مساء الخير علي الجميع اليوم سوف نفسر الاصحاح الثاني من سفر نشيد الانشاد
هذا الإصحاح يحدثنا عن التجسد. ونحن الآن أمام عريس وعروسه في بستان، بعدما مرَّ الشتاء، الذي يشير لبرودة العواطف. إذن هو التجسد لينهي برودة العواطف التي سادت في العهد القديم.
آية (1): "أنا نرجس شارون سوسنة الأودية."
نرجس شارون = شارون هو وادي قفر ضيق غير مأهول، كان يستخدم كطريق بين مصر وسوريا. وكان مملوءًا بهذا النرجس الممتاز الذي قال عنه المسيح "ولا سليمان كان يلبس كواحدة منها" وهذا النرجس ينمو طبيعيًا، لا أحد يتعب في زراعته، فلم يكن أحد ليتعب ويزرع في وادٍ ضيق غير مأهول وقفر ومُحْجِرْ. وهكذا السيد المسيح الذي أتى لهذا العالم دون زرع بشر، ليكون سوسنة الأودية = أو النرجس المملوء جمالًا فهو أبرع جمالًا من بني البشر، وَوُجِدَ وسط هذا العالم المملوء خطية، فالأودية أماكن محجرة.
آية (2): "كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات."
المسيح هو السوسن، وينعكس جماله علينا فتصير حبيبته كالسوسنة= فهي تحمل صورته. ولكنها ما زالت في وسط العالم تتألم من شهوات الجسد وآلام هذا العالم وحروب الشيطان ضدها والهرطقات التي تحاربها، وهموم الحياة وغناها ولذاتها (لو14:8) وقد تسقط في الخطية بسبب كل هذا، والعجيب أن عريسها حمل الشوك عنها.
آية (3): "كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين تحت ظله اشتهيت أن اجلس وثمرته حلوة لحلقي."
الكنيسة تشبه حبيبها بالتفاح بين شجر الوعر= شجر الوعر له شكل وجاذبية ولكنه بدون ثمر، شجر الوعر يشير للآلهة الكثيرة التي يعبدها الناس مثل شهوة البطن وحب المال وحب المديح والكرامة. ولكن كل هذه بدون ثمر، أما المسيح فهو وحده المشبع. آلهة العالم لا تروي ولا تشبع، بل "من يشرب من هذا الماء يعطش" أما المسيح فقد قدم لنا نفسه سر شبع. ولاحظ أن العريس مشبه بالتفاح وليس شجر التفاح، فالمسيح لم يعطنا أن نأكل من ثمره، بل أعطانا نفسه مأكلاً ومشرباً ليشبع نفوسنا. لذلك فالتفاح هنا إشارة للتجسد. تحت ظله اشتهيت أن أجلس= في العهد القديم جلسنا تحت ظل الموت إذ أكلنا من شجرة العصيان (العالم هو وادي ظل الموت إذ يموت الإنسان وهذا في أي لحظة مز23: 4) والآن في العهد الجديد جلسنا تحت ظل المسيح واهب الحياة إذ نأكل من جسده (إش9:51-14+ 16:51+ 2:49+ 2:32). فالمسيح مشبه بصخرة تحمينا من شمس ألام هذا العالم = تحت ظله . نتلذذ بالتأمل فيه = إشتهيت أن أجلس.
ثمرته حلوة لحلقي = الثمرة هي جسده الذي أعطانا لنأكله، فماذا أعطانا العالم؟!
ولاحظ أنها وسط الشوك مشغولة بعريسها وليس بالشوك. قيل عن الأشرار أن حنجرتهم قبر مفتوح، يخرج منها كلمات الموت والهلاك، أما عروس المسيح فحنجرتها وحلقها لا يوجد فيهما إلا كل ما هو حلو. وكلما تتذوق هذه الحلاوة تطلب الدخول إلى "بيت الخمر".
تأمل: في وسط تجارب وآلام هذا العالم ما أحلى أن يظلل علينا مسيحنا فنتعزى، ومن تذوق هذه التعزيات يقول "تحت ظله اشتهيت أن أجلس" ولا يعود يطلب تعزيات هذا العالم. وقوله أجلس إشارة للراحة الكاملة.
آية (4): "أدخلني إلى بيت الخمر وعلمه فوقي محبة."
بيت الخمر= هو المكان الذي يقدم فيه الطعام والشراب للمسافرين، هو الكنيسة التي تقدم لنا جسد المسيح ودمه كسر فرح، المسيح أدخلني لعلاقة كلها فرح، أدخلني لأعماق حب الله. وعلمهُ فوقي محبة= الصورة هنا أن العريس أخذ عروسته إلى داخل بيت ليعطيها أن تتذوق محبته التي كالخمر ووضع علمهُ فوق هذا البيت فما هو هذا العلم؟
1- علامة ملكية الله لهذه النفس.
2- علامة حلوله في بيته الملكي (القلب) فحيثما يوجد الملك ترفع رايته.
3- علامة حمايته لهذا المكان فلا يستطيع أحد أن يعتدي على مكان مرفوع عليه علم ملك قوي.
4- حول العلم تجتمع جيوش الملك لتحارب. والله هو رب الجنود. ونفس حبيبته هي أيضًا نفس مجاهدة محاربة بل هي مرهبة كجيش بألوية (نش10:6).
آية (5): "اسندوني بأقراص الزبيب أنعشوني بالتفاح فأني مريضة حبًا."
لقد تذوقت النفس حب عريسها، ولكنها أدركت الثمن الباهظ لما هي فيه من فرح فقالت أنها مريضة حباً= وفي ترجمة أخرى "مجروحة حباً" فهي حين رأت جراحات المحب وجدت نفسها وكأنها جرحت بهذا الحب. والعجيب أنها تطلب اسندوني بأقراص الزبيب أنعشوني بالتفاح= فهل الزبيب والتفاح يداويان جراحات الحب؟! هذه لا يمكن فهمها سوى رمزياً. فصرخات النفس التي إكتشفت حب المسيح العجيب هي صرخات طالبة أن تعرف المزيد عن حبه وعن شخصه، هي تطلب أن تدخل في الشركة معه والإتحاد به بالأكثر، والإتحاد به يفرح قلبه فلهذا هو تجسد وصلب وقام، ليقدم نفسه ذبيحة حية نتحد به، وهي تطلب هذا الإتحاد لتفرح قلبه فهذا هو ما يريده. وهي تطلب التناول الذي يفتح عينيها على حبيبها أكثر كسر إنتعاش روحي. فالزبيب نحصل منه على الخمر ويشير للدم. والتفاح يشير للجسد (آية3). والإتحاد بالمسيح يعطينا معرفة أعمق ليست معرفة سطحية بل معرفة من خلال الإتحاد. وكلما ثبتنا فيه وإتحدنا به هو يفرح ويشبع (إش53: 11)، ونحن نفرح بالأكثر.
آية (6): "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني."
شماله= هي يد العناية الإلهية التي تؤدب وتقطع فينا محبة الأرضيات والزمنيات. ويمينه= هي يد النعمة التي تحتضن وسط الألم لتعزي وتترفق، وتعطينا أن نرى ونفرح بالسماويات فنشتاق إليها. الشمال تسمح بالتجربة وتسمح بالجرح، واليمين تعصب وتجذب للسماويات (الله سمح بشماله أن يلقي الثلاثة فتية في النار وبيمينه أتي وحل وسطهم). ولاحظ المنظر أننا في التجربة نحن في أحضان الله، فالله يحيطنا بمحبته، ويعانقنا بكلتا يديه فمن يحبه الرب يؤدبه (عب12: 6). إذًا فالتجربة هي علامة حب من الله.
آية (7): "أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقول ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء."
في آية (9) شبهت العروس عريسها "بالظبي وغفر الأيائل" ولأن عريسها هو أثمن شيء عندها، وله هذه الصفات، فهي تُحَلِّفْ بنات أورشليم بأغلى ما عندهم أي ما له نفس الصفات، أن لا تيقظن الحبيب= هي لا تريد لأحد أن يقطع هذه الشركة ويحرمها من هذا الفرح. هذه مثل قول بطرس "جيد يا رب أن نكون ههنا" وهذه الآية لا يمكن فهمها حرفيًا، أي بين عروس وعريسها من أهل العالم، فهل عمل بنات أورشليم أي صاحبات العروس أن يدخلن للعريس ليوقظوه، وهل العروس هي التي تطلب هذا وأحيانًا تطلب ألاّ يوقظوه كما هو الحال هنا. هذا صوت النفس التي تحيا في فرح مع المسيح وتطلب أن لا ينتهي هذا الفرح بسبب أي إزعاج عالمي. وهذا صوت الكنيسة تدعو أولادها ألا يزعجن المسيح المستريح في قلوبهم بخطاياهم. هذه دعوة الكنيسة "لا تحزنوا الروح" راجع تفسير الآية (9:7).
آية (8): "صوت حبيبي هوذا آت طافرًا على الجبال قافزا على التلال."
هذه الآية تفهم بطريقتين، تقولها النفس في العهد القديم، وتقولها النفس الآن:
1- كانت النفس في العهد القديم تحس أن حبيبها قادم، بل هو مشتاق للتجسد (إش4:27، 5) هي تتعرف على صوته من بعيد، وتشعر أنه آتٍ بسرعة (سرعة الله ليست مثل سرعة البشر فالله يعرف أنسب وقت، ويعد كل شيء بحكمته، لذلك قيل أن المسيح أتى في ملء الزمان والمسيح قال ليوحنا ها أنا أتي سريعًا (رؤ20:22). ولم يأتي للآن، فلم يأتي ملء الزمان لهذا) وكيف تعرفت النفس في العهد القيم على صوت عريسها وأنه سيأتي هي شعرت بهذا من النبوات (الجبال= الشريعة والتلال= النبوات) كما رأي إبراهيم هذا اليوم وفرح، ومن فهم النبوات قالت النفس في العهد القديم مع إشعياء النبي "ليتك تشق السموات وتنزل" (إش64: 1).
2- مازالت النفس في العهد الجديد بدراستها للكتاب المقدس ترى المسيح. والجبال الآن هي العهد الجديد والتلال هي العهد القديم. وتترنم النفس "رفعت عينيَّ إلى الجبال من حيث يأتي عوني" وتتأمل في الكتاب المقدس كلمة الله فينكشف لها المسيح كلمة الله، وأنه يحبها وأعد لها مكانًا، وأنه آتٍ ليأخذها للمجد، والنفس مشتاقة ليوم يأتي عريسها ليأخذها فتقول مع القديس يوحنا "آمين تعال أيها الرب يسوع".
وهذه الآية قد تقولها النفس التي تسمع صوت الله يناديها. والله في كثير من الأوقات يدعونا لنستجيب له كما دعا إبراهيم ليترك أور بوثنيتها، وكما دعا لوط من سدوم بسبب خطيتها وقبل أن يدمرها. ومازال صوت الله في أذن كل منا أن "اهرب لحياتك" واترك هذا المكان المعثر الذي يفصلك عن الله. وصوت الله قد يأتي بالتوبيخ كما حدث مع إيليا وهو هارب من وجه إيزابل الملكة، وقد يأتي بالتشجيع كما أتى لزكا "يا زكا ينبغي أن أكون اليوم في بيتك" وقد يأتي بالإنذار "في هذه الليلة تؤخذ نفسك".
آية (9): "حبيبي هو شبيه بالظبي أو بغفر الأيائل هوذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى يوصوص من الشبابيك."
جاء حبيبها حاملًا طبيعتنا الإنسانية ومختفيًا وراء حائطنا الإنساني أي الجسد= هوذا واقف وراء الحائط. وهو يتطلع من الكوي= أي يظهر نفسه من خلال شبابيك ضيقة. ويوصوص من الشبابيك= يوصوص أي يعمل خرقًا في الستر بمقدار عين تنظر منه. فهو أظهر مجد لاهوته من خلال جسده الإنساني بقدر ما يحتمل الإنسان وكان ذلك مثلًا في التجلي وفي سلطانه على كل شيء (الطبيعة والشيطان والأمراض والموت بل وفي الخلق فهو خلق عينين للمولود أعمى)، وفي النهاية قام هو من الموت. فرأينا مجده كما في لغز كما في مرآة. ولكن في الدهر الآتي سنراه كما هو (1كو12:13+ 1يو2:3) إذًا في التجلي كان المسيح يوصوص ويظهر لاهوته بمقدار بسيط. شبيه بالظبي= عين الظبي حادة. وغفر الأيائل= أي الأيائل الصغيرة. وهذه تشتهر بأنها سريعة. ترى الحيات من بعيد فتجري إليها وتدوسها بأقدامها، وبسبب هذه المعركة تعطش فتجري فرحة لمجاري المياه لتشرب (مز1:42). وكل هذا يشير لعمل السيد المسيح الذي تجسد وصار طفلًا (غفر الأيائل) ليدوس على عدونا الشيطان (الحية القديمة) ويعطينا الماء الحي الروح القدس، الذي يشرب منه لا يعطش أبدًا. وهو لا يحكم بحسب المظهر (إش3:11) بل هو يعرف كل شيء (النظر القوي) بل هو فاحص القلوب والكلى. بل أعطانا نفس السلطان، أن ندوس على الحيات والعقارب، ونرى السماويات ونشتاق إليها، ونرى خداعات الخطية فنهرب منها.
آية (10): "أجاب حبيبي وقال لي قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي."
هذه الآية موجهة لكل نفس بدأت تتعرف على المسيح، من خلال الكتاب المقدس أو كلمة الله عمومًا، وبدأ المسيح يوصوص لها، لكنها مازالت مترددة وخائفة شاعرة أنها ضعيفة وأن الخطية أقوى منها. هنا نجد العريس يطمئن عروسه، بأن تجسده أعطاها قيامة ونصرة على الخطية، هو يبشرها "ثقي أنا قد غلبت العالم" فتعالي وتذوقي حياة القيامة. قومي فبداية الطريق القيامة من موت الخطية. وتَعَاَلىْ= إرجعي إليَّ.
آية (11): "لأن الشتاء قد مضى والمطر مر وزال."
الشتاء= قد يشير:-
[1] نهاية العهد القديم وظهور شمس البر.
[2] شتاء خارجي أي تجارب محيطة بالنفس ولكن أين التعزيات التي ذكرناها في (آية 6) ... لماذا لم تتعزى هذه النفس أثناء التجارب؟
لأن هذه النفس كانت تعترض على التجارب وتتذمر على الله. ومثل هذه النفس صدقت كذب الشيطان أن الله يكرهها، وصارت لا تؤمن بأن الله صانع خيرات، وهذا يفقد النفس تعزياتها. فبدون إيمان لا يمكن إرضاء الله (عب6:11). لكن النفس الواثقة في عريسها وأنه صانع الخيرات فتحيا حياة التسليم في يد من أحبها فأحبته، تفرح بالتعزيات. والتسليم معناه أن ما يسمح به الله هو للخير (رو28:8). والشتاء مضى = هذه تعنى هنا أن النفس تصالحت مع الله وفهمت أنه صانع خيرات وأن التجارب كانت للتنقية فكفت عن التذمر على الله.
[3] شتاء داخلي أي برودة المشاعر "تركت النفس محبتها الأولى" (رؤ2: 4) وبرودة المشاعر هذه أتت نتيجة عواصف الشهوات وإضطرابات الرذائل. ونهاية الشتاء تشير لرجوع النفس للمسيح بالتوبة وقطعا حسب وعد الله فهو يقبل النفس التائبة . ويصبح الشتاء مضى إشارة لإنتهاء غضب السماء على هذه النفس. والمطر= يشير هنا للأوحال والزوابع. ولاحظ أن الأمطار تشير للروح القدس إذا أتت من عند الله. بينما هنا تشير للملذات العالمية التي يعطيها رئيس هذا العالم. والتي تجعل النفس تسقط في طين هذا العالم مبتعدة عن الله. والنفس التي عرفت المسيح ما عادت تضطرب بكل رياح تعاليم غريبة ولا تنجذب للشهوات الخاطئة.
والمسيح يدعو كل نفس... كفاك بروداً بعيداً عني، فلقد جئت لأصالحك على الآب.
آية (12): "الزهور ظهرت في الأرض بلغ أوان القضب وصوت اليمامة سمع في أرضنا."
الزهور ظهرت في الأرض= الأرض ترمز للجسد المأخوذ من تراب الأرض، وحين تروي الأرض بأمطار الروح القدس، تظهر ثمار الروح. وقد تشير الثمار للفضائل الداخلية والزهور للمظهر الخارجي (غل22:5). وأوان القضب= القضب هو تقليم الأشجار التي اخضرت وأثمرت وهذا يشير لصليب التجارب التي تكمل النفس. وصوت اليمامة= اليمام طائر يحب الوحدة والعزلة ولا يحب الزحام وصوته حزين. وهذا يشير للكنيسة التي اعتزلت العالم (بخطاياه) مقدمة كرازة للعالم كله= سُمِعَ في أرضنا. وصوت تسبيحها فيه بكاء التوبة وليس تهليل العالم.
آية (13): "التينة أخرجت فجها وقعال الكروم تفيح رائحتها قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي."
الفج= براعم ثمار التين. القعال= الحصرم وهو العنب في بدايته. فالكنيسة بدأت إثمارها ومعنى الآية أن النفس أو الكنيسة بمجيء المسيح وتعرفها عليه، بعد أن كانت شجرة ميتة بدأت تظهر فيها الثمار (الكنيسة بمجيء المسيح صارت مثمرة، وكل نفس تتعرف على المسيح تصير مثمرة). ولاحظ الترتيب. قومي= اتركي موت الخطية. يا حبيبتي= من يسمع الوصية يحبه الله يا حمامتي = امتلاء بالروح ورجوع النفس للثبات في المسيح.
وأيضًا هنا نرى أهمية القضب. فالثمار ظهرت بعد القضب المذكور في آية (12).
آية (14): "يا حمامتي في محاجئ الصخر في ستر المعاقل أريني وجهك اسمعيني صوتك لأن صوتك لطيف ووجهك جميل."
المحاجئ= نقر في الصخر= فالمسيح صخرتنا نختبئ فيه كما اختفى موسى في نقرة الصخرة ليرى مجد الله. والنقرة تشير لجنبه المطعون. والإشارة هنا لنوع من الحمام يختبئ في الصخور العالية ويسمى حمام الصخور. والنفس هنا مشبهة بحمامة لأنها تختبئ في بيتها الذي هو المسيح صخرتها. ولاحظ أنها في الآية (12) قال عنها يمامة إذ إعتزلت شرور العالم ونجدها هنا تختفى فيه.
المعاقل= الجرف أو منحدر صخرى شاهق. ستر المعاقل = ستر جاءت في الإنجليزية الأماكن السرية، والمعنى أننا في العالم بإغراءاته نحن معرضين للسقوط والإنحدار، والمسيح يقدم نفسه كحصن وصخرة نلتجئ له ونحتمي فيه وهو يستر علينا إن كنا نلجأ له ويكون لنا معه علاقة في المخدع فيها يعلن لنا السماويات فنحبها ونزهد في إغراءات الأماكن المنحدرة. أريني وجهك= لا تديري لي القفا بل إثبتى فىَّ. اسمعيني صوتك= كم يفرح الله بصلاتنا وتسابيحنا. وجهك جميل= يحمل صورة المسيح.
آية (15): "خذوا لنا الثعالب الثعالب الصغار المفسدة الكروم لأن كرومنا قد اقعلت."
الثعالب الثعالب الصغار= تكرار كلمة الثعالب هي للتحذير. والثعالب الصغار تدخل من الثقوب الصغيرة فتفسد الكرم في بداية نموه، هذه هي الخطايا الصغيرة التي نسمح بها إذ نشعر أنها صغيرة (كذب أبيض/ أصدقاء ظرفاء لكن كلامهم معثر....) فالشيطان الخبيث يقدم لنا الخطايا البسيطة ليقودنا للخطايا الكبيرة، فيهدم العلاقة الحلوة مع الله، والخطايا الصغيرة لا تظهر إلا وسط الانتعاش الروحي، وهذا ما حدث لهذه النفس التي بدأت براعم الثمار تظهر فيها، الثعالب الصغيرة قد تكون الأفكار التي هي الخطوة الأولى التي تقود للخطية، والثعالب مشهورة بالخداع، فما يقدم لهذه النفس يخدعها بأن هذه الخطية صغيرة ولن تغضب الله. ولكنها للأسف تفسد الكروم= أي تجعل النفس تخرج سلامها وفرحها. بعد أن كانت ثمار الروح (فرح..) قد ظهرت. ولنذكر قصة شمشون حين أحرق الثعالب (قض1:15-8)، فحين أحرق الثعالب كان من الممكن أن يضرب الفلسطينيين (الخطايا الكبيرة). فلنحذر من الخطايا الصغيرة والله سيحفظنا من الكبيرة. لكن لماذا لم يطلب أن نترك الخطايا الكبيرة. إبليس يتعامل بحكمة شيطانية فهو قطعًا إذا أراد إسقاط إنسان له ثماره الحلوة (آيات12-14) لن يبدأ بالخطايا الكبيرة فهو قطعًا سيرفضها، لكنه يبدأ بالخطايا البسيطة ومن يقبلها يصل معه للكبيرة "الهفوات من يشعر بها ومن الخطايا المستترة يا رب أبرئني".
وأقعلت تعني ظهر الحصرم فيها أي بدأت الإثمار.
آية (16): "حبيبي لي وأنا له الراعي بين السوسن."
نجد النفس هنا وقد إستجابت سريعاً لدعوة عريسها حين قال لها "قومي".
حبيبي لي= النفس هنا إكتشفت ما قدمه المسيح عريسها لها، فهو قدَّم نفسه لها. فقالت وأنا له = وما أحلى أن تُقَدَّم النفس كلها لله، يقدم الإنسان نفسه لله. المسيح قدم جسده لعروسه وهي تقدم له جسدها ذبيحة حية (رو1:12).
وأنا له الراعي بين السوسن= إذا إجتمع اثنين أو ثلاثة بإسمي فأنا أكون في وسطهم. ولاحظ أن الكنيسة صارت "سوسن" مثل عريسها، فهي صارت على شبهه.
آية (17): "إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ارجع وأشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الأيائل على الجبال المشعبة."
الآن نحن على الجبال المشعبة في هذا العالم، أي في حياة التجارب والآلام. وتترجم أيضًا "جبال الانفصال" فنحن ما زلنا لا نتمتع بعريسنا بالكامل. حتى يفيح النهار= نهار الحياة الأبدية. إرجع= هي شهوة النفس لأن يأتي المسيح في مجيئه الثاني بعد أن تذوقت حلاوة القيامة الأولى.
والمجد للة دائما
هذا الإصحاح يحدثنا عن التجسد. ونحن الآن أمام عريس وعروسه في بستان، بعدما مرَّ الشتاء، الذي يشير لبرودة العواطف. إذن هو التجسد لينهي برودة العواطف التي سادت في العهد القديم.
آية (1): "أنا نرجس شارون سوسنة الأودية."
نرجس شارون = شارون هو وادي قفر ضيق غير مأهول، كان يستخدم كطريق بين مصر وسوريا. وكان مملوءًا بهذا النرجس الممتاز الذي قال عنه المسيح "ولا سليمان كان يلبس كواحدة منها" وهذا النرجس ينمو طبيعيًا، لا أحد يتعب في زراعته، فلم يكن أحد ليتعب ويزرع في وادٍ ضيق غير مأهول وقفر ومُحْجِرْ. وهكذا السيد المسيح الذي أتى لهذا العالم دون زرع بشر، ليكون سوسنة الأودية = أو النرجس المملوء جمالًا فهو أبرع جمالًا من بني البشر، وَوُجِدَ وسط هذا العالم المملوء خطية، فالأودية أماكن محجرة.
آية (2): "كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات."
المسيح هو السوسن، وينعكس جماله علينا فتصير حبيبته كالسوسنة= فهي تحمل صورته. ولكنها ما زالت في وسط العالم تتألم من شهوات الجسد وآلام هذا العالم وحروب الشيطان ضدها والهرطقات التي تحاربها، وهموم الحياة وغناها ولذاتها (لو14:8) وقد تسقط في الخطية بسبب كل هذا، والعجيب أن عريسها حمل الشوك عنها.
آية (3): "كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين تحت ظله اشتهيت أن اجلس وثمرته حلوة لحلقي."
الكنيسة تشبه حبيبها بالتفاح بين شجر الوعر= شجر الوعر له شكل وجاذبية ولكنه بدون ثمر، شجر الوعر يشير للآلهة الكثيرة التي يعبدها الناس مثل شهوة البطن وحب المال وحب المديح والكرامة. ولكن كل هذه بدون ثمر، أما المسيح فهو وحده المشبع. آلهة العالم لا تروي ولا تشبع، بل "من يشرب من هذا الماء يعطش" أما المسيح فقد قدم لنا نفسه سر شبع. ولاحظ أن العريس مشبه بالتفاح وليس شجر التفاح، فالمسيح لم يعطنا أن نأكل من ثمره، بل أعطانا نفسه مأكلاً ومشرباً ليشبع نفوسنا. لذلك فالتفاح هنا إشارة للتجسد. تحت ظله اشتهيت أن أجلس= في العهد القديم جلسنا تحت ظل الموت إذ أكلنا من شجرة العصيان (العالم هو وادي ظل الموت إذ يموت الإنسان وهذا في أي لحظة مز23: 4) والآن في العهد الجديد جلسنا تحت ظل المسيح واهب الحياة إذ نأكل من جسده (إش9:51-14+ 16:51+ 2:49+ 2:32). فالمسيح مشبه بصخرة تحمينا من شمس ألام هذا العالم = تحت ظله . نتلذذ بالتأمل فيه = إشتهيت أن أجلس.
ثمرته حلوة لحلقي = الثمرة هي جسده الذي أعطانا لنأكله، فماذا أعطانا العالم؟!
ولاحظ أنها وسط الشوك مشغولة بعريسها وليس بالشوك. قيل عن الأشرار أن حنجرتهم قبر مفتوح، يخرج منها كلمات الموت والهلاك، أما عروس المسيح فحنجرتها وحلقها لا يوجد فيهما إلا كل ما هو حلو. وكلما تتذوق هذه الحلاوة تطلب الدخول إلى "بيت الخمر".
تأمل: في وسط تجارب وآلام هذا العالم ما أحلى أن يظلل علينا مسيحنا فنتعزى، ومن تذوق هذه التعزيات يقول "تحت ظله اشتهيت أن أجلس" ولا يعود يطلب تعزيات هذا العالم. وقوله أجلس إشارة للراحة الكاملة.
آية (4): "أدخلني إلى بيت الخمر وعلمه فوقي محبة."
بيت الخمر= هو المكان الذي يقدم فيه الطعام والشراب للمسافرين، هو الكنيسة التي تقدم لنا جسد المسيح ودمه كسر فرح، المسيح أدخلني لعلاقة كلها فرح، أدخلني لأعماق حب الله. وعلمهُ فوقي محبة= الصورة هنا أن العريس أخذ عروسته إلى داخل بيت ليعطيها أن تتذوق محبته التي كالخمر ووضع علمهُ فوق هذا البيت فما هو هذا العلم؟
1- علامة ملكية الله لهذه النفس.
2- علامة حلوله في بيته الملكي (القلب) فحيثما يوجد الملك ترفع رايته.
3- علامة حمايته لهذا المكان فلا يستطيع أحد أن يعتدي على مكان مرفوع عليه علم ملك قوي.
4- حول العلم تجتمع جيوش الملك لتحارب. والله هو رب الجنود. ونفس حبيبته هي أيضًا نفس مجاهدة محاربة بل هي مرهبة كجيش بألوية (نش10:6).
آية (5): "اسندوني بأقراص الزبيب أنعشوني بالتفاح فأني مريضة حبًا."
لقد تذوقت النفس حب عريسها، ولكنها أدركت الثمن الباهظ لما هي فيه من فرح فقالت أنها مريضة حباً= وفي ترجمة أخرى "مجروحة حباً" فهي حين رأت جراحات المحب وجدت نفسها وكأنها جرحت بهذا الحب. والعجيب أنها تطلب اسندوني بأقراص الزبيب أنعشوني بالتفاح= فهل الزبيب والتفاح يداويان جراحات الحب؟! هذه لا يمكن فهمها سوى رمزياً. فصرخات النفس التي إكتشفت حب المسيح العجيب هي صرخات طالبة أن تعرف المزيد عن حبه وعن شخصه، هي تطلب أن تدخل في الشركة معه والإتحاد به بالأكثر، والإتحاد به يفرح قلبه فلهذا هو تجسد وصلب وقام، ليقدم نفسه ذبيحة حية نتحد به، وهي تطلب هذا الإتحاد لتفرح قلبه فهذا هو ما يريده. وهي تطلب التناول الذي يفتح عينيها على حبيبها أكثر كسر إنتعاش روحي. فالزبيب نحصل منه على الخمر ويشير للدم. والتفاح يشير للجسد (آية3). والإتحاد بالمسيح يعطينا معرفة أعمق ليست معرفة سطحية بل معرفة من خلال الإتحاد. وكلما ثبتنا فيه وإتحدنا به هو يفرح ويشبع (إش53: 11)، ونحن نفرح بالأكثر.
آية (6): "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني."
شماله= هي يد العناية الإلهية التي تؤدب وتقطع فينا محبة الأرضيات والزمنيات. ويمينه= هي يد النعمة التي تحتضن وسط الألم لتعزي وتترفق، وتعطينا أن نرى ونفرح بالسماويات فنشتاق إليها. الشمال تسمح بالتجربة وتسمح بالجرح، واليمين تعصب وتجذب للسماويات (الله سمح بشماله أن يلقي الثلاثة فتية في النار وبيمينه أتي وحل وسطهم). ولاحظ المنظر أننا في التجربة نحن في أحضان الله، فالله يحيطنا بمحبته، ويعانقنا بكلتا يديه فمن يحبه الرب يؤدبه (عب12: 6). إذًا فالتجربة هي علامة حب من الله.
آية (7): "أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقول ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء."
في آية (9) شبهت العروس عريسها "بالظبي وغفر الأيائل" ولأن عريسها هو أثمن شيء عندها، وله هذه الصفات، فهي تُحَلِّفْ بنات أورشليم بأغلى ما عندهم أي ما له نفس الصفات، أن لا تيقظن الحبيب= هي لا تريد لأحد أن يقطع هذه الشركة ويحرمها من هذا الفرح. هذه مثل قول بطرس "جيد يا رب أن نكون ههنا" وهذه الآية لا يمكن فهمها حرفيًا، أي بين عروس وعريسها من أهل العالم، فهل عمل بنات أورشليم أي صاحبات العروس أن يدخلن للعريس ليوقظوه، وهل العروس هي التي تطلب هذا وأحيانًا تطلب ألاّ يوقظوه كما هو الحال هنا. هذا صوت النفس التي تحيا في فرح مع المسيح وتطلب أن لا ينتهي هذا الفرح بسبب أي إزعاج عالمي. وهذا صوت الكنيسة تدعو أولادها ألا يزعجن المسيح المستريح في قلوبهم بخطاياهم. هذه دعوة الكنيسة "لا تحزنوا الروح" راجع تفسير الآية (9:7).
آية (8): "صوت حبيبي هوذا آت طافرًا على الجبال قافزا على التلال."
هذه الآية تفهم بطريقتين، تقولها النفس في العهد القديم، وتقولها النفس الآن:
1- كانت النفس في العهد القديم تحس أن حبيبها قادم، بل هو مشتاق للتجسد (إش4:27، 5) هي تتعرف على صوته من بعيد، وتشعر أنه آتٍ بسرعة (سرعة الله ليست مثل سرعة البشر فالله يعرف أنسب وقت، ويعد كل شيء بحكمته، لذلك قيل أن المسيح أتى في ملء الزمان والمسيح قال ليوحنا ها أنا أتي سريعًا (رؤ20:22). ولم يأتي للآن، فلم يأتي ملء الزمان لهذا) وكيف تعرفت النفس في العهد القيم على صوت عريسها وأنه سيأتي هي شعرت بهذا من النبوات (الجبال= الشريعة والتلال= النبوات) كما رأي إبراهيم هذا اليوم وفرح، ومن فهم النبوات قالت النفس في العهد القديم مع إشعياء النبي "ليتك تشق السموات وتنزل" (إش64: 1).
2- مازالت النفس في العهد الجديد بدراستها للكتاب المقدس ترى المسيح. والجبال الآن هي العهد الجديد والتلال هي العهد القديم. وتترنم النفس "رفعت عينيَّ إلى الجبال من حيث يأتي عوني" وتتأمل في الكتاب المقدس كلمة الله فينكشف لها المسيح كلمة الله، وأنه يحبها وأعد لها مكانًا، وأنه آتٍ ليأخذها للمجد، والنفس مشتاقة ليوم يأتي عريسها ليأخذها فتقول مع القديس يوحنا "آمين تعال أيها الرب يسوع".
وهذه الآية قد تقولها النفس التي تسمع صوت الله يناديها. والله في كثير من الأوقات يدعونا لنستجيب له كما دعا إبراهيم ليترك أور بوثنيتها، وكما دعا لوط من سدوم بسبب خطيتها وقبل أن يدمرها. ومازال صوت الله في أذن كل منا أن "اهرب لحياتك" واترك هذا المكان المعثر الذي يفصلك عن الله. وصوت الله قد يأتي بالتوبيخ كما حدث مع إيليا وهو هارب من وجه إيزابل الملكة، وقد يأتي بالتشجيع كما أتى لزكا "يا زكا ينبغي أن أكون اليوم في بيتك" وقد يأتي بالإنذار "في هذه الليلة تؤخذ نفسك".
آية (9): "حبيبي هو شبيه بالظبي أو بغفر الأيائل هوذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى يوصوص من الشبابيك."
جاء حبيبها حاملًا طبيعتنا الإنسانية ومختفيًا وراء حائطنا الإنساني أي الجسد= هوذا واقف وراء الحائط. وهو يتطلع من الكوي= أي يظهر نفسه من خلال شبابيك ضيقة. ويوصوص من الشبابيك= يوصوص أي يعمل خرقًا في الستر بمقدار عين تنظر منه. فهو أظهر مجد لاهوته من خلال جسده الإنساني بقدر ما يحتمل الإنسان وكان ذلك مثلًا في التجلي وفي سلطانه على كل شيء (الطبيعة والشيطان والأمراض والموت بل وفي الخلق فهو خلق عينين للمولود أعمى)، وفي النهاية قام هو من الموت. فرأينا مجده كما في لغز كما في مرآة. ولكن في الدهر الآتي سنراه كما هو (1كو12:13+ 1يو2:3) إذًا في التجلي كان المسيح يوصوص ويظهر لاهوته بمقدار بسيط. شبيه بالظبي= عين الظبي حادة. وغفر الأيائل= أي الأيائل الصغيرة. وهذه تشتهر بأنها سريعة. ترى الحيات من بعيد فتجري إليها وتدوسها بأقدامها، وبسبب هذه المعركة تعطش فتجري فرحة لمجاري المياه لتشرب (مز1:42). وكل هذا يشير لعمل السيد المسيح الذي تجسد وصار طفلًا (غفر الأيائل) ليدوس على عدونا الشيطان (الحية القديمة) ويعطينا الماء الحي الروح القدس، الذي يشرب منه لا يعطش أبدًا. وهو لا يحكم بحسب المظهر (إش3:11) بل هو يعرف كل شيء (النظر القوي) بل هو فاحص القلوب والكلى. بل أعطانا نفس السلطان، أن ندوس على الحيات والعقارب، ونرى السماويات ونشتاق إليها، ونرى خداعات الخطية فنهرب منها.
آية (10): "أجاب حبيبي وقال لي قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي."
هذه الآية موجهة لكل نفس بدأت تتعرف على المسيح، من خلال الكتاب المقدس أو كلمة الله عمومًا، وبدأ المسيح يوصوص لها، لكنها مازالت مترددة وخائفة شاعرة أنها ضعيفة وأن الخطية أقوى منها. هنا نجد العريس يطمئن عروسه، بأن تجسده أعطاها قيامة ونصرة على الخطية، هو يبشرها "ثقي أنا قد غلبت العالم" فتعالي وتذوقي حياة القيامة. قومي فبداية الطريق القيامة من موت الخطية. وتَعَاَلىْ= إرجعي إليَّ.
آية (11): "لأن الشتاء قد مضى والمطر مر وزال."
الشتاء= قد يشير:-
[1] نهاية العهد القديم وظهور شمس البر.
[2] شتاء خارجي أي تجارب محيطة بالنفس ولكن أين التعزيات التي ذكرناها في (آية 6) ... لماذا لم تتعزى هذه النفس أثناء التجارب؟
لأن هذه النفس كانت تعترض على التجارب وتتذمر على الله. ومثل هذه النفس صدقت كذب الشيطان أن الله يكرهها، وصارت لا تؤمن بأن الله صانع خيرات، وهذا يفقد النفس تعزياتها. فبدون إيمان لا يمكن إرضاء الله (عب6:11). لكن النفس الواثقة في عريسها وأنه صانع الخيرات فتحيا حياة التسليم في يد من أحبها فأحبته، تفرح بالتعزيات. والتسليم معناه أن ما يسمح به الله هو للخير (رو28:8). والشتاء مضى = هذه تعنى هنا أن النفس تصالحت مع الله وفهمت أنه صانع خيرات وأن التجارب كانت للتنقية فكفت عن التذمر على الله.
[3] شتاء داخلي أي برودة المشاعر "تركت النفس محبتها الأولى" (رؤ2: 4) وبرودة المشاعر هذه أتت نتيجة عواصف الشهوات وإضطرابات الرذائل. ونهاية الشتاء تشير لرجوع النفس للمسيح بالتوبة وقطعا حسب وعد الله فهو يقبل النفس التائبة . ويصبح الشتاء مضى إشارة لإنتهاء غضب السماء على هذه النفس. والمطر= يشير هنا للأوحال والزوابع. ولاحظ أن الأمطار تشير للروح القدس إذا أتت من عند الله. بينما هنا تشير للملذات العالمية التي يعطيها رئيس هذا العالم. والتي تجعل النفس تسقط في طين هذا العالم مبتعدة عن الله. والنفس التي عرفت المسيح ما عادت تضطرب بكل رياح تعاليم غريبة ولا تنجذب للشهوات الخاطئة.
والمسيح يدعو كل نفس... كفاك بروداً بعيداً عني، فلقد جئت لأصالحك على الآب.
آية (12): "الزهور ظهرت في الأرض بلغ أوان القضب وصوت اليمامة سمع في أرضنا."
الزهور ظهرت في الأرض= الأرض ترمز للجسد المأخوذ من تراب الأرض، وحين تروي الأرض بأمطار الروح القدس، تظهر ثمار الروح. وقد تشير الثمار للفضائل الداخلية والزهور للمظهر الخارجي (غل22:5). وأوان القضب= القضب هو تقليم الأشجار التي اخضرت وأثمرت وهذا يشير لصليب التجارب التي تكمل النفس. وصوت اليمامة= اليمام طائر يحب الوحدة والعزلة ولا يحب الزحام وصوته حزين. وهذا يشير للكنيسة التي اعتزلت العالم (بخطاياه) مقدمة كرازة للعالم كله= سُمِعَ في أرضنا. وصوت تسبيحها فيه بكاء التوبة وليس تهليل العالم.
آية (13): "التينة أخرجت فجها وقعال الكروم تفيح رائحتها قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي."
الفج= براعم ثمار التين. القعال= الحصرم وهو العنب في بدايته. فالكنيسة بدأت إثمارها ومعنى الآية أن النفس أو الكنيسة بمجيء المسيح وتعرفها عليه، بعد أن كانت شجرة ميتة بدأت تظهر فيها الثمار (الكنيسة بمجيء المسيح صارت مثمرة، وكل نفس تتعرف على المسيح تصير مثمرة). ولاحظ الترتيب. قومي= اتركي موت الخطية. يا حبيبتي= من يسمع الوصية يحبه الله يا حمامتي = امتلاء بالروح ورجوع النفس للثبات في المسيح.
وأيضًا هنا نرى أهمية القضب. فالثمار ظهرت بعد القضب المذكور في آية (12).
آية (14): "يا حمامتي في محاجئ الصخر في ستر المعاقل أريني وجهك اسمعيني صوتك لأن صوتك لطيف ووجهك جميل."
المحاجئ= نقر في الصخر= فالمسيح صخرتنا نختبئ فيه كما اختفى موسى في نقرة الصخرة ليرى مجد الله. والنقرة تشير لجنبه المطعون. والإشارة هنا لنوع من الحمام يختبئ في الصخور العالية ويسمى حمام الصخور. والنفس هنا مشبهة بحمامة لأنها تختبئ في بيتها الذي هو المسيح صخرتها. ولاحظ أنها في الآية (12) قال عنها يمامة إذ إعتزلت شرور العالم ونجدها هنا تختفى فيه.
المعاقل= الجرف أو منحدر صخرى شاهق. ستر المعاقل = ستر جاءت في الإنجليزية الأماكن السرية، والمعنى أننا في العالم بإغراءاته نحن معرضين للسقوط والإنحدار، والمسيح يقدم نفسه كحصن وصخرة نلتجئ له ونحتمي فيه وهو يستر علينا إن كنا نلجأ له ويكون لنا معه علاقة في المخدع فيها يعلن لنا السماويات فنحبها ونزهد في إغراءات الأماكن المنحدرة. أريني وجهك= لا تديري لي القفا بل إثبتى فىَّ. اسمعيني صوتك= كم يفرح الله بصلاتنا وتسابيحنا. وجهك جميل= يحمل صورة المسيح.
آية (15): "خذوا لنا الثعالب الثعالب الصغار المفسدة الكروم لأن كرومنا قد اقعلت."
الثعالب الثعالب الصغار= تكرار كلمة الثعالب هي للتحذير. والثعالب الصغار تدخل من الثقوب الصغيرة فتفسد الكرم في بداية نموه، هذه هي الخطايا الصغيرة التي نسمح بها إذ نشعر أنها صغيرة (كذب أبيض/ أصدقاء ظرفاء لكن كلامهم معثر....) فالشيطان الخبيث يقدم لنا الخطايا البسيطة ليقودنا للخطايا الكبيرة، فيهدم العلاقة الحلوة مع الله، والخطايا الصغيرة لا تظهر إلا وسط الانتعاش الروحي، وهذا ما حدث لهذه النفس التي بدأت براعم الثمار تظهر فيها، الثعالب الصغيرة قد تكون الأفكار التي هي الخطوة الأولى التي تقود للخطية، والثعالب مشهورة بالخداع، فما يقدم لهذه النفس يخدعها بأن هذه الخطية صغيرة ولن تغضب الله. ولكنها للأسف تفسد الكروم= أي تجعل النفس تخرج سلامها وفرحها. بعد أن كانت ثمار الروح (فرح..) قد ظهرت. ولنذكر قصة شمشون حين أحرق الثعالب (قض1:15-8)، فحين أحرق الثعالب كان من الممكن أن يضرب الفلسطينيين (الخطايا الكبيرة). فلنحذر من الخطايا الصغيرة والله سيحفظنا من الكبيرة. لكن لماذا لم يطلب أن نترك الخطايا الكبيرة. إبليس يتعامل بحكمة شيطانية فهو قطعًا إذا أراد إسقاط إنسان له ثماره الحلوة (آيات12-14) لن يبدأ بالخطايا الكبيرة فهو قطعًا سيرفضها، لكنه يبدأ بالخطايا البسيطة ومن يقبلها يصل معه للكبيرة "الهفوات من يشعر بها ومن الخطايا المستترة يا رب أبرئني".
وأقعلت تعني ظهر الحصرم فيها أي بدأت الإثمار.
آية (16): "حبيبي لي وأنا له الراعي بين السوسن."
نجد النفس هنا وقد إستجابت سريعاً لدعوة عريسها حين قال لها "قومي".
حبيبي لي= النفس هنا إكتشفت ما قدمه المسيح عريسها لها، فهو قدَّم نفسه لها. فقالت وأنا له = وما أحلى أن تُقَدَّم النفس كلها لله، يقدم الإنسان نفسه لله. المسيح قدم جسده لعروسه وهي تقدم له جسدها ذبيحة حية (رو1:12).
وأنا له الراعي بين السوسن= إذا إجتمع اثنين أو ثلاثة بإسمي فأنا أكون في وسطهم. ولاحظ أن الكنيسة صارت "سوسن" مثل عريسها، فهي صارت على شبهه.
آية (17): "إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ارجع وأشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الأيائل على الجبال المشعبة."
الآن نحن على الجبال المشعبة في هذا العالم، أي في حياة التجارب والآلام. وتترجم أيضًا "جبال الانفصال" فنحن ما زلنا لا نتمتع بعريسنا بالكامل. حتى يفيح النهار= نهار الحياة الأبدية. إرجع= هي شهوة النفس لأن يأتي المسيح في مجيئه الثاني بعد أن تذوقت حلاوة القيامة الأولى.
والمجد للة دائما

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق