مساء الخير علي الجميع سوف نبدا اليوم في تفسير اول اصحاح من سفر نشيد الانشاد
اولا مقدمة عن السفر
1- كاتب السفر هو سليمان الملك الذي وضع أناشيد كثيرة (1مل32:4)
2- سمى السفر نشيد الأناشيد أي أفضل نشيد لأفضليته عن باقي الأناشيد. كما نقول باطل الأباطيل أي أعظم الأباطيل، وعبد العبيد أي أحقر العبيد وكما نقول ملك الملوك ورب الأرباب وسماء السموات.
3- كان اليهود يقرأونه في اليوم الثامن من الاحتفال بعيد الفصح. فهو إذًا نشيد الحب المقدم لله الذي أنقذهم من فرعون بخروف الفصح، الذي هو نبوة عن المسيح الذي خلصنا من الشيطان ومن الموت وحررنا ودخل بنا إلى حجاله أي سماء السموات. فالفصح كان رمزًا للصليب. واليوم الثامن يشير للأبدية. فتكون هذه التسبحة إشارة لتسبيحنا في السماء شكرا وحمدا للمسيح فصحنا (1كو5: 7) في تسبحة حب وشكر أبدية
4- هذا السفر سيمفونية رائعة تطرب بها النفس المنطلقة من عبودية العالم متحررة مع مسيحها
5- نجد التدرج في علاقة سليمان مع الله خلال أسفاره. فسفر الأمثال يمثل من يسلك بحكمة فيقمع شهواته الجسدية. "إن أحبني أحد يحفظ وصاياي". وهذه الحكمة تقود مباشرة إلى سفر الجامعة وفيه تحتقر النفس هذا العالم وتحسبه نفاية. ثم تسمو العلاقة بين النفس وعريسها المسيح وتدخل دائرة حب المسيح في هذا النشيد. وهنا تسمو النفس فوق المنظورات مرتبطة بكلمة الله متأملة في الأمور السماوية. فسليمان إذ تلامس مع العالم وجده باطل الأباطيل وإذ تلامس مع السماويات وجدها نشيد الأناشيد. وسليمان يعلن في سفر الجامعة أن المعرفة لم تشبع النفس ولكنه هنا وجد ما يشبع النفس تمامًا ألا وهو الحب. في سفر الجامعة كان يبحث ويتحدث عن ما هو تحت الشمس فوجد الكل باطلًا وهنا ارتفع للسمويات أي لما فوق الشمس. حقًا فالمعرفة لا تُشْبِعْ مثل الحب، فالمحبة لا تسقط أبدًا. ونلاحظ أن الشيطان الساقط كان من رتبة الكاروبيم المملوئين أعينًا أي معرفة، ولم يسقط أحد من السيرافيم الملتهبون حبًا ناريًا.
6- هو سفر البالغين أو الناضجين روحيًا، وكان اليهود يمنعون قراءته لمن هم أقل من سن الثلاثين سنة حتى لا تشوه أفكارهم الجسدية معاني السفر. هو سفر البالغين إيمانيًا.
7- هذا السفر بدون تفسير ينطبق عليه قول الخصي الحبشي "كيف أفهم إن لم يرشدني أحد
8- من واقع علاقة الحب في هذا السفر نفهم لماذا تسمى عبادة الأوثان زنا روحي
9- هذا السفر يقدم علاقة حب بين حبيب وحبيبته أو عريس وعروسه. وهذا يشير للحب بين المسيح والنفس البشرية، أو الكنيسة ككل. والكتاب المقدس أشار لهذه العلاقة في عدة مواضع (أف32:5+ 2كو2:11+ رؤ2:21+ رؤ17:22+ أر2:2+ إش5:62+ هو14:2-20+ خر7:16-14+ مت15:9، 2:22) وكما قال المعمدان من له العروس فهو العريس (يو19:3). فالمسيح اتخذنا له عروسًا. ومن وهب نفسه للمسيح كعروس سيترنم بفهم بكلمات هذا النشيد.
10- نجد في هذا السفر حوارًا بين العريس وعروسه. فالعريس يعلن حبه، ونجده يبحث عن عروسه باذلًا كل جهده لتقبله عريسًا لها، معلنًا جماله الإلهي مادحًا جمالها مع أنه من عمل يديه ونجده ساترًا عليها. أما العروس ففي فترات ضعفها لا تقبله، ثم ينفتح قلبها فتناجيه ومرة أخرى تعاتبه ومرة ثالثة تشكو نفسها (مقدمة توبة) وأخيرًا في غمرة فرحها وتلذذها بحبه نجدها لا تنسى إخوتها، لذلك سٌمِّي هذا السفر قدس أقداس العلاقة بين النفس وبين الله. ونجد بجانب العروس وعريسها شخصيات أخرى مثل العذارى وبنات أورشليم وهؤلاء يشيروا لشعب الله (اليهود في العهد القديم) وهناك الأخت الصغيرة للعروس (الأمم الذين لم يعرفوا الله بعد) وهناك أصدقاء العريس (الملائكة والسمائيين). ونفهم هذه الشخصيات أيضًا كالتالي:
بنات أورشليم: يمثلن من لم يتذوق محبة المسيح بعد وهن مدعوات للتذوق.
العذارى: هن من تذوقن محبة المسيح وملأن مصابيحهن زيتًا.
الأخت الصغيرة: هي تمثل غير المؤمنين أصلًا.
أصدقاء العريس: يمثلون السمائيين الذين يفرحون بخاطئ واحد يتوب.
الحرس الطائف في المدينة: في الأصحاح الثالث هم خدام يرشدون النفس عن من هو المسيح وفي الأصحاح الخامس هم أدوات في يد الله يفضحون النفس فتعود للمسيح. إذن نفهم أنهم عمومًا أدوات في يد الله لتصحيح مسار النفس لتعود للمسيح إذا ضلت سواء بالوعظ أو بالتأديب.
11- العريس هنا هو سليمان ومعنى اسمه سلام فهو رمز للمسيح ملك السلام. ونجد أنه أطلق اسمه على عروسه (الكنيسة أو النفس البشرية) فأسماها شولميث (مؤنث سلام).
12- السفر هو أنشودة حب، مسجلة برموز غزلية ولكنها تحمل معانٍ سمائية أكثر عمقًا لما يحمله ظاهرها، ومن يفهمها يترنم بها روحيًا، ولكن هذا لمن صارت له الحواس مدربة (عب14:5). ولا بُد من فهم السفر رمزيًا فهناك أوصاف للعروس يستحيل توجيهها لعروس على المستوى الجسدي ونأخذ بعض الأمثلة على ذلك:
أ- هل تطلب عروس وتفتخر بأن العذارى يحبون عريسها، بينما كل عروس تريد أن تستأثر بحب عريسها لوحدها (3:1).
ب- ولنفرض أنها تفتخر بهذا، أن العذارى يحبون عريسها، وهي قد أخذته منهن، لكن أليس من العجيب أن تقول "إجذبني وراءك فنجري" (4:1)، هل هي تريد الأخريات معها.
ج- هل يقول عريس لعروسه شعرك كقطيع ماعز (4: 1) وأسنانك كقطيع جزائز (4: 2) "عنقك كبرج داود المبني للأسلحة" (4:4) أو "أنت مرهبة كجيش بألوية" (4:6) أو "أنفك كبرج لبنان" (4:7). هذا الكلام لا يقال لعروس على المستوى الجسدي، بل يقال للكنيسة التي أرهبت أمم وأرهبت إبليس.
د- هل تطلب عروس من عريسها أن يقبلها شخص آخر (1: 2).
ه- هل هناك عدة رجال يحبون العروس وعريسها يقبل هذا (1: 11).
و- هل تطلب عروس من صاحباتها يدخلن على عريسها ليوقظوه، وأحيانًا أخرى تطلب منهن أن لا يوقظوه (2: 7).
13- لماذا استخدم الوحي الإلهي هذا الأسلوب؟ نجد أن الله في الكتاب المقدس يستخدم أسلوب البشر في التعامل والكلام، فكما نقول عين الله ويد الله وعرش الله. وكما نقول أن الله يغضب إعلانًا عن وقوعنا تحت العدل الإلهي، هكذا ليعبر الوحي الإلهي عن علاقة الحب الروحي والسري بين الله والنفس البشرية استخدم نفس الأسلوب الذي نتعامل به في حياتنا البشرية.
14- كيف يفسر اليهود هذا السفر؟ هم يقولون أن العروس هي شعب اليهود، وأن العريس هو الله الذي أخرجهم من أرض مصر، وهم يرون أن إتحاد الشعب مع الله سيكمل بالمسيح، الذي مازالوا ينتظرونه
تفسير الاصحاح الاول
آية (1): "نشيد الأنشاد الذي لسليمان".
آية (2): "ليقبلني بقبلات فمه لأن حبك أطيب من الخمر."
العروس هنا هي التي تتكلم، وهي الكنيسة أو النفس البشرية الناضجة روحيًا والتي اختبرت حب المسيح = لأن حبك أطيب.. وهي الآن تطلب أن تتلذذ بمحبة الآب؟ هي بعد أن تذوقت حب الابن الذي اتضح على الصليب تريد أن تتذوق حب الآب، لذلك تطلب قائلة ليقبلني = وتقولها بصيغة المجهول، فهي تكلم عريسها المسيح الذي هو الطريق لكل نفس لكي تتذوق حب الآب (اف3:1-6) والابن هو الذي أعلن محبة الآب "فالابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خَبَّر". وقول النفس ليقبلني = نقارنه بقبلة الأب للابن الضال بعد رجوعه، فكأن النفس تطلب التأكد من الغفران وعودة المحبة الإلهية ولاحظ أنها لا تشبع من قبلة واحدة بل تطلب الكثير = قبلات فمه فهي تريد أن تفرح بحبه الأبوي وبأحضانه الأبوية. حبك أطيب من الخمر = هذه عن المسيح، والخمر تشير للفرح، وحب المسيح يسكر النفس فتنسى كل ما هو أرضي لتهيم في حب الله وحده. وحب المسيح قُدِّم على الصليب كسر فرح (إش1:63-4). لذلك كان الخمر يقدم مع الذبائح (لا13:23). حب النفس للمسيح هو حب عروس لعريسها.
يسهل على النفس تصور وتذوق حب المسيح، فقط تنظر للصليب. ولكن تذوق حب الآب يحتاج إلى عمق أكبر فخطايانا تعوق هذا التذوق. لذلك تطلب النفس هنا من عريسها أن يشفع لها بدمه لكي تتذوق محبة الآب الغافرة هذه التي تذوقها الابن الضال.
آية (3): "لرائحة أدهانك الطيبة اسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى."
لرائحة أدهانك الطيبة= ما نشتمه منك هو الحب والبذل والطاعة حتى الصليب. لذلك أحبتك العذارى. اسمك دهنٌ= هنا تلاعب جمالي بالألفاظ كما في (جا1:7). فبالعبرية (اسم Shem ودهن shemen). والإسم يدل على صاحبه فحينما نذكر اسم يهوذا نذكر الخيانة ، وحينما نذكر اسم يسوع نذكر محبته التي فاحت رائحتها في العالم كله، فنحن بذكر الاسم نذكر أعمال الشخص، وعمل المسيح له رائحة أزكى من كل رائحة، نذكره أمام الناس فيذكروا محبته فيفرحوا "محبوب هو اسمك يا رب فهو طول النهار تلاوتي" فالمسيح سكب كمال حبه على الصليب، سكب نفسه ففاحت رائحة طاعته واشتمها أبوه كرائحة عطرة (تك21:8 + لا9:1+ 13:1.. + 2كو15:2). فرائحة عمل المسيح الزكية كانت للآب ولنا.
أما الدهن فهو خليط من زيت وعطور وهو من أفضل التنعمات في أيام سليمان، وكان دهن المسحة يسكب على رأس رئيس الكهنة فينزل على لحيته (مز133). والزيت رمز للروح القدس، والعطور ترمز للمسيح ذو الرائحة الزكية. وحين حل الروح القدس على المسيح رأس الكنيسة يوم عماده كان هذا لحساب العروس (الكنيسة) لتفوح منها رائحة المسيح، فلحية هرون رئيس الكهنة تشير لشعب المسيح، كنيسته المجتمعة في حب (رو5:5 + 2كو15:2) ونلاحظ أن عمل الروح القدس هو أن يشهد للإبن (يو14:16، 15). والمسيح ممسوح بالدهن من قِبَل الآب لخلاصنا ليصير رئيس كهنة يقدم ذبيحة نفسه عنا (أع27:4). دهن مهراق= أي منسكب بفيض (يؤ28:2، 29). ونلاحظ أن الدهن مشبع ويمنح الجلد رطوبة، والروح القدس يعطي بمعرفة المسيح فرحاً وشبعاً. والعذارى= أي النفوس المكرسة للمسيح ولا تحب العالم، ولا تبيع نفسها لمحبة غريبة، فما أن قدم دمه على الصليب حتى إنجذبت له العذارى بمصابيحهن. وهكذا قال بولس الرسول "خطبتكم لأقدم عذراء" (2كو2:11). وفداء المسيح كان سبب إنسكاب الروح= اسمك دهن مهراق. فبعد الفداء إنسكب الروح على الكنيسة ليعطيها محبة للمسيح ويعطيها فرح.. يعرفها إسمه أي شخصه فتحبه وتشبع به وتفرح به فهو دهن مهراق. وقوله إسمك = عملك الفدائى القوى والعجيب الذي بسببه إنسكب الروح على الكنيسة
آية (4): "اجذبني وراءك فنجري أدخلني الملك إلى حجاله نبتهج ونفرح بك نذكر حبك اكثر من الخمر بالحق يحبونك."
فنجري= حين يجذب المسيح نفسًا تتحول لكارزة تجذب آخرين له (السامرية / زكا..) والسبب أن الناس يرون في هذه النفس جمالها بسبب المسيح الذي فيها فينجذبون كلهم للمسيح. ويجري الكل وراءه. والعروس سألت المسيح إجذبني والاستجابة كانت سريعة أدخلني الملك إلى حجاله= حقًا "اسألوا تعطوا" وحجاله أي بيت العرس المزين بالثياب والأسرة والستائر، وهذا يشير لعلاقة المخدع السرية بين المسيح والنفس البشرية. فمن أراد أن يصلي فليدخل إلى مخدعه، وماذا يجد هناك؟ نبتهج ونفرح بك. نذكر حبك.
آية (5): "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم كخيام قيدار كشقق سليمان."
الكنيسة توجه حديثها هنا لبنات أورشليم = فهن رأين تجاربها وألامها واضطهادها فظنوا أنها متروكة، بل رأوا فيها إنشقاق.. وبنات أورشليم يمثلن كل من لم يتذوق جمال العشرة مع المسيح وهي تقول لهم أنا سوداء وجميلة = هي سوداء بطبيعتها لأننا كلنا مولودين بالخطية، وهي سوداء بسبب تجاربها ومشاكلها كخيام قيدار= وقيدار كان إبناً لإسمعيل وكانت خيامهم لونها أسود من الخارج. ولكنها جميلة كشقق سليمان أي ستائر قصور سليمان الملونة، وهذه تظهر من الداخل "فكل مجد ابنة صهيون من داخل" سر جمالها الداخلي وجود المسيح فيها. وقبل الهيكل الذي أسسه سليمان كانت العبادة في خيمة الإجتماع حيث يسكن الله مع شعبه كسر جمال لهم. والخيمة خارجها جلود كباش محمرة وشقق سوداء من شعر المعيز الأسود، لكن من الداخل شقق ملونة . وهي بهذا ترد على بنات أورشليم القائلات "لماذا نأتي للمسيح بينما الحياة معه كلها وصايا وقيود وتجارب وألام". وكأنها تنادي مع داود "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب" الرب الذي يعطي في الداخل فرح ومجد وعزاء (2كو7:4-11+ 8:6-10). والنفس تذكر سوادها فتتضع وتذكر جمالها فلا تصغر نفسها نجد هنا الإتزان. وهكذا تضع الكنيسة في مقدمة كل صلاة، صلاة الشكر والمزمور الخمسون ففي صلاة الشكر نذكر عمل المسيح ونشكره لأنه أعطانا جمالاً وفي المزمور الخمسين نذكر سواد خطايانا والعجيب أنه إن وقفنا أمام المسيح باكين على سوادنا يرانا هو في جمال وجاذبية ويقول للنفس المنسحقة الباكية "حولي عني عينيك فأنهما قد غلبتاني" (نش5:6)
آية (6): "لا تنظرن إليَّ لكوني سوداء لأن الشمس قد لوحتني بنو أمي غضبوا علي جعلوني ناطورة الكروم أما كرمي فلم أنطره."
لا تنظرن إليَّ لكوني سوداء= أي لا تحكمن بحسب المظاهر. فالشمس قد لوحتني أي التجارب التي كالشمس حولت لوني للسواد، ولكن [1] هذا خارجياً فقط. [2] هو شيء وقتي، فبعد أن نبتعد من تحت الشمس (هذا العالم) سينتهي هذا اللون الأسود ويعود لنا لون بشرتنا الأصلي بل أبهى وذلك في جسدنا الممجد، فهناك نصير مثله لأننا سنراه كما هو (1يو2:3). "ويغير شكل جسد تواضعنا إلى صورة جسد مجده" (فى3: 21)..وجسد تواضعنا يستحسن ترجمتها وضاعتنا فهي بالإنجلبزية (our lowly body). بنو أمي = حين قامت الكنيسة المسيحية كان أول من هاجمها واضطهدها هم اليهود. وبعد هذا قام على الكنيسة كثير من الهراطقة الذي أذاقوها مرارة الإنقسام والخصومة. لقد جعل الله الكنيسة ناطورة الكروم = أي حارسة للكروم كلها فلم تحرس حتى كرمها وانشقت.
ملحوظة للخدام= هناك من يهتم بمخدوميه ولا يهتم بأن يرعى كرمه هو (حياته الروحية)
آية (7): "اخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى أين تربض عند الظهيرة لماذا أنا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك."
حينما تذكرت شدتها وسوادها وهياج الأعداء عليها، بحثت عن الراعي، المسيح الذي يقودها للمراعي الخضراء. يا من تحبه نفسي= فهي تحبه لأنه أحبها أولًا بالرغم من سوادها. وهو القادر أن يشبعها ويعزيها= أين ترعي. ويحميها= أين تربض وكلمة يربض تقال عن الأسد المستعد للإنقضاض على فريسته، ومسيحنا هو الأسد الخارج من سبط يهوذا يدافع عن كنيسته عروسه. وقت اشتداد التجارب= عند الظهيرة= عندما تشرق الشمس التي تلوحها. ونجد العروس هنا تلوم نفسها أنها في بعض الأحيان تترك راعيها الحقيقي وتكون كمقنعة عند قطعان أصحابك= كلمة مقنعة تعني من ترتدي قناعًا وبالتالي تكون غير قادرة على الرؤية جيدًا لذلك تترجم الكلمة أيضًا "تائهة" أو "مغشى عليها" أو في السبعينية "خفيفة" أي تهزها التعاليم الغريبة للآخرين، هي انجذبت وراء فكر آخر غير فكر المسيح الواحد، خرجت من كنيسته الواحدة الوحيدة وذهبت وراء قطعان آخرين، وهنا نجدها تلوم نفسها على ذلك. ومن انجذبت وراءهم يدَّعون أنهم أصحاب عريسها= قطعان أصحابك (1يو19:2، 22).
آية (8): "أن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء فاخرجي على آثار الغنم وارعي جداءك عند مساكن الرعاة."
إن لم تعرفي.... فاخرجي على آثار الغنم= كثيراً ما ندَّعي عدم المعرفة لذلك يقول العريس هنا ولماذا التوهان أيتها النفس وعندك في كنيستك الآباء والقديسين، ما عليك سوى أن تخرجي من نفسك وذاتك وإعجابك بكل ما هو جديد (وموضة) وسيري على أثار القديسين والأباء (عب7:13-9). لا تتركوا إيمان الأباء المسلم مرة للقديسين (يه 3، 4). أيتها الجميلة= سيتكرر وصف العريس لها بأنها جميلة وهذا لمحبة عريسها لها، بل لم نسمع طوال السفر كلمة توبيخ واحدة للعروس.
إرعي جداءك= عمل النفس التي عرفت المسيح أن تشهد أمام الخطاة = الجداء بأن عريسها غفر لها وأحبها. ولكن تقودهم لمساكن الرعاة= للكنيسة وليس للغرباء. والجداء لأن لونهم أسود فهم يشيرون للخطية.
آية (9): "لقد شبهتك يا حبيبتي بفرس في مركبات فرعون."
هي خلال جهادها ليست وحدها ضعيفة بل هي في حرب ولكنها قوية كفرس يقوده مسيحها (رؤ2:6) وهي في موكب (الكنيسة) ولكنها مازالت على الأرض لذلك قيل مركبات فرعون: [1] اشتهر فرعون بجودة جياده؛ [2] غرق فرسان فرعون في البحر الأحمر إشارة لموتنا ودفننا مع المسيح في المعمودية لنخرج منها فرسًا أبيض يقوده هو وليس فرعون؛ [3] الفرس مشهور بأنه يدخل المعارك بلا خوف (أي21:39)
آية (10): "ما اجمل خديك بسموط وعنقك بقلائد."
السموط= صنف من الجواهر = فإذ صارت النفس مسكنًا للروح القدس ينعكس جمال المسيح على وجهها أي خديها. وحين تغلب النفس يُلبِسها المسيح هذه الجواهر إذ جعلها ملكة. وعنقك بقلائد= كان عنقها غليظًا رافضًا أن ينقاد لله، والآن قبلت نيره، وهذا هو عمل الروح القدس الذي يبكت ويقنع. وإذ قبلت كافأها بقلادة هي روح الطاعة = وهذا هو عمل النعمة لمن يبدأ بالجهاد = التغصب، فبعد أن كان الإنسان يغصب نفسه ليطيع الوصية، جعلته النعمة يطيع الوصية بحريته، ليس جبراً بل لأنه تذوق حلاوة تنفيذ الوصية.
آية (11): "نصنع لك سلاسل من ذهب مع جمان من فضة."
نصنع = الثالوث هو المتكلم هنا. وهذه الآية تدل على رمزية السفر فلا يوجد عدة رجال يحبون امرأة واحدة. والسلاسل = تظهر من الخارج كأنها قيود ولكنها للجمال. فهي من ذهب= أي سماوية (القيود هي الالتزام بالوصايا والصلاة والصوم..) وقد التزمت العروس بها بالحب. وجمان= أجراس كالتي تعلق في سلسلة الشورية. والفضة ترمز لكلمة الله. فهذه النفس لها عمل تنبيه ووعظ الآخرين بكلمة الله (مز6:12).
آية (12): "ما دام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته."
الملك في مجلسه = هو ملك بصليبه على قلبي، ولما صار قلبي مجلسًا ومسكنًا له ويملك عليه، فاحت رائحته. وما يجعل رائحة النفس تفوح كناردين هو أن تقبل النفس أن تُسكب عن المسيح فتشترك معه في صليبه. وتظهر النفس كقابلة للصليب دائسة العالم مع عريسها. فرائحة العطر تفوح عندما تُكسر زجاجة الطيب.
آية (13): "صرة المر حبيبي لي بين ثديي يبيت."
المر = يشير للألم (بطعمه المر) ويشير للرائحة العطرة، فاحتمال الألم لأجل المسيح له رائحة عطرة. بين ثديي يبيت = على صدري بجانب قلبي يبيت. قلبي هو موضع راحته. هكذا كان يصنع يوحنا الحبيب. وما الذي يدفع النفس لتحتمل الألم والصليب؟
1- أن مسيحها تألم وكان صرة مرة (مملوء ألامًا) وبآلامه فاحت رائحة محبته حين فتحت هذه الصرة على الصليب، فملأ حبه قلبها لأنها شعرت بأن حبه أُعْلِنَ أولًا.
2- النفس شعرت بمحبة المسيح إذ فاحت رائحة حبه فملكته عليها، وعندما صار له مكانا في قلبها فاحت رائحته منها "لأننا رائحة المسيح الزكية" (2كو2: 15).
3- بعد أن صار المسيح داخل النفس صار ثدياها (العهد القديم والعهد الجديد) مصدرًا لتعليم كل الناس لتجذبهم لمسيحها. وهي قطعًا عزلت خطاياها من بين ثدييها (هو2:2).
4- كانت العادة أن الزوجة تعلق صورة زوجها الغائب في عنقها علامة محبتها وولائها له إذ تستقر صورته على صدرها. ومرة أخرى إذ ظهرت فيها صورة المسيح فاحت منها رائحته.
5- صرة المر أيضاً تشير لعادة عند البنات في تلك الأيام. إذ كن يلبسن صرة مر على صدورهن فيفوح منها رائحة عطرة (كان المر برائحته العطرة هو أشهر عطور ذلك الزمان) . هكذا كل من قبل المسيح وصليبه تفوح رائحته
آية (14): "طاقة فاغية حبيبي لي في كروم عين جدي."
طاقة = حزمة. فاغية = نبات نور الحناء. وله زهر رائحته طيبة جدًا وقد اشتهر وجود هذا النبات في عين جدي. ومازالت هذه العادة للعروس موجودة في مصر وبعض البلدان، أن تقبض العروس على حزمة من زهر الحناء ليلة عرسها فتصبغ يدها بلون أحمر ويصبح ليدها رائحة حلوة يوم زفافها. العروس هنا حملت علامات الصليب (اللون الأحمر) في يدها وصارت لها الرائحة الزكية (حمل الصليب).
آية (15): "ها أنت جميلة يا حبيبتي ها أنت جميلة عيناك حمامتان."
عيناك حمامتان=
[1] كحمامة نوح لا تستريح خارج الفلك (الفلك رمز الكنيسة جسد المسيح = تكون النفس ثابتة في المسيح وإن خرجت تعود فلا راحة لها خارجا)
[2] الروح القدس حَلَّ على المسيح على هيئة حمامة، لأن الحمام دائما يرجع إلى بيته كما عادت حمامة نوح إلى الفلك. وعمل الروح القدس معنا أن يثبتنا في جسد المسيح بواسطة الأسرار، وبيته نحن" (عب3: 6). وكلما نضل طريقنا بعيدا عن المسيح يعيدنا بالتبكيت بالإقناع وبالمعونة (يو16: 8 + رو8: 26). لذلك أخذ الروح القدس شكل حمامة يوم معمودية المسيح. ولذلك يسمى سر الميرون "سر التثبيت" فالروح يثبتنا في المسيح في المعمودية، وكلما نبتعد يعيدنا إلى بيتنا جسد المسيح.
[3] الحمامة بسيطة ووديعة. وبسيطة تعنى أن لها إتجاه واحد، أي قلب غير منقسم بين الله والعالم، النفس لها هدف واحد هو الله، وهذه النفس يسكن فيها المسيح نور العالم فتنير = "وإذا كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً" (مت22:6). وتأخذ شكل المسيح الوديع. تترجم بسيطة بالإنجليزية single hearted
[4] لهما استنارة بالروح القدس، الذي حَلَّ على المسيح على هيئة حمامة، والروح يجعلها تعاين السماويات (1كو2: 9 – 13).
[5] وكل من هو في المسيح يكون في نظر الله نفس لها جمالها يفرح بها = ها أنت جميلة
إذاً هذه النفس قد تحررت من الشهوات الجسدية وحملت السمات الروحية وصفاء النفس لذلك يدعوها ها أنت جميلة يا حبيبتي. هذه النفس هي التي حملت سمات المسيح وقبلت أن تشترك معه في صليبه. ولكن مازالت لهذه النفس خطاياها، ورغماً عن ذلك يراها الله جميلة.. كما قال الشاعر "عين المحب عن كل عيب كليلة". فالمحب لا يرى سوى الجمال في من يحبها. "عبدي أيوب رجل كامل".
آية (16): "ها أنت جميل يا حبيبي وحلو وسريرنا اخضر."
قال لها العريس عيناك حمامتان، فماذا أعطى الروح القدس لعيناها أن تراه؟ لقد رأت جمال عريسها ها أنت جميل= لقد أدركت أنه جميل، ومن جماله وحلاوته تجد النفس أنها مشتاقة أن تعطى كل القلب له، وتنفتح عيناها وتدرك أنه هو سر جمالها. بل هو مصدر كل قوة وكل قداسة فينا. لذلك لا يجب أن ننسب لأنفسنا أي شيء صالح فينا (يع17:1). سريرنا أخضر= نتيجة هذا الإدراك الروحي دخلت النفس مع مسيحها في إتحاد أعمق. والسرير هو الجسد الذي فيه تلتقي النفس مع الله، ويتحول الجسد لمكان يسكن فيه الله بل يرتاح فيه، جسدنا لم يعد ملك لنا ولم يعد مسكناً للنفس البشرية فقط، بل يسكن الله فيه، وهنا تظهر ثمار الروح القدس لذلك دُعِىَ السرير أخضر أي مثمر. لقد دعا بولس الرسول أجسادنا أنها أعضاء المسيح (1كو15:6) لأنها حملت إنعكاساً للوحدة الداخلية بين الكلمة الإلهي والنفس. لقد سبق المسيح وأخذ جسدنا فهو أخذ مالنا ليعطينا ماله، لقد صار جسدنا جسده، وصار جسده سرير لنا، إذ لنا فيه راحة، نحن نرتاح فيه وهو يرتاح فينا، نرى فيه إتحادنا معه. لقد أثمر جسد الرب طاعة للآب عوض عصياننا ونقاوة عوضاً عن نجاساتنا وغلبة على الشيطان عوضاً عن هزيمتنا. عموماً الخضرة علامة الحيوية والإثمار لأن النفس مجتمعة مع الله. وهذه الحيوية لجسدنا جاءت من ثبات حياة المسيح فينا "لي الحياة هي المسيح" (فى1: 21). ومن هو حي يثمر
آية (17): "جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو."
كنيسة المسيح تشبه هنا بالبيت. والبيت له أعمدة رأسية= الجوائز= وله عوارض أفقية= روافد. وتشير الأعمدة الرأسية غالبًا للكنيسة المنتصرة التي هي الآن في السماء، لذلك فالجوائز من أرز= وهذا عمره طويل (فإبراهيم وإسحق ويعقوب أحياء) ورائحته حلوة وهكذا سير أبائنا القديسين. وتشير العوارض الأفقية للكنيسة المجاهدة على الأرض ونلاحظ أنها من سرو وهو مشهور بقوته وأنه لا يهتز بالريح وهكذا ينبغي أن تكون كنيسة المسيح، فهي كنيسة قوية لا يستطيع أحد أن يحطمها، وينبغي أن يكون المؤمنين واثقين في حماية ربها لها فلا يهتزون مع أي رياح اضطهاد أو تعاليم غريبة. ونلاحظ أن البيت مكون من أعمدة رأسية ومن عوارض أفقية وهكذا صليب المسيح، فالمسيح بصليبه وحد السمائيين بالأرضيين. وصارت الكنيسة من قسمين، قسم رأسي، ممتد رأسيًا وهي الكنيسة المنتصرة وقسم أفقي ممتد أفقيًا في كل الأرض وهي الكنيسة المجاهدة.
ملخص الإصحاح الأول
سفر النشيد هو سفر المحبة
أولًا) هي محبة الله مثلث الأقانيم. الروح القدس (الدهن المهراق) يجذبنا للابن العريس ويثبتنا فيه، والابن إذ نتحد به كعروس مع عريسها، يحملنا لأحضان الآب فننعم بمحبته = قبلاته. وخطوات تنفيذ هذا:-
1. يبدأ عمل الروح القدس معنا بالأسرار.
2. يسكب الروح القدس محبة الله في قلوبنا (رو5:5). والمحبة تأتى بالمعرفة
3. يصور لنا الابن "يأخذ مما لي ويخبركم" (يو15:16) فننجذب له لأن محبته يسهل اكتشافها من حياته وصليبه فنجد محبته أطيب من الخمر
4. والروح القدس يثبتنا في الابن فنشتاق لأحضان الآب فيحملنا الابن لحضنه.
فالابن يستعلن الآب. وحينما نشعر بمحبة الآب نشتاق لمحبته الغافرة وأحضانه فنقول للابن عن الآب "ليقبلني بقبلات فمه". وهذه المحبة تربطنا بسلاسل محبة (آية11) وهذه السلاسل هي حفظ الوصية لأننا نحب الله (يو23:14) وهذه المحبة لا تقتصر على محبة الله بل
ثانيًا تمتد لمحبة الإخوة فنشتاق أن تنجذب العذارى لمحبة العريس (آية4،3). بل نكتشف في آخر الإصحاح أن المحبة هي لكل الكنيسة، الكنيسة المجاهدة (الروافد آية 17) والكنيسة المنتصرة في السماء (الجوائز آية 17). فهي كنيسة واحدة مرتبطة بالمحبة، نحن نصلي لمن في الأرض ومن في السماء وهم يتشفعون فينا.
والكنيسة تشبه بيتًا واحدًا يسكن فيه المسيح (سريرنا أخضر) فتكون الكنيسة مثمرة. ولكن كيف يسكن المسيح في الكنيسة. كان لا بُد من التجسد (موضوع الإصحاح القادم) ليموت المسيح بهذا التجسد ويقوم وتسكن حياته في الكنيسة "لي الحياة هي المسيح" (فى21:1).
اولا مقدمة عن السفر
1- كاتب السفر هو سليمان الملك الذي وضع أناشيد كثيرة (1مل32:4)
2- سمى السفر نشيد الأناشيد أي أفضل نشيد لأفضليته عن باقي الأناشيد. كما نقول باطل الأباطيل أي أعظم الأباطيل، وعبد العبيد أي أحقر العبيد وكما نقول ملك الملوك ورب الأرباب وسماء السموات.
3- كان اليهود يقرأونه في اليوم الثامن من الاحتفال بعيد الفصح. فهو إذًا نشيد الحب المقدم لله الذي أنقذهم من فرعون بخروف الفصح، الذي هو نبوة عن المسيح الذي خلصنا من الشيطان ومن الموت وحررنا ودخل بنا إلى حجاله أي سماء السموات. فالفصح كان رمزًا للصليب. واليوم الثامن يشير للأبدية. فتكون هذه التسبحة إشارة لتسبيحنا في السماء شكرا وحمدا للمسيح فصحنا (1كو5: 7) في تسبحة حب وشكر أبدية
4- هذا السفر سيمفونية رائعة تطرب بها النفس المنطلقة من عبودية العالم متحررة مع مسيحها
5- نجد التدرج في علاقة سليمان مع الله خلال أسفاره. فسفر الأمثال يمثل من يسلك بحكمة فيقمع شهواته الجسدية. "إن أحبني أحد يحفظ وصاياي". وهذه الحكمة تقود مباشرة إلى سفر الجامعة وفيه تحتقر النفس هذا العالم وتحسبه نفاية. ثم تسمو العلاقة بين النفس وعريسها المسيح وتدخل دائرة حب المسيح في هذا النشيد. وهنا تسمو النفس فوق المنظورات مرتبطة بكلمة الله متأملة في الأمور السماوية. فسليمان إذ تلامس مع العالم وجده باطل الأباطيل وإذ تلامس مع السماويات وجدها نشيد الأناشيد. وسليمان يعلن في سفر الجامعة أن المعرفة لم تشبع النفس ولكنه هنا وجد ما يشبع النفس تمامًا ألا وهو الحب. في سفر الجامعة كان يبحث ويتحدث عن ما هو تحت الشمس فوجد الكل باطلًا وهنا ارتفع للسمويات أي لما فوق الشمس. حقًا فالمعرفة لا تُشْبِعْ مثل الحب، فالمحبة لا تسقط أبدًا. ونلاحظ أن الشيطان الساقط كان من رتبة الكاروبيم المملوئين أعينًا أي معرفة، ولم يسقط أحد من السيرافيم الملتهبون حبًا ناريًا.
6- هو سفر البالغين أو الناضجين روحيًا، وكان اليهود يمنعون قراءته لمن هم أقل من سن الثلاثين سنة حتى لا تشوه أفكارهم الجسدية معاني السفر. هو سفر البالغين إيمانيًا.
7- هذا السفر بدون تفسير ينطبق عليه قول الخصي الحبشي "كيف أفهم إن لم يرشدني أحد
8- من واقع علاقة الحب في هذا السفر نفهم لماذا تسمى عبادة الأوثان زنا روحي
9- هذا السفر يقدم علاقة حب بين حبيب وحبيبته أو عريس وعروسه. وهذا يشير للحب بين المسيح والنفس البشرية، أو الكنيسة ككل. والكتاب المقدس أشار لهذه العلاقة في عدة مواضع (أف32:5+ 2كو2:11+ رؤ2:21+ رؤ17:22+ أر2:2+ إش5:62+ هو14:2-20+ خر7:16-14+ مت15:9، 2:22) وكما قال المعمدان من له العروس فهو العريس (يو19:3). فالمسيح اتخذنا له عروسًا. ومن وهب نفسه للمسيح كعروس سيترنم بفهم بكلمات هذا النشيد.
10- نجد في هذا السفر حوارًا بين العريس وعروسه. فالعريس يعلن حبه، ونجده يبحث عن عروسه باذلًا كل جهده لتقبله عريسًا لها، معلنًا جماله الإلهي مادحًا جمالها مع أنه من عمل يديه ونجده ساترًا عليها. أما العروس ففي فترات ضعفها لا تقبله، ثم ينفتح قلبها فتناجيه ومرة أخرى تعاتبه ومرة ثالثة تشكو نفسها (مقدمة توبة) وأخيرًا في غمرة فرحها وتلذذها بحبه نجدها لا تنسى إخوتها، لذلك سٌمِّي هذا السفر قدس أقداس العلاقة بين النفس وبين الله. ونجد بجانب العروس وعريسها شخصيات أخرى مثل العذارى وبنات أورشليم وهؤلاء يشيروا لشعب الله (اليهود في العهد القديم) وهناك الأخت الصغيرة للعروس (الأمم الذين لم يعرفوا الله بعد) وهناك أصدقاء العريس (الملائكة والسمائيين). ونفهم هذه الشخصيات أيضًا كالتالي:
بنات أورشليم: يمثلن من لم يتذوق محبة المسيح بعد وهن مدعوات للتذوق.
العذارى: هن من تذوقن محبة المسيح وملأن مصابيحهن زيتًا.
الأخت الصغيرة: هي تمثل غير المؤمنين أصلًا.
أصدقاء العريس: يمثلون السمائيين الذين يفرحون بخاطئ واحد يتوب.
الحرس الطائف في المدينة: في الأصحاح الثالث هم خدام يرشدون النفس عن من هو المسيح وفي الأصحاح الخامس هم أدوات في يد الله يفضحون النفس فتعود للمسيح. إذن نفهم أنهم عمومًا أدوات في يد الله لتصحيح مسار النفس لتعود للمسيح إذا ضلت سواء بالوعظ أو بالتأديب.
11- العريس هنا هو سليمان ومعنى اسمه سلام فهو رمز للمسيح ملك السلام. ونجد أنه أطلق اسمه على عروسه (الكنيسة أو النفس البشرية) فأسماها شولميث (مؤنث سلام).
12- السفر هو أنشودة حب، مسجلة برموز غزلية ولكنها تحمل معانٍ سمائية أكثر عمقًا لما يحمله ظاهرها، ومن يفهمها يترنم بها روحيًا، ولكن هذا لمن صارت له الحواس مدربة (عب14:5). ولا بُد من فهم السفر رمزيًا فهناك أوصاف للعروس يستحيل توجيهها لعروس على المستوى الجسدي ونأخذ بعض الأمثلة على ذلك:
أ- هل تطلب عروس وتفتخر بأن العذارى يحبون عريسها، بينما كل عروس تريد أن تستأثر بحب عريسها لوحدها (3:1).
ب- ولنفرض أنها تفتخر بهذا، أن العذارى يحبون عريسها، وهي قد أخذته منهن، لكن أليس من العجيب أن تقول "إجذبني وراءك فنجري" (4:1)، هل هي تريد الأخريات معها.
ج- هل يقول عريس لعروسه شعرك كقطيع ماعز (4: 1) وأسنانك كقطيع جزائز (4: 2) "عنقك كبرج داود المبني للأسلحة" (4:4) أو "أنت مرهبة كجيش بألوية" (4:6) أو "أنفك كبرج لبنان" (4:7). هذا الكلام لا يقال لعروس على المستوى الجسدي، بل يقال للكنيسة التي أرهبت أمم وأرهبت إبليس.
د- هل تطلب عروس من عريسها أن يقبلها شخص آخر (1: 2).
ه- هل هناك عدة رجال يحبون العروس وعريسها يقبل هذا (1: 11).
و- هل تطلب عروس من صاحباتها يدخلن على عريسها ليوقظوه، وأحيانًا أخرى تطلب منهن أن لا يوقظوه (2: 7).
13- لماذا استخدم الوحي الإلهي هذا الأسلوب؟ نجد أن الله في الكتاب المقدس يستخدم أسلوب البشر في التعامل والكلام، فكما نقول عين الله ويد الله وعرش الله. وكما نقول أن الله يغضب إعلانًا عن وقوعنا تحت العدل الإلهي، هكذا ليعبر الوحي الإلهي عن علاقة الحب الروحي والسري بين الله والنفس البشرية استخدم نفس الأسلوب الذي نتعامل به في حياتنا البشرية.
14- كيف يفسر اليهود هذا السفر؟ هم يقولون أن العروس هي شعب اليهود، وأن العريس هو الله الذي أخرجهم من أرض مصر، وهم يرون أن إتحاد الشعب مع الله سيكمل بالمسيح، الذي مازالوا ينتظرونه
تفسير الاصحاح الاول
آية (1): "نشيد الأنشاد الذي لسليمان".
آية (2): "ليقبلني بقبلات فمه لأن حبك أطيب من الخمر."
العروس هنا هي التي تتكلم، وهي الكنيسة أو النفس البشرية الناضجة روحيًا والتي اختبرت حب المسيح = لأن حبك أطيب.. وهي الآن تطلب أن تتلذذ بمحبة الآب؟ هي بعد أن تذوقت حب الابن الذي اتضح على الصليب تريد أن تتذوق حب الآب، لذلك تطلب قائلة ليقبلني = وتقولها بصيغة المجهول، فهي تكلم عريسها المسيح الذي هو الطريق لكل نفس لكي تتذوق حب الآب (اف3:1-6) والابن هو الذي أعلن محبة الآب "فالابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خَبَّر". وقول النفس ليقبلني = نقارنه بقبلة الأب للابن الضال بعد رجوعه، فكأن النفس تطلب التأكد من الغفران وعودة المحبة الإلهية ولاحظ أنها لا تشبع من قبلة واحدة بل تطلب الكثير = قبلات فمه فهي تريد أن تفرح بحبه الأبوي وبأحضانه الأبوية. حبك أطيب من الخمر = هذه عن المسيح، والخمر تشير للفرح، وحب المسيح يسكر النفس فتنسى كل ما هو أرضي لتهيم في حب الله وحده. وحب المسيح قُدِّم على الصليب كسر فرح (إش1:63-4). لذلك كان الخمر يقدم مع الذبائح (لا13:23). حب النفس للمسيح هو حب عروس لعريسها.
يسهل على النفس تصور وتذوق حب المسيح، فقط تنظر للصليب. ولكن تذوق حب الآب يحتاج إلى عمق أكبر فخطايانا تعوق هذا التذوق. لذلك تطلب النفس هنا من عريسها أن يشفع لها بدمه لكي تتذوق محبة الآب الغافرة هذه التي تذوقها الابن الضال.
آية (3): "لرائحة أدهانك الطيبة اسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى."
لرائحة أدهانك الطيبة= ما نشتمه منك هو الحب والبذل والطاعة حتى الصليب. لذلك أحبتك العذارى. اسمك دهنٌ= هنا تلاعب جمالي بالألفاظ كما في (جا1:7). فبالعبرية (اسم Shem ودهن shemen). والإسم يدل على صاحبه فحينما نذكر اسم يهوذا نذكر الخيانة ، وحينما نذكر اسم يسوع نذكر محبته التي فاحت رائحتها في العالم كله، فنحن بذكر الاسم نذكر أعمال الشخص، وعمل المسيح له رائحة أزكى من كل رائحة، نذكره أمام الناس فيذكروا محبته فيفرحوا "محبوب هو اسمك يا رب فهو طول النهار تلاوتي" فالمسيح سكب كمال حبه على الصليب، سكب نفسه ففاحت رائحة طاعته واشتمها أبوه كرائحة عطرة (تك21:8 + لا9:1+ 13:1.. + 2كو15:2). فرائحة عمل المسيح الزكية كانت للآب ولنا.
أما الدهن فهو خليط من زيت وعطور وهو من أفضل التنعمات في أيام سليمان، وكان دهن المسحة يسكب على رأس رئيس الكهنة فينزل على لحيته (مز133). والزيت رمز للروح القدس، والعطور ترمز للمسيح ذو الرائحة الزكية. وحين حل الروح القدس على المسيح رأس الكنيسة يوم عماده كان هذا لحساب العروس (الكنيسة) لتفوح منها رائحة المسيح، فلحية هرون رئيس الكهنة تشير لشعب المسيح، كنيسته المجتمعة في حب (رو5:5 + 2كو15:2) ونلاحظ أن عمل الروح القدس هو أن يشهد للإبن (يو14:16، 15). والمسيح ممسوح بالدهن من قِبَل الآب لخلاصنا ليصير رئيس كهنة يقدم ذبيحة نفسه عنا (أع27:4). دهن مهراق= أي منسكب بفيض (يؤ28:2، 29). ونلاحظ أن الدهن مشبع ويمنح الجلد رطوبة، والروح القدس يعطي بمعرفة المسيح فرحاً وشبعاً. والعذارى= أي النفوس المكرسة للمسيح ولا تحب العالم، ولا تبيع نفسها لمحبة غريبة، فما أن قدم دمه على الصليب حتى إنجذبت له العذارى بمصابيحهن. وهكذا قال بولس الرسول "خطبتكم لأقدم عذراء" (2كو2:11). وفداء المسيح كان سبب إنسكاب الروح= اسمك دهن مهراق. فبعد الفداء إنسكب الروح على الكنيسة ليعطيها محبة للمسيح ويعطيها فرح.. يعرفها إسمه أي شخصه فتحبه وتشبع به وتفرح به فهو دهن مهراق. وقوله إسمك = عملك الفدائى القوى والعجيب الذي بسببه إنسكب الروح على الكنيسة
آية (4): "اجذبني وراءك فنجري أدخلني الملك إلى حجاله نبتهج ونفرح بك نذكر حبك اكثر من الخمر بالحق يحبونك."
فنجري= حين يجذب المسيح نفسًا تتحول لكارزة تجذب آخرين له (السامرية / زكا..) والسبب أن الناس يرون في هذه النفس جمالها بسبب المسيح الذي فيها فينجذبون كلهم للمسيح. ويجري الكل وراءه. والعروس سألت المسيح إجذبني والاستجابة كانت سريعة أدخلني الملك إلى حجاله= حقًا "اسألوا تعطوا" وحجاله أي بيت العرس المزين بالثياب والأسرة والستائر، وهذا يشير لعلاقة المخدع السرية بين المسيح والنفس البشرية. فمن أراد أن يصلي فليدخل إلى مخدعه، وماذا يجد هناك؟ نبتهج ونفرح بك. نذكر حبك.
آية (5): "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم كخيام قيدار كشقق سليمان."
الكنيسة توجه حديثها هنا لبنات أورشليم = فهن رأين تجاربها وألامها واضطهادها فظنوا أنها متروكة، بل رأوا فيها إنشقاق.. وبنات أورشليم يمثلن كل من لم يتذوق جمال العشرة مع المسيح وهي تقول لهم أنا سوداء وجميلة = هي سوداء بطبيعتها لأننا كلنا مولودين بالخطية، وهي سوداء بسبب تجاربها ومشاكلها كخيام قيدار= وقيدار كان إبناً لإسمعيل وكانت خيامهم لونها أسود من الخارج. ولكنها جميلة كشقق سليمان أي ستائر قصور سليمان الملونة، وهذه تظهر من الداخل "فكل مجد ابنة صهيون من داخل" سر جمالها الداخلي وجود المسيح فيها. وقبل الهيكل الذي أسسه سليمان كانت العبادة في خيمة الإجتماع حيث يسكن الله مع شعبه كسر جمال لهم. والخيمة خارجها جلود كباش محمرة وشقق سوداء من شعر المعيز الأسود، لكن من الداخل شقق ملونة . وهي بهذا ترد على بنات أورشليم القائلات "لماذا نأتي للمسيح بينما الحياة معه كلها وصايا وقيود وتجارب وألام". وكأنها تنادي مع داود "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب" الرب الذي يعطي في الداخل فرح ومجد وعزاء (2كو7:4-11+ 8:6-10). والنفس تذكر سوادها فتتضع وتذكر جمالها فلا تصغر نفسها نجد هنا الإتزان. وهكذا تضع الكنيسة في مقدمة كل صلاة، صلاة الشكر والمزمور الخمسون ففي صلاة الشكر نذكر عمل المسيح ونشكره لأنه أعطانا جمالاً وفي المزمور الخمسين نذكر سواد خطايانا والعجيب أنه إن وقفنا أمام المسيح باكين على سوادنا يرانا هو في جمال وجاذبية ويقول للنفس المنسحقة الباكية "حولي عني عينيك فأنهما قد غلبتاني" (نش5:6)
آية (6): "لا تنظرن إليَّ لكوني سوداء لأن الشمس قد لوحتني بنو أمي غضبوا علي جعلوني ناطورة الكروم أما كرمي فلم أنطره."
لا تنظرن إليَّ لكوني سوداء= أي لا تحكمن بحسب المظاهر. فالشمس قد لوحتني أي التجارب التي كالشمس حولت لوني للسواد، ولكن [1] هذا خارجياً فقط. [2] هو شيء وقتي، فبعد أن نبتعد من تحت الشمس (هذا العالم) سينتهي هذا اللون الأسود ويعود لنا لون بشرتنا الأصلي بل أبهى وذلك في جسدنا الممجد، فهناك نصير مثله لأننا سنراه كما هو (1يو2:3). "ويغير شكل جسد تواضعنا إلى صورة جسد مجده" (فى3: 21)..وجسد تواضعنا يستحسن ترجمتها وضاعتنا فهي بالإنجلبزية (our lowly body). بنو أمي = حين قامت الكنيسة المسيحية كان أول من هاجمها واضطهدها هم اليهود. وبعد هذا قام على الكنيسة كثير من الهراطقة الذي أذاقوها مرارة الإنقسام والخصومة. لقد جعل الله الكنيسة ناطورة الكروم = أي حارسة للكروم كلها فلم تحرس حتى كرمها وانشقت.
ملحوظة للخدام= هناك من يهتم بمخدوميه ولا يهتم بأن يرعى كرمه هو (حياته الروحية)
آية (7): "اخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى أين تربض عند الظهيرة لماذا أنا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك."
حينما تذكرت شدتها وسوادها وهياج الأعداء عليها، بحثت عن الراعي، المسيح الذي يقودها للمراعي الخضراء. يا من تحبه نفسي= فهي تحبه لأنه أحبها أولًا بالرغم من سوادها. وهو القادر أن يشبعها ويعزيها= أين ترعي. ويحميها= أين تربض وكلمة يربض تقال عن الأسد المستعد للإنقضاض على فريسته، ومسيحنا هو الأسد الخارج من سبط يهوذا يدافع عن كنيسته عروسه. وقت اشتداد التجارب= عند الظهيرة= عندما تشرق الشمس التي تلوحها. ونجد العروس هنا تلوم نفسها أنها في بعض الأحيان تترك راعيها الحقيقي وتكون كمقنعة عند قطعان أصحابك= كلمة مقنعة تعني من ترتدي قناعًا وبالتالي تكون غير قادرة على الرؤية جيدًا لذلك تترجم الكلمة أيضًا "تائهة" أو "مغشى عليها" أو في السبعينية "خفيفة" أي تهزها التعاليم الغريبة للآخرين، هي انجذبت وراء فكر آخر غير فكر المسيح الواحد، خرجت من كنيسته الواحدة الوحيدة وذهبت وراء قطعان آخرين، وهنا نجدها تلوم نفسها على ذلك. ومن انجذبت وراءهم يدَّعون أنهم أصحاب عريسها= قطعان أصحابك (1يو19:2، 22).
آية (8): "أن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء فاخرجي على آثار الغنم وارعي جداءك عند مساكن الرعاة."
إن لم تعرفي.... فاخرجي على آثار الغنم= كثيراً ما ندَّعي عدم المعرفة لذلك يقول العريس هنا ولماذا التوهان أيتها النفس وعندك في كنيستك الآباء والقديسين، ما عليك سوى أن تخرجي من نفسك وذاتك وإعجابك بكل ما هو جديد (وموضة) وسيري على أثار القديسين والأباء (عب7:13-9). لا تتركوا إيمان الأباء المسلم مرة للقديسين (يه 3، 4). أيتها الجميلة= سيتكرر وصف العريس لها بأنها جميلة وهذا لمحبة عريسها لها، بل لم نسمع طوال السفر كلمة توبيخ واحدة للعروس.
إرعي جداءك= عمل النفس التي عرفت المسيح أن تشهد أمام الخطاة = الجداء بأن عريسها غفر لها وأحبها. ولكن تقودهم لمساكن الرعاة= للكنيسة وليس للغرباء. والجداء لأن لونهم أسود فهم يشيرون للخطية.
آية (9): "لقد شبهتك يا حبيبتي بفرس في مركبات فرعون."
هي خلال جهادها ليست وحدها ضعيفة بل هي في حرب ولكنها قوية كفرس يقوده مسيحها (رؤ2:6) وهي في موكب (الكنيسة) ولكنها مازالت على الأرض لذلك قيل مركبات فرعون: [1] اشتهر فرعون بجودة جياده؛ [2] غرق فرسان فرعون في البحر الأحمر إشارة لموتنا ودفننا مع المسيح في المعمودية لنخرج منها فرسًا أبيض يقوده هو وليس فرعون؛ [3] الفرس مشهور بأنه يدخل المعارك بلا خوف (أي21:39)
آية (10): "ما اجمل خديك بسموط وعنقك بقلائد."
السموط= صنف من الجواهر = فإذ صارت النفس مسكنًا للروح القدس ينعكس جمال المسيح على وجهها أي خديها. وحين تغلب النفس يُلبِسها المسيح هذه الجواهر إذ جعلها ملكة. وعنقك بقلائد= كان عنقها غليظًا رافضًا أن ينقاد لله، والآن قبلت نيره، وهذا هو عمل الروح القدس الذي يبكت ويقنع. وإذ قبلت كافأها بقلادة هي روح الطاعة = وهذا هو عمل النعمة لمن يبدأ بالجهاد = التغصب، فبعد أن كان الإنسان يغصب نفسه ليطيع الوصية، جعلته النعمة يطيع الوصية بحريته، ليس جبراً بل لأنه تذوق حلاوة تنفيذ الوصية.
آية (11): "نصنع لك سلاسل من ذهب مع جمان من فضة."
نصنع = الثالوث هو المتكلم هنا. وهذه الآية تدل على رمزية السفر فلا يوجد عدة رجال يحبون امرأة واحدة. والسلاسل = تظهر من الخارج كأنها قيود ولكنها للجمال. فهي من ذهب= أي سماوية (القيود هي الالتزام بالوصايا والصلاة والصوم..) وقد التزمت العروس بها بالحب. وجمان= أجراس كالتي تعلق في سلسلة الشورية. والفضة ترمز لكلمة الله. فهذه النفس لها عمل تنبيه ووعظ الآخرين بكلمة الله (مز6:12).
آية (12): "ما دام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته."
الملك في مجلسه = هو ملك بصليبه على قلبي، ولما صار قلبي مجلسًا ومسكنًا له ويملك عليه، فاحت رائحته. وما يجعل رائحة النفس تفوح كناردين هو أن تقبل النفس أن تُسكب عن المسيح فتشترك معه في صليبه. وتظهر النفس كقابلة للصليب دائسة العالم مع عريسها. فرائحة العطر تفوح عندما تُكسر زجاجة الطيب.
آية (13): "صرة المر حبيبي لي بين ثديي يبيت."
المر = يشير للألم (بطعمه المر) ويشير للرائحة العطرة، فاحتمال الألم لأجل المسيح له رائحة عطرة. بين ثديي يبيت = على صدري بجانب قلبي يبيت. قلبي هو موضع راحته. هكذا كان يصنع يوحنا الحبيب. وما الذي يدفع النفس لتحتمل الألم والصليب؟
1- أن مسيحها تألم وكان صرة مرة (مملوء ألامًا) وبآلامه فاحت رائحة محبته حين فتحت هذه الصرة على الصليب، فملأ حبه قلبها لأنها شعرت بأن حبه أُعْلِنَ أولًا.
2- النفس شعرت بمحبة المسيح إذ فاحت رائحة حبه فملكته عليها، وعندما صار له مكانا في قلبها فاحت رائحته منها "لأننا رائحة المسيح الزكية" (2كو2: 15).
3- بعد أن صار المسيح داخل النفس صار ثدياها (العهد القديم والعهد الجديد) مصدرًا لتعليم كل الناس لتجذبهم لمسيحها. وهي قطعًا عزلت خطاياها من بين ثدييها (هو2:2).
4- كانت العادة أن الزوجة تعلق صورة زوجها الغائب في عنقها علامة محبتها وولائها له إذ تستقر صورته على صدرها. ومرة أخرى إذ ظهرت فيها صورة المسيح فاحت منها رائحته.
5- صرة المر أيضاً تشير لعادة عند البنات في تلك الأيام. إذ كن يلبسن صرة مر على صدورهن فيفوح منها رائحة عطرة (كان المر برائحته العطرة هو أشهر عطور ذلك الزمان) . هكذا كل من قبل المسيح وصليبه تفوح رائحته
آية (14): "طاقة فاغية حبيبي لي في كروم عين جدي."
طاقة = حزمة. فاغية = نبات نور الحناء. وله زهر رائحته طيبة جدًا وقد اشتهر وجود هذا النبات في عين جدي. ومازالت هذه العادة للعروس موجودة في مصر وبعض البلدان، أن تقبض العروس على حزمة من زهر الحناء ليلة عرسها فتصبغ يدها بلون أحمر ويصبح ليدها رائحة حلوة يوم زفافها. العروس هنا حملت علامات الصليب (اللون الأحمر) في يدها وصارت لها الرائحة الزكية (حمل الصليب).
آية (15): "ها أنت جميلة يا حبيبتي ها أنت جميلة عيناك حمامتان."
عيناك حمامتان=
[1] كحمامة نوح لا تستريح خارج الفلك (الفلك رمز الكنيسة جسد المسيح = تكون النفس ثابتة في المسيح وإن خرجت تعود فلا راحة لها خارجا)
[2] الروح القدس حَلَّ على المسيح على هيئة حمامة، لأن الحمام دائما يرجع إلى بيته كما عادت حمامة نوح إلى الفلك. وعمل الروح القدس معنا أن يثبتنا في جسد المسيح بواسطة الأسرار، وبيته نحن" (عب3: 6). وكلما نضل طريقنا بعيدا عن المسيح يعيدنا بالتبكيت بالإقناع وبالمعونة (يو16: 8 + رو8: 26). لذلك أخذ الروح القدس شكل حمامة يوم معمودية المسيح. ولذلك يسمى سر الميرون "سر التثبيت" فالروح يثبتنا في المسيح في المعمودية، وكلما نبتعد يعيدنا إلى بيتنا جسد المسيح.
[3] الحمامة بسيطة ووديعة. وبسيطة تعنى أن لها إتجاه واحد، أي قلب غير منقسم بين الله والعالم، النفس لها هدف واحد هو الله، وهذه النفس يسكن فيها المسيح نور العالم فتنير = "وإذا كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً" (مت22:6). وتأخذ شكل المسيح الوديع. تترجم بسيطة بالإنجليزية single hearted
[4] لهما استنارة بالروح القدس، الذي حَلَّ على المسيح على هيئة حمامة، والروح يجعلها تعاين السماويات (1كو2: 9 – 13).
[5] وكل من هو في المسيح يكون في نظر الله نفس لها جمالها يفرح بها = ها أنت جميلة
إذاً هذه النفس قد تحررت من الشهوات الجسدية وحملت السمات الروحية وصفاء النفس لذلك يدعوها ها أنت جميلة يا حبيبتي. هذه النفس هي التي حملت سمات المسيح وقبلت أن تشترك معه في صليبه. ولكن مازالت لهذه النفس خطاياها، ورغماً عن ذلك يراها الله جميلة.. كما قال الشاعر "عين المحب عن كل عيب كليلة". فالمحب لا يرى سوى الجمال في من يحبها. "عبدي أيوب رجل كامل".
آية (16): "ها أنت جميل يا حبيبي وحلو وسريرنا اخضر."
قال لها العريس عيناك حمامتان، فماذا أعطى الروح القدس لعيناها أن تراه؟ لقد رأت جمال عريسها ها أنت جميل= لقد أدركت أنه جميل، ومن جماله وحلاوته تجد النفس أنها مشتاقة أن تعطى كل القلب له، وتنفتح عيناها وتدرك أنه هو سر جمالها. بل هو مصدر كل قوة وكل قداسة فينا. لذلك لا يجب أن ننسب لأنفسنا أي شيء صالح فينا (يع17:1). سريرنا أخضر= نتيجة هذا الإدراك الروحي دخلت النفس مع مسيحها في إتحاد أعمق. والسرير هو الجسد الذي فيه تلتقي النفس مع الله، ويتحول الجسد لمكان يسكن فيه الله بل يرتاح فيه، جسدنا لم يعد ملك لنا ولم يعد مسكناً للنفس البشرية فقط، بل يسكن الله فيه، وهنا تظهر ثمار الروح القدس لذلك دُعِىَ السرير أخضر أي مثمر. لقد دعا بولس الرسول أجسادنا أنها أعضاء المسيح (1كو15:6) لأنها حملت إنعكاساً للوحدة الداخلية بين الكلمة الإلهي والنفس. لقد سبق المسيح وأخذ جسدنا فهو أخذ مالنا ليعطينا ماله، لقد صار جسدنا جسده، وصار جسده سرير لنا، إذ لنا فيه راحة، نحن نرتاح فيه وهو يرتاح فينا، نرى فيه إتحادنا معه. لقد أثمر جسد الرب طاعة للآب عوض عصياننا ونقاوة عوضاً عن نجاساتنا وغلبة على الشيطان عوضاً عن هزيمتنا. عموماً الخضرة علامة الحيوية والإثمار لأن النفس مجتمعة مع الله. وهذه الحيوية لجسدنا جاءت من ثبات حياة المسيح فينا "لي الحياة هي المسيح" (فى1: 21). ومن هو حي يثمر
آية (17): "جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو."
كنيسة المسيح تشبه هنا بالبيت. والبيت له أعمدة رأسية= الجوائز= وله عوارض أفقية= روافد. وتشير الأعمدة الرأسية غالبًا للكنيسة المنتصرة التي هي الآن في السماء، لذلك فالجوائز من أرز= وهذا عمره طويل (فإبراهيم وإسحق ويعقوب أحياء) ورائحته حلوة وهكذا سير أبائنا القديسين. وتشير العوارض الأفقية للكنيسة المجاهدة على الأرض ونلاحظ أنها من سرو وهو مشهور بقوته وأنه لا يهتز بالريح وهكذا ينبغي أن تكون كنيسة المسيح، فهي كنيسة قوية لا يستطيع أحد أن يحطمها، وينبغي أن يكون المؤمنين واثقين في حماية ربها لها فلا يهتزون مع أي رياح اضطهاد أو تعاليم غريبة. ونلاحظ أن البيت مكون من أعمدة رأسية ومن عوارض أفقية وهكذا صليب المسيح، فالمسيح بصليبه وحد السمائيين بالأرضيين. وصارت الكنيسة من قسمين، قسم رأسي، ممتد رأسيًا وهي الكنيسة المنتصرة وقسم أفقي ممتد أفقيًا في كل الأرض وهي الكنيسة المجاهدة.
ملخص الإصحاح الأول
سفر النشيد هو سفر المحبة
أولًا) هي محبة الله مثلث الأقانيم. الروح القدس (الدهن المهراق) يجذبنا للابن العريس ويثبتنا فيه، والابن إذ نتحد به كعروس مع عريسها، يحملنا لأحضان الآب فننعم بمحبته = قبلاته. وخطوات تنفيذ هذا:-
1. يبدأ عمل الروح القدس معنا بالأسرار.
2. يسكب الروح القدس محبة الله في قلوبنا (رو5:5). والمحبة تأتى بالمعرفة
3. يصور لنا الابن "يأخذ مما لي ويخبركم" (يو15:16) فننجذب له لأن محبته يسهل اكتشافها من حياته وصليبه فنجد محبته أطيب من الخمر
4. والروح القدس يثبتنا في الابن فنشتاق لأحضان الآب فيحملنا الابن لحضنه.
فالابن يستعلن الآب. وحينما نشعر بمحبة الآب نشتاق لمحبته الغافرة وأحضانه فنقول للابن عن الآب "ليقبلني بقبلات فمه". وهذه المحبة تربطنا بسلاسل محبة (آية11) وهذه السلاسل هي حفظ الوصية لأننا نحب الله (يو23:14) وهذه المحبة لا تقتصر على محبة الله بل
ثانيًا تمتد لمحبة الإخوة فنشتاق أن تنجذب العذارى لمحبة العريس (آية4،3). بل نكتشف في آخر الإصحاح أن المحبة هي لكل الكنيسة، الكنيسة المجاهدة (الروافد آية 17) والكنيسة المنتصرة في السماء (الجوائز آية 17). فهي كنيسة واحدة مرتبطة بالمحبة، نحن نصلي لمن في الأرض ومن في السماء وهم يتشفعون فينا.
والكنيسة تشبه بيتًا واحدًا يسكن فيه المسيح (سريرنا أخضر) فتكون الكنيسة مثمرة. ولكن كيف يسكن المسيح في الكنيسة. كان لا بُد من التجسد (موضوع الإصحاح القادم) ليموت المسيح بهذا التجسد ويقوم وتسكن حياته في الكنيسة "لي الحياة هي المسيح" (فى21:1).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق