانية أخلاقية - كاملة - لأنها بالروح القدس “وبالكلمة”، أي إلهية!
والأصل في ذلك كله أن جسد المسيح صار ممجَّداً ومكرَّماً جدًّا في عين الآب، بسبب لاهوته، وبسبب اتضاع الابن، وطاعته وحبه للآب والخليقة، فصرنا نحن - كل الذي آمنوا وتقدَّسوا في المسيح - حائزين لهذا التكريم عينه.
وأثناسيوس يستنطق “الكلمة المتجسِّد” كلاماً حلواً، مخاطباً الآب فيه هكذا:
[أنا كلِمتُكَ (أيها الآب) وأنتَ فيَّ، ولكني أنا فيهم بالجسد، وبك قد أُكمل خلاص البشرية فيَّ، لذلك أسأل أن يكونوا واحداً بحسب الجسد الذي فيَّ وبحسب الكمال الذي لهذا الجسد، حتى إذ يتحدون بهذا الجسد ويصيرون واحداً فيه، يصيرون أيضاً كاملين؛ حتى يكونوا جميعاً جسداً واحداً وروحاً واحداً، إنساناً كاملاً، كأنما أحملهم جميعاً في ذاتي.
لأنه من حيث أننا نشترك في المسيح الواحد، ونملك في داخلنا الرب الواحد، نصير جميعاً جسداً واحداً.]([10])
يُلاحِظ القارئ أن “الكمال” الذي يبلغه الإنسان هو نتيجة اتحاد المؤمنين بجسد المسيح، وهذا معتبر أنه إحدى خصائص اللاهوت الأساسية عند أثناسيوس.
وحينما احتدم الصراع مع الأريوسيين - من جهة عدم تساوي الابن مع الآب في الجوهر - واستشهد الأريوسيون تلفيقاً بقول يوحنا الرسول: «ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد (أي الابن والآب)» (يو 22:17)، مدَّعين أن الوحدة بين الآب والابن هي مُشَابَهة فقط، لأنها تساوي الوحدة بين المسيحيين التي هي لا تزيد عن كونها وحدة تشابه فقط([11]): بادر أثناسيوس ليرد على ذلك ويقول هذا غش وخداع، وفي إجابته تظهر جدًّا وتتضح خصائص الوحدة التي تقوم بين المؤمنين في المسيح؛ فهو يصفها:
(الفصل 10:25):
[فبالرغم من أننا خُلقنا على صورة الله، ودُعينا صورة ومجد الله، إلاَّ أنه لم يكن هذا لحسابنا قط بل قد نلنا هذه النعمة لحساب الصورة الحقيقية والمجد الحقيقي الساكن فينا الذي هو “كلمته” الذي صار جسداً من أجلنا].
(الفصل 17:25):
[ولكن هؤلاء الأريوسيين المحتالين - يحتجون - ويقولون: “إذا كنا نحن نصير واحداً مع الآب (كما يقول إنجيل يوحنا 17)، فكذلك وعلى نفس المستوى يكون المسيح (الكلمة) والآب واحداً. وكذلك يكون هو أيضاً في الآب والآب فيه، فكيف تدَّعون أنه بناء على قوله: «أنا والآب واحد» و«أنا في الآب والآب فيَّ» أنه هو من جوهر الآب؟ لأنه ينتج من قولكم هذا إمَّا أننا نحن نكون أيضاً من جوهر الآب، أو أن الابن يكون غريباً عن جوهر الآب كما أننا نحن أيضاً غرباء عن جوهر الآب”!
إنهم بذلك يثرثرون ويخرِّفون، وإني أرى في عنادهم وضلالتهم نوعاً من التزييف والخداع الذي يوقعهم فيه الشيطان، لأنه على منوال كلامهم يقول الكتاب أيضاً عن أمثالهم (الشيطان) «سنصعد إلى السماء ونصير مثل العلي» (انظر: إش 14:14).
لأن الأريوسيين يريدون أن يجعلوا ما مُنح لنا بالنعمة كأنه يساوي اللاهوت جوهر الله المعطِي (النعمة). وحينما يسمعون من الإنجيل أننا صرنا أبناءً، يعتقدون أنهم صاروا بأنفسهم مثل “الابن الحقيقي” مساوين له بالجوهر. وحينما يسمعون قول المخلِّص: «ليصيروا واحداً كما أننا نحن واحد» يخدعون أنفسهم ويتعجرفون أنهم بذلك يصيرون أيضاً مثل “الابن” في الآب والآب في الابن].
(الفصل 19:25):
[ولكن بالرغم من أنه يوجد ابن واحد بالجوهر - مع الآب - حقيقي ووحيد، إلاَّ أننا نحن أيضاً نصير أبناء الله، ولكن ليس كالابن الحقيقي الذي هو بالجوهر (في الآب). إنما نحن أبناء بالنعمة، حسب عطية ذلك الذي دعانا لهذا. فبالرغم من أننا بشر من التراب أصبحنا نُدعى آلهة … ليس كالله أو كلمته اللذين هما بالحق، وإنما بحسب مسرة الله الذي أعطانا هذه النعمة ...
ويوحنا لم يقل إنه كما الابن في الآب هكذا ينبغي أن نكون نحن، لأنه كيف يكون لنا ذلك؟ فالابن هو كلمة الله وحكمته، أمَّا نحن فمخلوقون من التراب، وهو بالطبيعة والجوهر كلمة الله، وإله حق، كما يقول يوحنا: «ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرةً لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية» (1يو 20:5). أمَّا نحن فجعلنا أبناءً فيه بالتبني والنعمة، باعتبارنا شركاء في روحه، كقول الكتاب: «وأمَّا كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً (قوة) أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه» (يو 12:1).
أمَّا هو فهو “الحق”، لأنه قال: «أنا هو الحق». وحينما خاطب الآب عنَّا قال: «قدِّسهم في حقك، كلمتك هو حَقٌّ» (يو 17:17).
أمَّا نحن فبالاقتداء نصير مجرَّد فضلاء وأبناءً.
أي أننا لن نصير - في مثل وحدته - حينما يقول: «أن يكونوا واحداً كما أننا نحن واحد»، ولكننا نأخذ منه المثال والنموذج. وإذ ننظر إليه نصير واحداً مع بعضنا البعض في اتفاق ووحدة الروح ...].
(الفصل 20:25):
[ووحدة التدبير، ولنا في وحدة الابن الجوهرية بالآب مثال ونموذج، كما علَّمنا بقوله: «تعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب»، لا أن نصير مساويين له، فهذا محال، وإنما بالنظر إليه نبقى وندوم في وداعته.
هكذا إذ يرغب المسيح أن يدوم تدبيرنا الصالح في صدق وثبات وبلا انحلال تجاه الآخرين، أراد أن نأخذ منه النموذج، لذلك قال: «ليكونوا واحداً كما نحن»، لأن وحدتهما غير منحلة ولا منقسمة أي ليتعلَّموا منا هذه الطبيعة غير المنقسمة فيدوموا هم أيضاً في وفاق مع بعضهم].
(الفصل 21:25):
[كذلك قوله: «ليكونوا واحداً فينا»، هذا معناه الصحيح لا أن تكون وحدانيتنا مثل وحدانية الابن في الآب، وإلاَّ كان قد قال: “ليكونوا واحداً فيك” مثله! ... فقوله: «ليكونوا واحداً فينا» أوضح الفارق والاختلاف كونه هو وحده في الآب كحالة فريدة، باعتباره كلمته الوحيد وحكمته الوحيدة، ولكننا نحن نكون في الابن، ثم من خلال الابن نصير في الآب.
وهذا معناه، إذا أردنا توضيح هذه الاية: «واحداً فينا»، يكون هكذا:
إن في قوة الآب والابن يصيرون هم واحداً، لأنه بدون الله يصير هذا مستحيلاً ... لذلك واضح أن في اسم الآب والابن نصير مؤهَّلين أن نكون واحداً حافظين جدًّا رباط المحبة.
والرب وهو حافظٌ نفس هذا المعنى في نفسه يستطرد قائلاً: «والمجد الذي أعطيتني قد أعطيتهم ليكونوا واحداً كما أننا واحد»].
(هنا أثناسيوس يريد أن يقول إن الوحدانية التي صرنا وسنصير إليها هي “عطية مجد” من الابن، وهي أصلاً من الآب لنا عن طريق الابن المتجسِّد، فالوحدة عطية فائقة وقوة ورفعة إلهية فائقة = “المجد” في الابن).
[والآن نلاحظ أن بقوله “كما” في الآية: «يكونوا واحداً كما أننا نحن واحد»، لا يعني التطابق بل التشابه، كنموذج وكمثل مقدَّم لهم].
(الفصل 22:25):
[«أنا فيهم وأنتَ فيَّ حتى يُكمَّلوا إلى واحد»، هنا يسأل الرب لنا شيئاً عظيماً وأكثر تكميلاً وكمالاً لنا (أي الوحدة)، لأنه واضح أن الكلمة قد أتى ليكون فينا، لأنه لبس جسدنا.
«وأنت أيها الآب فيَّ» لأني كلمتك ولأنك أنتَ فيَّ، لأني كلمتك وأنا فيهم بسبب الجسد، قد صار لهم بواسطتك كمال الخلاص فيَّ، لذلك أنا أسأل لكي يكونوا هم أيضاً واحداً بحسب الجسد الذي فيَّ وبمقتضى كماله، حتى يكونوا هم أيضاً كاملين إذ يصيرون في وحدانية (متحدين) معه (مع الجسد)، وإذ يصيرون واحداً فيه، وكأنما الجميع قد صاروا محمولين فيَّ؛ يصبحون جميعاً جسداً واحداً وروحاً واحداً، وينمون معاً حتى إلى إنسان كامل (أف 13:4).
لأننا إذ نشترك جميعاً في المسيح الواحد نصير جسداً واحداً حائزين على الرب الواحد في داخل ذواتنا].
(الفصل 23:25):
[ونصير واحداً مثل الآب والابن وذلك بالفكر الواحد، واتفاق الروح (سيمفونيا) “وعندما يصيرون كاملين حينئذ يعلم العالم أنك أرسلتني”، لأنه إذا لم أكن قد جئت ولبست جسدهم هذا، ما كان أحد منهم قد كمل، بل لصار جميعهم في الفساد. فاعمل فيهم أنت أيها الآب. وكما أعطيتني أن أحمل ذلك (الجسد)، امنحهم روحك حتى يصيروا فيه واحداً ويصيروا كاملين فيَّ ... وكمالهم يتم بالفداء من الخطية ولا يعودون تحت الموت، بل إذ يتألَّهون (يتحدون بالله) ناظرين إليَّ، يحفظون رباط الحب مع بعضهم البعض!].
(الفصل 24:25):
[وبالاشتراك في الروح نلتحم باللاهوت، لذلك فوجودنا في الآب ليس هو منا، بل من الروح الذي فينا الساكن فينا].
(الفصل 25:25):
[لأنه من حيث أن “الكلمة في الآب” وأن الروح قد أُعطي بواسطة الكلمة، فقد أراد الله أن نقبل الروح؛ حتى إذا قبلناه نكون قد قبلنا “روح الكلمة”، الذي هو في الآب، فنصير نحن واحداً في الكلمة بسبب الروح ومن خلال الكلمة نصبح في الآب.]([12])
والقديس أثناسيوس بهذا العرض المتشعِّب النواحي لمفهوم الوحدة القائمة بين المؤمنين على أساس الشركة في الروح القدس و“الكلمة” والاتحاد بجسد المسيح، يكون قد وضع أساس إيمان الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة في هذه العقيدة الأساسية عقيدة الاتحاد بالله والوحدة في جسد المسيح.
والمعروف أن كلاًّ من القديس هيلاريون والقديس كيرلس الكبير قد بنى على هذا الأساس عينه، حتى بلغت عقيدة اتحادنا في الجسد الواحد الذي يضم المؤمنين جميعاً أقصى كمالها ونضوجها اللاهوتي عند كيرلس الكبير([13]).
وهكذا ينبغي أن يُعزَى الفضل لأثناسيوس الكبير، الذي استطاع أن ينتزع من الأريوسيين جميع أسلحتهم التي صوَّبوها ضد لاهوت المسيح المساوي للآب، وأن يستخدمها هي بذاتها في وضعها الأصيل الإلهي ليبني بها لاهوت الكنيسة الإيجابي الذي لا ينازَع ولا يُناظَر في ما يختص باتحادنا الوثيق بالمخلِّص.
وأثناسيوس في كافة المواضع لا يغيب عن رؤياه “اتحاد المخلِّص بخاصته”، هذه هي الرؤيا العظمى التي لم يهدأ يوماً واحداً على مدى خمسين عاماً من أن يوضِّحها بكافة الطرق، سواء اتحاد الكلمة بجسده الخاص أو اتحاده هو بنا جميعاً. فأثناسيوس يجمع بين الاثنين معتبراً أن هذا هو الذي جمعه الله ولا يستطيع أحد أن يفرِّقه([14]).
[كل ما كُتب عن المخلِّص بحسب بشريته، يلزم أن ننسبه لجنس البشرية عامة، لأنه أخذ جسدنا وحمل ضعفاتنا.]([15])
وأثناسيوس في دفاعه ضد الأريوسيين في حديثه الأول يستمر إلى عشرة فصول، منحصراً في موضوع واحد لا يحيد عنه في ما يختص بجسد المسيح العام الذي يجمع كل المؤمنين (الجسد السري)، موضِّحاً ذلك من قول بولس الرسول: «وضع نفسه وأطاع حتى الموت ... لذلك رفَّعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم.» (في 2: 8و9)
فهذا الارتفاع أو الإعلاء الذي ناله المسيح كان موضوع تهليل الأريوسيين، باعتبار أن “الكلمة” كان في حاجة إلى تمجيد أكثر، إذن فهو لم يكن أعلى من كل شيء من البدء!!
ويزمجر أثناسيوس ضد هذا الادعاء، ويكشف غش منطق الأريوسيين. لأن هذا الارتفاع أو الإعلاء إنما يخص بشرية المخلِّص فقط، وذلك من أجلنا نحن!!
[إن الكلمة الأزلي، صورة الآب، أخذ شكل العبد. وكإنسان، عانى الموت بجسده من أجلنا، لكي يتسنَّى له أن يقدِّم ذاته إلى الآب عنَّا بالموت، لذلك أيضاً، كإنسان وبسببنا ومن أجلنا، قيل عنه أيضاً أن الله “رفَّعه”.
لأنه كما بموته مُتنا جميعاً في المسيح، هكذا سنرتفع في المسيح نفسه عندما نرتفع إلى السماء بعد قيامتنا من الأموات «حيث دخل المسيح كسابق لأجلنا» (عب 20:6)، وهو لم يدخل شيئاً (السماء) كأنه رمز أو صورة للحقيقة، ولكن دخل السماء نفسها «لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية بل إلى السماء عينها ليظهر أمام وجه الله لأجلنا» (عب 24:9).
ولكن إذا كان المسيح الذي هو دائماً رب وخالق السموات قد دخل الآن السموات من أجلنا، يلزم إذن أن يكون من أجلنا ما قد كتب: أنه ارتفع (رفَّعه الله).
وكذلك مكتوب أنه، وهو الذي يقدِّس جميع الناس، يقدِّس نفسه من أجلنا أمام الآب، هذا بكل تأكيد لا يعني أن الكلمة نفسه يلزمه أن يصير أكثر قداسة بل أنه يقدِّسنا نحن جميعاً في نفسه. وهكذا يلزمنا أن نأخذ نفس هذه الآية بنفس المعنى “قد رفَّعه الله”، لا كأنه يرفعه إلى ما هو أكثر كمالاً فهو الأعلى، ولكن لكي يصير هو برّنا فنرتفع فيه فندخل أبواب السماء التي أعاد فتحها لنا.]([16])
وفي الختام نقدِّم للقارئ شهادة حسنة من أحد لاهوتيي الألمان القدامى، وأكثر من تخصص وتحمَّس للاهوت أثناسيوس الكبير، وهو العالِم موللر:
[لقد ضرب أثناسيوس جذوره عميقاً عميقاً جدًّا في تربة الكنيسة. وقد كان أثناسيوس لا يعرف نفسه إلاَّ فيها، فكان ماضيها حاضراً دائماً أمامه، وأخذ على عاتقه أن لا يقدِّم المسيح يسوع إلاَّ متحداً بكنيسته من الداخل، وفي كلمة واحدة كان المسيح هو نفسه الكنيسة!]([17])
لقد ركَّز أثناسيوس كثيراً على “جسد المسيح”، الجسد الذي أخذه الكلمة لخاصته، من العذراء مريم دائمة البتولية والمؤمنين الذين اتحد بهم بروحه، فضمَّهم إلى جسده ونفسه، وحملهم في أحشائه، وفداهم، وتبنَّاهم، وغيَّرهم، فجدَّد خلقتهم، وقدَّسهم، ورفَّعهم، وألَّهَهم (ووحَّدهم بذاته) بنعمته.
وكان كلما تكلَّم أثناسيوس عن “جسد” الكلمة ينطلق سريعاً ليكشف فيه سر “الجسد” الفائق الذي يجمع المؤمنين:
[وعندما افتقد “الكلمة” العذراء القديسة مريم أتى الروح القدس إليها معه وصاغ الكلمة “الجسد” بالروح القدس وشكَّله لذاته، إذ أراد أن تتحد البشرية بالله ويُحضرها إليه بنفسه، وبه يصالح الكل عاملاً الصلح ...]([18])
وكان لاهوت المسيح هو المفتاح الكبير الهائل، الذي يفتح كل أسرار الخلاص والفداء والحياة الأبدية للكنيسة كلها، فلاهوت المسيح هو الذي يرفعنا من التراب ويقدِّسنا لنفسه ويوحِّدنا بجسده (يؤلِّهنا)، وهو الذي جعل التجسُّد انتصاراً على الموت والهاوية والخطية والفساد، وبه صار التجسُّد القوة الضاربة ضد الشيطان، وصار هو قوة التبني التي بها صرنا نحن الآن أبناءً لله الحي، وصار هو الحياة الأبدية للكنيسة، لأن فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس!!
ولم يكن أثناسيوس في كل هذه الحقائق الإيمانية كمستحدِث، بل كوارث - بالتقليد - جوهرة العقيدة والإيمان الحي من الرسل والآباء، ولكنه صقلها بالنعمة والإلهام تحت ضيق الاضطهاد وعناد الأريوسيين وكفرهم، وجعلها تاجاً على رأس الكنيسة تشعُّ على كل الأجيال لاهوتاً حيًّا يُفرِّح قلب المؤمنين!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- عن كتاب: حقبة مضيئة في تاريخ الكنيسة، القديس اثناسيوس الرسولي.
([1]) Contra Arian, 1, 39, P.G. vol. 26, 93, cited by Merch.
([2]) Contra Arian, II, 69, 70, P.G. vol. 26, 293-6; cited by Merch.
([3]) Ibid., P.G., vol. 26, p. 296.
([4]) Contra Arian., II, 59, P.G. vol. 26, 273, cited by Merch.
([5])Contra Arian., III, 57, P.G. vol. 26, 444, cited by Merch.
([6]) Contra Arian, III, 33, P.G. vol. 26, 393, cited by Merch.
([7]) Contra Arian, III, 34, P.G. vol. 26, 379.
([8]) See: The Whole Christ, by Merch, p. 275.
([9]) Contra. Ar. II, 74.
([10]) Contra Arian, III, 22, P.G. vol. 26, 368, 369 cited by Merch.
([11]) Contra Arian, III, 22, P.G. vol. 26, 368.
([12]) Contra Arian, Discourse III, ch. 25:10, 19-25.
([13]) See: The Whole Christ, by Merch, p. 277.
([14]) Ibid. p. 278.
([15]) Apologia pro fuga, 13; P.G. 25, 661, cited by Nerch.
([16]) Contra Arian, 1, 21, P.G. vol 26, 96, 97, cited by Merch.
([17]) Mohler, Athanas. der Grosse und die Kirche. Mainz 1827. p. 122.
5_عقيدة "تألُّه الإنسان بالنعمة" عند آباء ما قبل نيقية (1)
سِر الثيوسيس
عند القديسين إغناطيوس و إيرناؤس
سر الثيوسيس ، أو عقيدة تألُّه الإنسان بالنعمة ، الشركة فى الطبيعة الإلهية ، الإتحاد بالله و التشبُّه به ، الخلود و عدم الفساد... كلها مسميات لمعنى واحد...و بعيداً عن المعانى السلبية السيئة التى ـ عادةً ـ ما تجول فى العقلية القبطية المُعاصرة عن هذه التعبيرات ، فقد تتبعنا تعليم آباء الكنيسة الجامعة ماقبل مجمع نيقية عن هذا السر الفائق العقل، للبرهنة على أرثوذكسية هذه العقيدة من أقوال آباء الكنيسة أولاً ، و لإزالة هذه المعانى السيئة نظراً لما تتميز به كتابات ماقبل نيقية بالبساطة و العمق و عدم التعقيد ثانياً ، و التشبُّع بهذا السر العظيم ثالثاً.مثل هذه المعانى التى أوردها قداسة البابا المُعظَّم الأنبا شنودة الثالث ، بابا الإسكندرية ، فى كتابه " بدع حديثة ، عندما وصف هذا السر بالكلمات التالية [ تأليه الإنسان معناه أن يتصف بالصفات الإلهية .. لذلك محال أن أحد الآباء نادى بهذا التأله ][1] ، و نحن نتفق تماماً مع سيدنا أن الآباء لم ينادوا بأن الإنسان يصير غير محدود ، مالىء السموات و الأرض ، و أن يكون فاحصاً للقلوب و الكلى .. إلى آخر هذه المعانى التى تتعب الإذن من مجرد سماعها ، بل على العكس تماماً ـ و على النحو الذى سيتضح من نصوص الآباء ـ أن التأله هذا هو نعمة من الله تقود الإنسان إلى التواضع و التشبُّه بالإله المتجسد نفسه ، الذى لم يستنكف أن يخلى نفسه من أجل خلاصنا !!!
و لذلك ، نحن هنا لا نرد على أحد أو نهاجم أحد أو نتحيَّز لأحد ، بل كما قال العظيم غريغوريوس النيصى : [ الحق يجتاز فى الوسط ، ليبيد كل هرطقة و لكن ليقبل ما هو نافع فيها].!!!
نظرة عن التأّّله و النعمة و الخلاص عند آباء الكنيسة :
بدايةً .. يجب أن نضع فى إعتبارنا أن هناك تيّاران في لاهوت النعمة عند الآباء ، فالآباء الشرقيّون يرون النعمة في تأليه الإنسان، بينما يرى الآباء الغربيّون النعمة في التحرّر من الخطيئة، فالتيّار الأوّل يستند إلى كتابات يوحنا الإنجيلي، ويشدّد على تجسّد الكلمة الذي بواسطته يصبح الإنسان ابن الله، بينما يرتكز التيّار الثاني على رسائل بولس الرسول، ويرى في النعمة مساعدة يعطيها الله للإنسان ليحيا حياة قداسة على مثال المسيح. فالتيار الأول يركّز على كيان الإنسان، بينما يركّز التيّار الثاني على عمله. فالنعمة عند آباء الكنيسة الشرقيّة تهدف إلى رفع كيان الإنسان ليصير على صورة الله. أمّا عند آباء الكنيسة الغربيّة فتهدف إلى تحرير الإنسان من الخطيئة.
يرى آباء الكنيسة في تألّه الإنسان النعمة الكبرى التي يمنحها الله "للإنسان. فبينما كان الفلاسفة اليونان ينشرون نظريّة أفلاطون في التشبّه بالله، والأديان اليونانية تسعى إلى الوصول إلى خلود الآلهة بواسطة طقوس سحريّة أو طرق تقشّف بشريّة، راح اللاهوتيّون المسيحيّون يعلنون أن الاشتراك في الطبيعة الإلهية والتشبه بخلود الله والتأله لا يستطيع الإنسان أن يصل إليها بجهوده الخاصّة، بل هي نعمة من الله. فالله نفسه نزل إلى البشر وتجسّد ليرفع الإنسان إليه ويشركه في حياته الإلهية. وقد صار أمراً تقليديًّا في اللاهوت الشرقيّ تقسيم تاريخ الخلاص إلى ثلاث مراحل:
+ خلق الله للإنسان على صورته ومثاله
+ سقوط الإنسان بالخطيئة الأصليّة
+ إعادة الصورة القديمة بالتجسّد والفداء
ويقوم التألّه، أو اشتراك الإنسان في الطبيعة الإلهية الذي ورد ذكره فى رسالة بطرس الثانية "لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ" (1: 4)، على الخلود وعدم الفساد والحياة الأبديّة بعد الموت. فالإنسان مائت من طبيعته، أمّا الله فمن طبيعته لا يموت. ومن ثمّ فالاشتراك في طبيعة الله يعني أولاً عدم الموت.
وعندما يفسّر آباء الكنيسة قول الكتاب المقدّس إنّ الله خلق الإنسان "على صورته ومثاله" يميّز بعضهم بين الصورة والمثال. فالصورة هي في طبيعة الإنسان، إمّا في جسده، ونفسه حسب إيريناوس، إمّا في نفسه فقط حسب أكّليمندوس الإسكندريّ وأوريجانوس. وهذه الصورة لا تُفقد بالخطيئة. أمّا المثال فقد فقده الإنسان بالخطيئة، وأعاده إلينا الكلمة المتجسّد. فمن يقبل خلاص المسيح وفداءه يشترك في الطبيعة الإلهية، أي في عدم الفساد وفي الحياة الأبديّة.
أمّا أثناسيوس وغريغوريوس النيصيّ فيريان في "الصورة" ختماً إلهيًّا يضعه الله في روح الإنسان وعقله. وهذا الختم يصبح قاتماً بالخطيئة، ويعيده الفداء إلى بهائه الأوّل. أمّا "المثال" فهو الاقتداء والتشبّه بالله. فالإنسان يصير تدريجياً على مثال الله يتألّه باشتراكه في حياة المسيح الإله، وذلك بواسطة الإيمان وسري المعموديّة والافخاريستيا.
فالثيوسيس هو عمل الله المثلث الأقانيم القوى و المُقدس فى حياة الإنسان
لقد دُعي الإنسان حقاً ليعيش في الله، ليشاركه في مجده، ليتحد به ليصير بالنعمة ما هو عليه الله بالطبيعة. إنها وحدة مع الله بواسطة القوى الإلهية بلا اختلاط أو ذوبان. إتخذ الرب يسوع المسيح طبيعتنا ليشركنا بالحياة الإلهية ويجعلنا "شركاء في الطبيعة الإلهية" (2بطرس 1: 4)، أي في القوى الإلهية وليس في الجوهر الإلهي.
ليس "التأله" هبة مجانية للروح القدس وحسب بل يتطلب أيضاً مشاركة الإنسان. إذا هو بالضرورة صيرورة ديناميكية تتضمن درجات من الشركة مع الله و حياة تقوم على الخبرة الشخصية و هذه الصيرورة أن تبدأ منذ الآن بمحبة لله وحفظ وصاياه و بحياته في الكنيسة وبمشاركته في أسرارها ... و هو يعنى يعني صيرورة الإنسان ابن الله بالتبني، بنعمة الروح القدس، ابن بالنعمة بينما يسوع هو ابن الله بالجوهر، بالطبيعة
و نحن عندما ندرس هذا السر العظيم "الثيوسيس" عند آباء ما قبل نيقية ، فنحن ندرس الصورة الإنجيلية البسيطة الأولى التى قدمها آباء الكنيسة عن هذه العقيدة ، بدون الدخول فى التعقيدات العقائدية و اللاهوتية ، التى أثرت شرح هذا المصطلح جداً عند آباء ما بعد نيقية من أمثال أثناسيوس و غريغوريوس الثيولوغوس ، و أيضاً لنكشف هذا الثراء الكنسى فى شرح هذه العقيدة ، و التنوع الذى يقدمه هؤلاء الآباء من حيث مواقعهم فى الكنيسة ( أساقفة و رعاة / معلمون و مدافعون) أو منطلقاتهم و خلفياتهم الفكرية إذا كانت تقليدية أو فلسفية ، أو حتى اختلافهم من حيث ظرف المكان و الجغرافيا.
القديس إغناطيوس الأنطاكى( 107 م)
الإتحاد بالله ، نجده أول ما نجده عند هذا الأب القديس الذى قدم جسده ليُطحن بأسنان الوحوش ليكون خبراً طاهراً لله ،فهو يمثل البساطة و التقوى المسيحية و وحدة الأسقفية و الكنيسة و الشعب و الإستعداد للشهادة ، و هو من الآباء الرسوليين ، فهو تلميذ يوحنا اللاهوتى ، و يقول عن أبنائه فى الإيمان و هو فى طريقه إلى الاستشهاد:
[ إنى أصلى حتى يكون بينهم إتحاد قائم على أساس جسد و روح يسوع المسيح ، الذى هو حياتنا الأبدية ، إتحاد بالإيمان و الحب لا يفوقه و لا يعترضه أى شىء آخر ، إتحاد خاص بيسوع و الآب ]
الرسالة إلى ماغنيسيا.
كان هذا العظيم منشغلاً دائماً بالحضور السرى للمخلص وسط شعبه ، إما فى سر الإفخارستسا أو فى حياة المؤمنين اليومية ..
[ فلنمارس كل أعملنا بفكر أن الله يحيا فينا حينئذ سنكون هياكله و هو سيكون إلهنا الساكن فينا ]
الرسالة إلى أفسس 15
فالقديس إغناطيوس الأنطاكى قدم الخلاص على أنه مشاركة فى الحياة الإلهية و النور و الحب الإلهيين ، ، و لقد كتب عده تعبيرات تعبر عن هذا المعنى ، فهو لا يتردد أن يُقلب المسيحيين بحاملى الروح : بنفمافورى ، ثيوفورى : حاملى الله ، و خريستوفورى : حاملى المسيح ، و هاجيوفورى :حاملى القداسة ، بل كان يُلقِّب نفسه " بالثيوفوروس : حامل الإله" ، و هذا التعبير لا يدل على الإفتخار أكثر ما هو يدل احساسه الدائم باتحاد الله به و وجوده دائماً فى حياته ، و تلك المحبة و الوحدة السرية بين الله و الإنسان ، كانت القاعدة التى انطلق منها فى تعليمه عن وحدة الكنيسة و الأسقف و الشعب ، صحيح أن القديس إغناطيوس لم يذكر كلمة "ثيوسيس" لكن مضمونها واضحاً جداً فى لغته الرمزية
القديس إيرينيؤس أسقف ليون (140 ـ 202 م )
هنا يظهر الأسلوب " المنهجى " فى عرض هذه العقيدة الراسخة فى الفكر المسيحى منذ أيام آبائنا الرسل ، فإيريناؤس ـ الذى يمثل أصالة التعليم التقليدى الرسولى و النظرة الخلاصية لهذا التعليم ـ أول كاتب يعطينا ترابطاً مدعماً للثيوسيس ، لأن فى أيام إيريناؤس استجد ظرف تاريخى جعله يعرض هذا السر بأسلوب منهجى منظم كغاية التدبير الإلهى و المطاف الأخير الذى تنتهى إليه عملية الخلاص.
+ المُنطلق التقليدى عند القديس إيريناؤس :
و فى مواجهة هذه الضلالات ، رفع المدافعون عن الإيمان صوتهم مدافعين عن علم اللاهوت المسيحى التقليدى الذى يُعلم بأن الخلاص ممكن اقتناؤه للكل و ليس للصفوة المختارين ، كما أنهم علموا بأن عدم الفساد الذى سيستعلن فى الزمان الأخير فى كل الجنس البشرى مغروس ، ليس فى طبيعة الإنسان بل هو من نعمة الله و الإنسان يشترك بالنعمة فى الخلود الإلهى ، إذ أن الله خالد بطبيعته أما الإنسان فخالد بالنعمة ، و كان من بين هؤلاء المدافعين عن العقيدة الرسولية التقليدية القديس ايريناؤس .
هنا وقف إيريناؤس أمام الغنوسية و أعلن بوضوح "علانية" التعليم المسيحى الرسولى فى الكنيسة المقدسة من جهة ، و "مضمون" التعليم الكنسى من جهة أخرى و صورته العملية المرتبطة بخلاص النفس ، أو تدبير الخلاص فى المسيح ، فى عقيدة " تجميع كل شىء فى المسيح كرأس جديد للبشرية " و ذلك أن أفعال المسيح الخلاصية التى أتاها من أجل خلاصنا إنما نبلغ إليها من خلال هذه الحقيقة الإلهية ... " الإنجماع فى المسيح" !
+ الإنجماع الكلى فى المسيح :
محور التعليم عند القديس إيرينيؤس هو " الإنجماع الكلى فى المسيح "
Anakephalaiwsis
و قد استلهم هذا التعلميم من رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس حيث يوضح أن غاية الله النهائية من الخليقة كلها التى سيحققها فى ملىء اللأزمنة هى " أن يجمع كل شىء فى المسيح" ( أف 1 :7 ) ،فيقول القديس إيرينيؤس :
[ فى ملىء الزمان صار الكلمة إنساناً منظوراً و ملموساً لكى يجمع كل شىء فى نفسه و يحتوى كل شىء و يبيد الموت و يُظهر الحياة و يعيد الوحدة بين الله و الإنسان ][2]
و يقصد القديس إيرينيؤس من " الإنجماع الكلى" هو إنجماع الكل فى المسيح الذى يحقق فى نفسه ملىء الوجود الكلى للخالق و الخليقة معاً :
[ فإن المسيح كما قلنا قد وحَّد الإنسان مع الله .. فقد كان لائقاً أن الوسيط بين الله و الناس بحق قرابته الخاصة مع كل منهما يعيد الألفة و التوافق بينهما و يُقدم الإنسان إلى الله ، و يُظهر الله للإنسان .. فإنه من اجل ذلك قد جاء مجتازاً فى جميع الأعمار لكى يعيد للجميع الشركة مع الله ][3]
تحدث القديس إيرينيؤس عن الوسيط الذى هو المسيح فعن طريق ارتباطه بالله يستطيع أن يمثل الإنسان وعن طريق إرتباطه بالإنسان يستطيع أن يمثل الله ، و بهذا يستطيع أيضاً أن يجرى عمل المصالحة ، و أن يرجع السلام و الصداقة بين الإثنين فهو الذى يستطيع أن يقود الإنسان إلى الله ثم يعرف الإنسان بالله .
و هنا نرى المسيح المتجسد يقوم بعملية الفداء و المصالحة ، فالإله المتجسد هو الذى يجذب البشرية إلى الآب لكى تعرفه ، و فى نفس الوقت فإبن الله الذى هو فى حضن الآب هو الذى يُعلن الله للبشرية :
[ فيه نزل الله إلى الإنسان و هو أيضاً رفع الإنسان إلى الله ]
ضد الهرطقات 3 : 2 ، 6
لقد ظهر الكلمة على الأرض كإنسان ، و بهذا أعلن المسيح عن الله لنا فى كل مراحل الحياة الإنسانية حتى يقدس كل شىء خاص بالإنسان .
[ الابن نفسه المولود من مريم ، التى ظلت عذراء ، احتوى فى ميلاده آدم فى نفسه ]
برهان الكرازة 3 : 21 : 10
[ حينما صار الكلمة إنساناً بجعله نفسه يشابه الإنسان ، فقد جعل الإنسان يُشابهه ، و بصيرورة الإنسان على شبه الابن ، صار عزيزاً فى عينى الآب ]
برهان الكرازة الرسولية 5 : 16 : 2،3
فالإنجيل يدعونا ليس فقط ان نتمثل بالله بإرادتنا ، بل و أيضاً الإيمان بان إتباع الله على قدر طاقة الإنسان سيؤدى به أن ينال الشبه بالله كنعمة ، هذا يعنى أن التمثل بالمسيح سوف يؤدى فى النهاية إلى نوال عدم الفساد و الخلاص ، و هو فى هذا يشابه تعليم اكليمندس الإسكندرى.
يقول القديس إيريناؤس عن كلمات المزمور الثانى و الثمانين _ فى الترقيم العبرى :
[ عن الآب و الابن ، و عن الذين نالوا التبنى ،و هؤلاء هم الكنيسة لأن الكنيسة هى مجمع الله ، التى جمعها الله أى الله الابن نفسه ، و عن ذلك أيضاً يقول : "إِلهُ الآلِهَةِ الرَّبُّ تَكَلَّمَ، وَدَعَا الأَرْضَ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا"( مز 50 : 1 )، و من هو الغله الذى أشار إليه؟ هو ذلك الذى قيل عنه " ياتى الله علانية ، إلهنا لن يصمت"( مز 50 :3 )، و قد جاء ابن الله و أعلن ذاته للبشر ]
+ الثيوسيس فى خطة خلاصنا :
ففى مقدمة الكتاب الخامس من ضد الهرطقات نجده يقول
[ أن الكلمة صار إلى ما نحن عليه ، لكى نصير نحن إلى ما هو عليه ]
[ كلمة الله ، ابن الله ، يسوع المسيح ربنا ، الذى ظهر للأنبياء فى الشكل الذى ذكر فى الأقوال ( الأناجيل ) ، و بحسب تدبير الآب الذى فى ملىء الزمان و لكى يجمع من جديد فى نفسه كل شىء صار إنساناً وسط الناس ، مرئياً و ملموساً ، لكى يبيد الموت و يُظهر الحياة و يصنع شركة بين الله و الإنسان ]
برهان الكرازة 6
إذا كان ايريناؤس يقدم الخلاص باعتباره هو مغفرة الخطايا و العتق من الموت و الفساد ، فعمل الله الخلاصى لا يتوقف عند هذا الحد ، لأن غاية التجسد هى الشركة فى الطبيعة الإلهية أو الثيوسيس ، التأليه
[ لقد صار ابن الله إنساناً ، لكى يصير الإنسان ابن الله ]
برهان الكرازة الرسولية 3 : 10 :2
[ إن الله فى محبته غير المحدودة صار على ما نحن عليه ، لكى يجعلنا نحن على ما هو عليه ]
برهان الكرازة الرسولية 1: 23 : 5
[ مجد الله أن يحيا الإنسان ، و حياة الإنسان أن يرى الله ]
برهان الكرازة الرسولية 4 : 20 :7
[ إتباع المخلص هو اشتراك فى الخلاص ، و إتباع النور هو اشتراك فى النور ]
برهان الكرازة الرسولية 4 : 14 : 1
[ المسيح وحَّد الإنسان بالله ، لأنه كان لابد أن يكون الوسيط بين الله و الناس حاملاص طبيعة كل من الإثنين ، حتى يعيد الألفة و الوفاق بينهما ، لكى يقدم الإنسان إلى الله و يُعلن الله للإنسان ، إذ كيف يمكن أن نشترك فى التبنى أى نصير أبناء ، إن لم يكن الابن قد أعطاما شركة مع الآب ، و إن لم يكن قد إتحد نفسه بنا إذ صار جسداً؟ ، فهو لهذا السبب قد أتى فى كل الأجيال ليعيد الكل إلى الشركة مع الله ]
برهان الكرازة الرسولية 3 : 18 : 7
و القديس ايريناؤس يكرر مراراً أن التعاليم الكاذبة التى يدعو إليها الهراطقة عن سر التجسد و عن تجميع الكل فى المسيح إنما هى فى حقيقتها تحمل إنكاراً لرفعتنا إلى الحياة الإلهية :
[ إنهم يسلبون الإنسان صعوده إلى الله ]
برهان الكرازة الرسولية 3 :19 : 1
[ لقد شاء الله أن يولد ليكون معنا ، أن ينزل إلى ماوضع الأرض السفلية ، لكى يجد الخروف الضال الذى هو خليقته الخاصة ، لقد شاء أن يصعد إلى السماء ـ لكى يقدم لأبيه هذا الإنسان الذى وجده و ليقدم فى نفسه بامورة قيامة المسيح .. هو بإعتباره الرأس قد قام من بين الأماوت و هكذا بقية الجسد ـ أى كل إنسان ـ سوف يقوم ثانية حينما تستوفى عقوبة العصيان ، هذا الجسد سوف يتحد ثانية بمفاصل و رُبُط ، سوف يتشدد بنمو إلهى و كل عضو سيحتل مكانه المُعيَّن فى الجسد " فى بيت أبى منازل كثيرة " ذلك لان فى الجسد أعضاء كثيرة ]
برهان الكرازة الرسولية 3 :19 :1،3
[ لأنه هو الذى يقود الإنسان إلى الشركة و الاتحاد بالله ][4]
برهان الكرازة الرسولية 4 :13 :1
[ كان يستحيل علينا أن نعرف أمور الله لولا أن المُعلم و السيد الذى هو كلمة الله ، صار إنساناً ، إذ أن أى كائن مهما كان ، لا يقدر أن يُعلن لنا امور الله إلا كلمته الخصوصى ، لأنه أى شخص يقدر أن يعرف فكر الله ؟ أو من صار له مشيراً" ( رو 11 : 34) ]
+ بالإفخارستيا يحصل الإنسان على هذه النـعمة ..و هى تُعطى للخلود:
[ إن كانت الكأس الممزوجة و الخبزة المصنوعة بعد أن يتقبلا كلمة الله يصيران إفخارستيا ، أعنى دم و جسد المسيح ، و بها يتقوى و يتشدد قوام جسدنا ، فكيف يمكن للخارجين عن أصول الإيمان أن يدعوا أن جسدنا غير مؤهل لنعمة الخلود ، فى الحياة الأبدية مع الله ، فى حين أنه يقتات من دم و جسد المسيح ، بل و صار عضواً من أعضائه ، كما قال المغبوط فى رسالته إلى أهل أفسس "لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" ( أف 5 : 30) ][5]
[ و كما أن عود الكرمة بعد أن يخبأ فى الأرض فترة ما يأتى بالثمار فى حينها ، و كمان أن حبة الحنطة بعد أن تقع فى الأرض و تفقد شكلها الخارجى ، تأتى ثانية إلى الحياة ، و معها حبات كثيرة بواسطة روح الله الذى هو قوام الحياة للخليقة كلها ، ثم بعد ذلك بفضل مهارة الإنسان تُعد لتكون خبزاً نافعاً للبشر ، كذلك بالمثل أجسادنا التى تقتات بالإفخارستيا ، فبعد أن تُخفى فى الأرض و تتحلل ستقوم ثانية فى الوقت المعين عندما ينعم عليها كلمة الله بالقيامة " لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" فى 2 :11 لأنه سيمنح المائت عدم الموت و الفاسد عدم الفساد ، لأن قوة الله ستظهر فى الضعف ]
+ الثيوسيس هو حياة القداسة بالروح القدس .. و نعمة لا تدعو إلى الإنتفاخ :
فهو يشدّد على الولادة الجديدة أكثر ممّا على مغفرة الخطايا. فبالمعموديّة ينال المؤمن الروح القدس الذي يسكن فيه ويتّحد به.وهذا الروح يجعل من المؤمن ابن الله، شبيهاً بالابن، إنساناً روحياً، بانتظار ملء النعم في رؤية الله في المجد الأبدي، فالاتّحاد بالروح القدس لا يمكن فصله عن الاتّحاد بالابن والآب. فالنعمة إذاً هي قبل كل شيء موهبة غير مخلوقة: إنها حضور الثالوث في المؤمن لتقديسه ومساعدته على أن يكون
إنساناً روحيّاً.
[ هكذا كان لا يمكن أن نتعلم بأى وسيلة أخرى سوى أن نرى المُعلم و نسمع صوته الإلهى بآذاننا ، حتى إذا استطعنا أن تقتدى بأعماله و ننفذ و صاياه ، تصبح لنا شركة معه ، ثم نزداد نمواً فى هذه الشركة من الله الكلى الكمال ..
ثم بواسطة الفداء الذى أكمله لنا بدمه ، مُسلِّماُ ذاته فدية عوض الذين وقعوا فى الأسر بواسطة العدو ، فاستردهم لخاصته .. معطياً نفسه لنفوسنا و جسده لأجسادنا ، و ساكباً روح الله الآب علينا لتكميل الإتحاد و الشركة بين الله و الإنسان ، واهباً اللاهوت بالحقيقة للبشرية بواسطة هذا الروح ، و من ناحية أخرى يُجرى بنفسه للبشرية ارتباطاً و التحاماً مه الله بواسطة تجسده ، واهباً لنا ، بذلك ، الخلود المزمع أن يمنحه لنا بالحق و إلى الأبد عند مجيئه ، بتكميل شركة اتحادنا مع الآب ]
ضد الهرطقات 5 : 1
[و لكن مع هذا علينا أن نحذر من أن نظن أننا نمتلك الحياة من ذواتنا و ننتفخ و نرتفع ضد الله بتقبلنا أفكار الجحود هذه ، بل إذ نعرف بالخبرة أننا بالقدرة الإلهية و ليس من طبيعتنا الذاتية نحن نحوز القدرة على البقاء للأبد ، ، لا ننحرف عن الإعتقاد الحقيقى عن الله ، و لا نجهل حقيقة طبيعتنا ، بل نعرف تماماً ما هى قدرة الله و ما هى النعمة التى يتقبلها منه الإنسان منه ، و لا نضل فى إدراكنا المفهوم الحقيقى لطبيعة الكائنات ، أعنى الله و الإنسان ، و مع ذلك كما قلنا سابقاً ، لإن كان الله قد سمح بأن تتحلل أجسادنا فى الأرض ، أفليس ذلك لكى نتعلم تماماً و من سائر الوجوه ، أن نكون من الآن فصاعداً يقظين فى كل شىء بتدقيق شديد غير جاهلين بالله و لا أنفسنا ؟][6]
يـُتبَع
6_
عقيدة "تألُّه الإنسان بالنعمة" عند آباء ما قبل نيقية (2)
سِر الثيوسيس
عند بقية آباء ما قبل نيقيـــة
( 150 ـ 210م ):
كانت مدرسة الأسكندرية تواجه خطر الغنوسية ، و لكى يفند مُعلمى هذه المدرسة هذه الهرطقات من البداية ، حاولوا أن يصبغوا التعليم اليونانى القديم عن تشبه الناس بالله عن طريق المعرفة و النسك ، بصبغة مسيحية ، فبمقابل هذا بشَّر هؤلاء الرواد بأن المعرفة الكاملة للتعليم الإلهى قد استُعلنت بواسطة كلمة الله ، هذه المعرفة أو الغنوسية المسيحية الحقيقية ،و التى تحتضن كل كيان الإنسان ، هى نتيجة عاملين اثنين ، هما المجهود الإنسانى و نعمة الله.
فالمعرفة ، الغنوسيس المسيحية ، التى هى التأمل فى الوجود الأعلى ، تجعل الإنسان أقرب إلى التشبه بالله الذى هو مصدر كل كمال و يسبغ على الإنسان عدم الشهوة و عدم الموت و الحكمة و المحبة و الإتضاع و الرحمة مثل الله .
و على هذا النمط من المعرفة المسيحية ، كان القديس إكليمندس ـ الذى يمثل الخصب الفكرى الفلسفى الممتزج بالحياة الروحية ـ هو أول من استخدم التعبير عنه لفظ " ثيوسيس " و " ثيوبوييسيس" فى صيغة الفعل ، و بحسب القديس اكليمندس، فإن قمة الثيوسيس هنا على الأرض يمكن أن تُرى فى الإتحاد الرؤيوى مع الله الذى يحدث للمتصوف أو المتامل فى الإلهيات أو المسيحى المجاهد عموماً ، و لكن على عكس الغنوسى فى الفكر الإفلاطونى الوثنى ، فإن هذا الشكل من المعرفة المسيحية الأرثوذكسية لا يجعل من المسيحى و الله شيئاً واحداً ، فهو ليس تأليهاً بالمعنى السىء المتعارف عليه من العامة و الذى يحمل الصفات السيئة مثل الكبرياء و التسلط و إدعاء العصمة و دينونة الآخرين ، فهذه هى صفات مُدعى التألُّه بالمعنى السىء ، بل بالعكس تماماً ، نعمة الثيوسيس المسيحى تهب الإنسان اتضاعاً و انسحاقاً شديدين ، بسبب الإحساس بعدم الاستحقاق مقابل هذه النعمة المتسامية فى العلو .
+ الابن المتجسد هو أصل الثيوسيس :
[ و الكلمة إذ هو العقل الإلهى ، لذلك فهو أساساً مُعلم العالم و مشرع الجنس البشرى ، و هو مخلص جنس البشر و مؤسس الحياة الجديدة التى تبدأ بالإيمان و تتقدم إلى المعرفة و التأمل و تقود بواسطة المحبة و أعمال الرحمة إلى الخلود و التأليه .][1]
[ فالتحول إلى المسيح ، سوف يؤدى إلى عدم الفساد و الخلاص ]
المربى ( 1 : 5 : 20)
[تجسد الكلمة لكى نتعلم نحن من إنسان كيف يمكن للإنسان أن يصير إلهاً ]
. Protrepticus 1: 8.4
[ دم المسيح له وجهان ، إذ يوجد الدم الذى فاض من جسده و هو الذى به افتدينا من الفساد و الدم الروحانى و هذا هو الدم الذى نُمسح به و من يشرب فى دم المسيح يصير شريكاً فى الخلود مع الرب ]
[ لقد جاء المسيح ، لكى ينقل الحياة الإنسانية من الفساد ، إلى التربة غير الفاسدة ، و لكى يعطى الإنسان نصيبه الإلهى فى الآب و يؤلِّه البشر بالتعليم السمائى عندما يكتب الشريعة فى داخلهم ]
و هذه الفقرة الأخيرة قد احتفظ بها هيبوليتوس ـ أبوليدوس ـ فى رده على الهراطقة ، فقرة 9
[ عندما يسكن الكلمة فى شخص ، فهو لا يتزين بالمساحيق و الألوان بل يحفظ فى قلبه هيئة اللوغوس لأن هذا يجعله مثل الله ، مثل هذا الشخص هو بالحقيقة جميل أكثر من الذى يتجمل ، لأنه يوجد جمال حقيقى و هو الله ، و من يسكن فيه الله يصبح إلهاً ، لأن الله يريد ذلك ]
(المربى 3 :2 ـ 1 )
و هكذا ينتهى اكليمندس من تعليمه بالتأكيد على أن غاية معرفة الخلاص و المغفرة و النجاة بالموت هى الثيوسيس ، و لم يحجب اكليمندس هذه الحقيقة حتى عن الوثنين الذين لم يدخلوا الإيمان بعد و هو يوجه خطابه إليهم
[ كلمة الله صار إنساناً ، حتى يصير الإنسان مؤلَّهاً فيه ]
الخطاب إلى الوثنيين ( 11 : 114: 4)
إكليمندس و هو يشرح آية العظة على الجبل " فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ" ( لو 6 : 36)، يقول أنها وصف للمسيحى المُقتدر الناضج كمتشبه بالله :
[ لأن الناموس يدعو الإقتداء إتِّباعاً ، و مثل هذا الإتِّباع على قد طاقة الإنسان ، يجعل الإنسان مماثلا ً للأصل ][2]
+ التألُّه .. سلوك .. و لا يَكُمل إلا بالأسرار :
فالقديس اكليمنضس قد وضع أساس الشركة فى الطبيعة الإلهية فى الأسرار بسبب عمل الروح القدس فى الأسرار ، و التأله هنا هو سلوك قداسة ، أى يكون للإنسان ذات تواضع المسيح ، و ليس اعتداد بالذات و افتخار فارغ
[ لقد آن الاوان الذى يجب أن نؤكد فيه أن المسيحى الملتزم ، غنى و أن له عقلاً راجحاً لأنه وُلِد من أصل نبيل ، لأن صورة الله مع مثاله ، عندما يصبح المسيحى ـ و قد خُلِق بالمسيح يسوع ـ و صار باراً و قديساً بواسطة معونة الحكمة ، فقد صار مثل الله ، حسبما قال النبى عن هذه النعمة الوافرة و الآن نحن ـ كما أقول ـ الذين نلنا التبنى و صار لنا الإرادة لكى ندعو الآب .]
(المتفرقات 2 : 125 ، 4 : 149)
[ إننا نستعيض عن الأرض بالسماء، إذ بالأعمال الصالحة نصير آلهة… وبسلوكنا في السماويات نصير كمن هم في السماء ]
[و يتعلم كل مسيحى هذه الحقيقة من الأسفار المقدسة ، لأن الأسفار تُقدِّس و تؤلِّه معاً ]
+ و اكليمندس يستشهد بآيات من العهد القديم ليشرح الآية الواردة فى ( 1كو11 : 1) "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ" ، حيث يقدم تعليمع عن الإقتداء بالمسيح الذى يعنى التحول إلى مشابهة الله ، حتى إن الإنسان يصير باراً و قديساً " فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ" ، بالحكمة ، و يقول أن القديس بولس يضع هذه المشابهة بالله ، كغرض للإيمان و كنهاية له ، و هذا هو تحقيق الوعد بالحياة الأبدية
ستروماتا ، المتنواعات ( 2 :22 )
[ المجد لك أيها النور الحقيقى ، لأن النور قد أشرق من السماء ، النور الذى هو أطهر من الشمس و أحلى من الحياة الأرضية ، أشرق فينا نحن ، الغارقين فى الظلمة و المحبوسين فى ظلال الموت ، هذا النور هو الحياة الأبدية و كل من يشترك فيه يحيا ، و لكن الليل يخاف من النور و يختبىء مرتعداً ، و هكذا يفسح المجال لنور الرب .
النور الذى لا ينام هو الآن فوق الكل ، و الغرب قد أعطى ثقته للشرق ، فهذا هو معنى الخليقة الجديدة ، لأن شمس البر الذى يقود مركبته فوق الكل ، ينتشر الآن بالتساوى فى كل البشرية ، مثل أبيه الذى يشرق شمسه على كل البشر ، و يفيض عليهم ندى الحق ، لقد غير الغروب إلى شروق ، و بالصليب حول الموت إلى حياة ، و إذ أنقذ الإنسان من الهلاك ، و أصعده إلى السموات و رفعه إلى الأجواء العليا ، محولاً الموت إلى خلود و نقل الأرض إلى السماء ، واهباً لنا ميراثاً إلهياً مع الآب ، الميراث العظيم و الإلهى حقاً و الذى لا يفسد ، مؤلهاً الإنسان بالعلم االسمائى ، جاعلاً نواميسه فى إذهاننا مكتوبة فى قلوبنا ...] [3]
+ و يجعل الاستنارة بالمعمودية هى الخطوة الأولى نحو التألُّه :
[ إذ قد اعتمدنا ، فقد استنرنا ، و لأننا استنرنا فقد صرنا أبناء ، و لأننا صرنا أبناء فقد صرنا كاملين ، و لاننا صرنا كاملين فنحن نصير خالدين ، إذ يقول الرب " أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ" مز 82 : 6 ، و هذا العمل يُسمى بأسماء متنوعة ، فهو نعمة و استنارة و اكتمال و غسل ، الغسل الذى به نتطهر ، و النعمة التى هى ترفع عنا عقاب تعدياتنا و الاستنارة التى نرى بها نور الخلاص المقدس أى التى بها نرى الله بوضوح ]
المربى ـ الكتاب الأول ـ ف 26 : 1
يوستينوس الشهيد (165 م ):
القديس يوستينوس _ العظيم فى المُدافعين عن الإيمان المسيحى ـ يُعلم بأن الإنسان يمكن أن يتأله حسب قصد الله من خلقته ، فيقول فى فصل 24 من الحوار مع تريفو اليهودى :
[ الله خلق الإنسان على مثاله حياً لا يموت ، حراً من المعاناة ، و اشترط عليه أن يحفظ وصاياه ، و يثبت أهليته أن يُدعى ابناً له ، و لكن الإنسان فَعَل فِعل آدم و حواء فجلب على نفسه الموت ]
و أضاف يوستينوس فقال : [ و فسر المزمور الحادى و الثمانين كما تشاء ، فيظل هذا المزمور يشهد أن جميع الناس يستحقون أن يكونوا آلهه و أم كلاً منهم سيدان و يُحكم عليه كما حُكم على آدم و حواء ][4]
القديس ثيؤفيلوس الأنطاكى (180م):
[ هل خلق الله الإنسان مائتاً بالطبيعة ؟ ، بالتأكيد لا ، إذن هل كان خالداً ؟ و لا نستطيع أن نؤكد هذا أيضاً ، ، و قد يسأل أحدهم ، هل كان عدماً ً ؟ و حتى هذا أيضاً لا يكون صواباً ، فالإنسان بالطبيعة لم يكن مائتاً ، و لا كان خالداً ، لأنه لو كان خُلق مائتاً ، كان الله حينئذ سيبدو أنه هو سبب موته ، إذن فإن الله لم يصنعه خالداً ، و لا صنعه مائتاً ، بل كما قلنا صنعه قابلاً للحالتين ، حتى أنه إذا مال إلى الأمور الخالدة حافظاً وصية الله فإنه ينال من الله مكافأة الخلود و يصير إلهاً ، و لكن من الناحية الأخرى إن تحول إلى أمور الموت ، بعدم طاعته لله ، فإنه يصير هو نفسه سبب الموت لنفسه ، لأن الله خلق الإنسان حُراً و له سلطان على ذاته ][5]
الرسالة الثانية إلى أوتوليكوس 2 : 27
و هكذا و بحسب القديس ثيؤفيلوس الأنطاكى ، الذى كان عدواً لدوداً للفلسفة بصفة استثنائية ، فإن الإنسان سيصير غير مائت بنعمة الله و يمكن أن يطلق عليع اسم " إله مُستعلن ".
العلامة أوريجانوس ( 185 ـ 254 م ) :
هذا العالم الفذ الذى يمثل عمق التأمل و أصالة المعرفة ، يرى في المعموديّة أساس الحياة الروحيّة كلها في مختلف مراحلها. فالمعمودية تشرك الإنسان في حياة الكلمة؛ والروح، بالإيمان والمعرفة والمحبة، يقوده إلى الآب. فيصير إنساناً جديداً، قد تحرر من الاستعباد للخطيئة، وأخاً للمسيح وابناً للآب.وهكذا يشترك في الطبيعة الالهيّة بالمحبة والروح اللذين أفيضا في قلبه.
بالروح يشترك المسيحيّ في الكلمة الذي يصبح فيه مبدأ الحياه إلهية. وهكذا يتجدّد سكنى الكلمة في أحشاء مريم وميلاده في أعضاء جسده السري. وتلك السكنى تصيّر الإنسان على صورة الكلمة.
[ إني أعلم ما في النفس التي يسكنها الله، وها هي النفس المقفرة. إن لم يكن الله فيها، إن لم يكن فيها المسيح الذي قال: أنا وأبي سنأتي إليه وعنده نجعل مقامنا، إن لم يكن فيها الروح القدس، فالنفس مقفرة. ولكن إن سكن فيها الله والمسيح والروح القدس، فهي ممتلئة من الله][6]
القديس هيبوليتوس الرومانى ( 160 ـ 235 م ):
و مه من آباء الغرب أيضاً ، و قال :[ دع اليهود يأكلون الفطير سبعة أيام حتى سبعة دهور العالم ، أما نحن فالمسيح فصحنا و قد ذُبح لأجلنا و قد قبلنا منه عجينة جديدة بإتحادنا معه ][7]
القديس هيبوليتوس
و نفس هذه الأفكار نجدها فى كتابات ميثوديوس الأوليمبى (إستشهد عام 311م )
القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة ( 200 ـ 258 م) :
و هو يمثل آباء الغرب ، شمال أفريقيا ، و هو يُقدم الإتحاد بالمسيح كغاية إفخارستية :
[ طلما أن المسيح حملنا هو فى نفسه ، كما حمل أيضاً خطايانا ، فإننا نرى أن الماء يمثل الشعب ، و عصير الكرم يمثل دم المسيح ، _ يقصد مزيج الماء و الخمر فى تقدمة الإفخارستيا ـ فحينما يمتزج الماء بالخمر فى الكأس ، يكون الشعب متحداً بالمسيح ، و يكون جمهور المؤمنين قد اتحد بالمسيح الذين آمنوا به ، إن الماء اتحد بالخمر فى كأس الرب حتى أنهما لا يمكن أن ينفصلا ، و بنفس الوضع فإن الكنيسة التى هى جمهور المؤمنين المتحدين فى الكنيسة و الذين يحفظون الإيمان ، لا يمكن أن ينفصلوا عن المسيح .
الكنيسة سوف تظل ملتصقة بالمسيح بحب غير منقسم ، و لهذا السبب ليس من الجائز تقديم الماء وحده أو الخمر وحده فى كأس التقدمة ، لأنه إذا قُدم الخمر وحده فكان دم المسيح قد قُدم بدوننا ، و إن قُدم الماء وحده فكان الشعب قائم بدون المسيح...
و كما أن كأس الرب ليس هو الماء فقط و لا هو الخمر فقط بل مزيج من الإثنين ، هكذا ليس الدقيق وحده و لا الماء وحده يصير جيد المسيح ، لابد من مزيج الإثنين معاً ، لابد أن يلتحم الواحد مع الآخر ليصير خبزة واحدة ، و هذكذا نرى ان السر نفسه يرمز إلى وحدة الشعب المسيحى ، إذ كما تجتمع حبة القمح معاص و تٌطحن معاً و تُعجن معاً ، لتكون خبزة واحدة ، هكذا فلنتحقق من اننا نحن لسنا سوى جسد واحد فى المسيح ، إنه الخبز السماوى الذى نلتئم و نتحد به ][8]
إن الاقتداء بالله أو الاقتداء بالمسيح يعنى فى نظره شيئاً أكثر من مجرد التمثل الإرداى بالله و بالمسيح فى أعماله و وصاياه ، بل كما يقول القديس كبريانوس لشعبه ، حاثاً إياهم [ أن يقتدوا بمن يصيرون على شبهه يوماً من الأيام ]
الصلاة الربانية 6 : 36
+ + + + + + + + + + + +
تَــذوُّق الشركة مع الله !
و فى نهاية هذه "الدراسة" ، و حتى لا تظل المعانى السيئة التى تعلق فى أذهان البعض عن "تألُّه الإنسان" باقية ، نورد الكلمات المُباركة التى خطَّها قلم الأب متى المسكين عن سر الإتحاد بالله فى كتابه الخالد " حياة الصلاة الأرثوذكسية" ، و الجدير بالذكر أن شرح هذا الأب القديس فى هذا الكتاب لهذه العقيدة لم يرد عليه أدنى إعتراض ، سواء فى كتاب "بدع حديثة" لقداسة البابا شنودة الثالث ، أو فى غيره من الكتابات .
[ الإتحاد بالله هو تعبير لاهوتى مختصر للحالة التى يطلبها المسيح لنا من الآب ...
و قد تحققت هذه الطلبة بموت المسيح و قيامته ، فصرنا حسب قول بطرس الرسول " شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ" (2بط 1 : 4 ) ، و الكنيسة تضع هذه الغاية امام أولادها منذ اللحظة الاولى التى يدخلون فيها جرن المعمودية ، فحسب قول القديس إيرينيؤس [ بواسطة الروح القدس نرتفع إلى المسيح ، و بواسطة المسيح نرتفع إلى الآب ] حيث أن الإتحاد هنا يستعلن على ثلاثة مستويات ، و بحسب قول القديس أثناسيوس الرسولى [ فى ابن الله نصير أبناء الله ]" ، حيث أن الإتحاد يُفهم أنه رسوخ فى علاقة بنوية أبدية خالدة.
و يشترك كل زمرة آباء الكنيسة العظام فى التأكيد على الإمكانية الجديدة التى اكتسبتها الطبيعة البشرية ككل ـ فى تجسد المسيح و تأنسه ـ و قبولها خلقة جديدة سمائية بالماء و الروح بتوسط المسيح ، فيها تصبح الطبيعة البشرية فى حالة اتحاد بالله بالنعمة ، التى يعبر عنها الآباء بكلمة " تألُّه" : [ لأن ابن الله تأنس لنتألَّه نحن ]
القديس آثناسيوس الرسولى ، كتاب تجسد الكلمة ف 54
و لأهمية هذه العقيدة القائلة بإمكانية " تألُّه " الإنسان ، نشير بإختصار إلى بعض المواضع التى ورد فيها شره هذه الصيغة اللاهوتية عند الآباء الأوائل :
+ يوستينوس الشهيد
+ إيرينيئوس
+ كليمندس الإسكندرى .
+ هيبوليتوس.
+ أثناسيوس.
+ غريغوريوس اللاهوتى .
+ غريغوريوس النيسى.
و لكن مفهوم التألُّه الذى يقصده الآباء ، لا يعنى تحول الطبيعة البشرية إلى طبيعة إلهية ، و لكن تأهيل الطبيعة البشرية للحياة مع الله فى شركة المحبة ، و ذلك برفع الحاجز الخطير الذى يفصل حياة الإنسان عن حياة الله أى الخطية ، و ذلك بتوسل غسل و تقديس دم المسيح لنا و تناولنا من جسده ، لذلك فالتألُّه أو الإتحاد بمفهومه الكامل كحياة مع الله لا يمكن أن تتحقق إلا بالقيامة من الأموات ، و لكن لأنه قد أعطى لنا منذ الآن وسائط نعمة و وصايا و قوة إلهية لكى نغلب بها الخطية و العالم و حياة هذا الدهر ، لذلك فقد انفتح أمام الإنسان باب إمكانية تذوق الإتحاد بالله بشركة المحبة و الطاعة منذ الآن .
إذن ، فإتحاد الإنسان بالله ، أى التألُّه ، هو هدف شرعى بموجب سبق اتحاد اللاهوت بالناسوت فى التجسد الذى جعله المسيح غاية لنا أيضاً ، حيث يشمل الإتحاد كل وسائط النعمة المجانية و هى المعمودية و التناول و التوبة الدائمة ، كما يشمل جهادات كالصوم و العفة و ضبط اللسان و الفكر و الصلاة باستمرار و كل أعمال المحبة و الإتضاع ، كما يشمل حتماً معونة الله الخفية للمجاهدين ، فبالرغم من ان الإتحاد بالله هو الغاية النهائية التى لا يمكن أن تكمل لنا إلا فى القيامة ، إلا أنه حصيله الإيمان و العمل الذى ينبغى أن يكمل هنا فى هذا الدهر.
و بالإختصار ، فإن الإتحاد بالله فى مفهومه الحاضر فى هذه الحياة يعنى التحول المستمر من حياة حسب الجسد إلى حياة حسب الروح ، الذى نجوزه بالإيمان و الجهد و الدموع كل يوم و كل ساعة وفق مشيئة الله و حسب شروط الملكوت التى أعلنها الإنجيل.
و لكن الذى ينبغى أن يوضع نصب أعيننا باستمرار ، إزاء إمكانية الإتحاد بالله هو شخص يسوع المسيح ، لأن من خلال طاعته و حبة يَكمُل الإتحاد بالله ، لأنه هو الذى أكمل اتحاد اللاهوت بالناسوت فى نفسه أولاً لكى يعطيه لنا بسر الحل الفائق .
فالإتحاد حقيقة عملية فى المسيحية نذوقها فى عبادتنا و حبنا للمسيح ، و لكن لا يمكننا أن نفهمها أو ندركها بعقلنا ، فهى من حيث المنطق العقلى امر مستحيل ، أما من حيث سر التجسد و خبرة المحبة و الإيمان ، فهى أمر حقيقى وواقع مُذاق.
و الإتحاد بالله ليس موضوعاً ثانوياً فى الإيمان أو العقيدة ، بل هو أساس كل الإيمان و العقيدة ، فهى غاية الله النهائية التى من اجلها أرسل ابنه الوحيد ، إلى العالم متجسداً ، " إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ " أى المسيح (أف 1 : 9 :10)
أى أن سر إتحاد البشرية بالمسيح هو أقصى غايات التجسد و الصلب و القيامة بل و الخليقة كلها .[9]
انتهى بنعمة الرب
[9] حياة الصلاة الأرثوذكسية ، للأب متى المسكين[9] حياة الصلاة الأرثوذكسية ، للأب متى المسكين / فصل الإتحاد بالله صـ 192
/ فصل الإتحاد باللهث صـ 192



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق